داعش والأكراد.. مماليك "مرج دابق" 2016

السبت 2016/08/27

غرب الفرات خط أحمر أعلنه الأتراك حراماً على قوات “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي السوري (اي بي دي) المسماة (اي بي جي). ولذلك اختارت تركيا “درع الفرات” اسماً لعمليتها العسكرية في مدينة جرابلس الحدودية، للقضاء على داعش في المدينة التي يهددها هجوم كردي وشيك بعد انسحاب داعش من مدينة منبج قبل أيام أمام ضربات القوات الكردية المدعومة من التحالف الدولي.

اختار الأتراك توقيتاً بالغ الرمزية للعملية يوم 24 أغسطس في ذكرى مرور 500 عام على معركة “مرج دابق” التي انتصر فيها العثمانيون على المماليك، وبعدها بدأ الاحتلال العثماني لسوريا الطبيعية، ومن ثم العالم العربي، الذي استمر حوالي 400 عام.

وبالرغم من أن عدو الأتراك الظاهر في العملية كان داعش، فإن الأتراك يعدون الأكراد الخطر الأكبر على وحدة الدولة التركية.وحدهما، النظام السوري وحزب الاتحاد الديمقراطي، اعتبرا العملية خرقاً لـ”السيادة الوطنية”، كل من موقعه وتعريفه لـ”الوطن”، الأول رأى في الخطوة اعتداء على مزرعته التي ولغت فيها كل دواب الأرض، والثاني حزين على حلم “روج آفا: غرب كردستان” التي يحلم بها مدعياً تمثيل أكراد سوريا.

في الحقيقة، يحتار السوري المعارض في النظر إلى الخطوة، بالرغم من ثقته ببطلان ادعاءات النظام بحماية السيادة الوطنية، فجيش النظام ليس مهتماً بالسيادة الوطنية التي ينص عليها الدستور اسمياً من خلال تحديد مساحة البلاد وحدودها.

بكثير من الارتباك، سنجد بين السوريين من يتفهم أن تركيا تبحث عن مصالحها كدولة صغيرة في مصفوفة المتدخلين في المسألة السورية، وإن كانت مؤثرة، حيث يصعب تصور مرور حل دون تحقيق حد أدنى من مصالح تركيا.

في الحقيقة الأمر أكثر من مربك، فالسيادة الوطنية تنتهك كل يوم، وفي هذا الأسبوع أدان النظام السوري العملية التركية، بينما لم يعلن عن تعرض بلدة الرفيد لقصف إسرائيلي قبل يوم من عملية “درع الفرات”.

في جرابلس، سبقت تركيا الأكراد إلى الاستيلاء على المدينة، لتمكين الجيش الحر منها، وسحب ذريعة داعش من الأكراد والتحالف الدولي ضد التنظيم الذي كان شبه محاصر في المدينة بعد سقوط منبج بيد الأكراد. وهذا هو الحد الأدنى الذي لن تتنازل عنه تركيا، عبر قص أجنحة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، وعدم تمكين الأكراد من رتق جغرافيا “عين العرب – كوباني” شرقاً، بعفرين غرباً، عن طريق الاستيلاء على جرابلس، حيث يدخل الفرات الأراضي السورية بالقرب من جرابلس.

البديهي أن مثل هذه العملية لا تتم دون تنسيق مع أميركا وروسيا، حتى قبل أن نعرف أن طيران التحالف شارك في قصف 82 هدفاً في محيط جرابلس. ما يعزز هذه الفكرة ليس التقارب التركي الروسي الأخير، ولا محاولة أميركا تلطيف المناخ السياسي مع الحليف الأطلسي التركي بعد الانقلاب الفاشل، بل المخاوف التي بدأت تصعد على السطح من الموقع المتميز للأكراد على حساب القوى السورية المعارضة التي لا حول لها ولا قوة في ميزان المصالح المتضارب بين روسيا وأميركا وإيران. بالأحرى، يبدو أن القوى الكبرى اتفقت، أخيراً، على استنفاد الورقة الكردية طاقتها في الطريق إلى فرض حل سياسي لسوريا برضى روسيا والنظام وتركيا، وربما إيران.

العملية، منذ ساعاتها الأولى، بدا أنها ستكون سريعة، فلا طاقة لداعش في قرى جرابلس على المقاومة، وقد لا يكون التنظيم راغباً في مواجهة برية مع تركيا، على غرار مقاومتها الأكراد في عين العرب ومنبج. كما أن داعش يدرك أن تركيا متفقة مع القوى الكبرى على هذه الخطوة.

الأكراد أنفسهم لم ينجرّوا إلى معركة خاسرة مع تركيا، خاصة أنهم يعلمون بالخطوة التركية سلفاً من خلال حلفائهم، ما يعني حرمانهم من أي دعم جوي من حلفائهم كما جرت العادة في معاركهم مع داعش.

حدث في جرابلس ما حدث في تل أبيض قبل أكثر من سنة، بالرغم من عدم التدخل التركي يومها، فانسحب داعش أمام القوات الكردية في تل أبيض.

وبعد انسحاب التنظيم من جرابلس، الأربعاء، أمام قوات الجيش الحر، ستكون وجهته الرقة، فالأكراد لن يسمحوا لداعش بمرور آمن نحو قرى مدينة الباب، شرق حلب، وإن سمحوا ستكون هناك علامة استفهام عن الدور الوظيفي لداعش، حين يكون عدواً صريحاً مرة، وصديقاً ضالاً مرة أخرى.

لم تكن معركة جرابلس طويلة، ما يرجح صحة الإشاعة التي مفادها أن تعداد داعش في المدينة الحدودية لا يتجاوز مئة مقاتل، أو أن داعش الانتحاري أصبح يستخدم عقله وانسحب من المعركة حفاظاً على قواته.

وإذا كان داعش في جرابلس مطوقا من الجهات الأربع، حيث الأكراد شرق الفرات، وتركيا والجيش الحر في الجهات الأربع الأخرى، فأين ذهبت قوة داعش التي كانت تختطف المدينة، وهل انسحب مقاتلوه بشكل آمن، أم ذابوا بين الناس، وتبخروا في القرى بين جرابلس والباب، أم تسللوا إلى تركيا؟

كاتب وصحافي سوري

9