داعش والحركات الجهادية مشروع لإفشال الثورة

السبت 2015/05/23

توسعت الحركات الجهادية على أنقاض فصائل الجيش الحر؛ تنظيم النصرة أو حركة أحرار الشام أو جيش الإسلام أو داعش أيضا. وأصبحت هي المسيطرة تقريبا منذ منتصف العام 2013، وانتهت حينها شعارات الثورة لتحل محلها الرايات السوداء أو البيضاء، أو رايات أخرى وكلها تمثل فئات جهادية أو متشددة وسلفية. هذه القوى فرضت سلطة مستبدة على مناطق نفوذها، ولكن الشعب رفضها وقام ضدها بمظاهراتٍ متعدّدة في كافة المدن تقريبا، فشل جميعها نظرا إلى التمويل الكبير الذي يصل تلك الحركات، وإلى الحالة المزرية التي بات يعاني الشعب منها، مما اضطره إلى الصمت أو الهجرة، وانتقال عناصر كثيرة إليها لاحقا.

الجماعات الجهادية أنقذت النظام حينما دخلت بصراع عنيف أنهى الجيش الحر بدءا من نهاية عام 2012، أي حينما هُدد النظام فعليا. ولاحقا دخل داعش بحرب ضد كافة تلك الجماعات وبقية فصائل الجيش الحر أو الجماعات الإسلامية السلفية، واستولى على أول مدينة خرجت عن النظام أي الرقة، وتوسع لاحقا في مناطق دير الزور وحلب، أي المناطق التي حررتها فصائل الجيش الحر، وتندر حالات الصراع المسلح بين النظام وبين التنظيم، بل على العكس كان داعش يناصر النظام حينما تدحره النصرة وبقية الفصائل، وكان حين يندحر هو يسارع النظام إلى مناصرته.

ليس بالضرورة أن يكون داعش خريج أجهزة الأمن السورية، ولكن أمكن استغلال صراعه مع بقية الفصائل، التي أطلق عليها اسم صحوات، ونسوق مثلا على ذلك صحوات العراقيين ضد تنظيم القاعدة في العراق عام 2005 وبعده، معتبرا أن معركته الأساسية ضدها وليست ضد النظام. وبهذا استفاد النظام من داعش ليصفي المناطق المحررة والفصائل التي تحاربه، رغم تمتعها بحاضنة شعبية، ورغم أن داعش وبقية الحركات الجهادية لا تتمتع بأي حاضنة شعبية.

إن توسع داعش وبقية الحركات الجهادية أتاح للنظام التوسع في إشراك مليشيات طائفية شيعية من لبنان وإيران والعراق وأفغانستان ودول أخرى، ولكن الحركات التي تقاتل النظام، باستثناء داعش، حاربت النظام دون هوادة، وبدوره قام النظام بمحاربتها، وكلما اشتدت الحرب في سوريا كلما قويت الحركات الجهادية، وتراجعت الفصائل المحلية، حتى كاد المشهد السوري يتحول إلى حركات جهادية ضد النظام، ونظام يحارب معتمدا على حركات شيعية جهادية مستجلبة من الخارج.

لم تحظ الحركات الجهادية بحاضنة اجتماعيةً، وإنما توسعت بسبب الأوضاع المزرية للسوريين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وأغلبية كوادرها السورية التحقت بها ليس لوازع ديني مستجد لديها، فهي مؤمنة بأغلبيتها، وإنما بسبب حاجتها إلى المال والطعام والسلاح وإلى إمداد لا ينقطع، بينما الجيش الحر تنقصه كل هذه الإمدادات. فكلما تقدم الجيش الحر في مدينة واندحر النظام يتم محاصرة المنطقة وإيقاف الدعم عنها، مما يسمح للنظام مجددا بالتقدم وهكذا.

الوضع مع الجماعات الجهادية هو على النقيض من ذلك، رغم أنها خاضعة لقوى خارجية، وهي لا تستعجل إسقاط النظام أيضا، بل تريد بناء “دولتها الإسلامية”، وبالتالي تقوم بإعداد دورات في العلوم الشرعية للوافدين الجدد، وفق فقهها وفهمها الخاص، فارضة سلطتها على المجتمع، منهية بقية الفصائل كما أشرنا؛ هذا ما فعله بشكل واضح جيش الإسلام في الغوطة الشرقية، وهو ما فعلته النصرة في إدلب خاصة، حتى أنها قضت على فصائل مدعومة ومشكلة وفقا للسياسة الأميركية كحركة حزم وجبهة ثوار سوريا.

الحركات الجهادية لا تقاتل النظام إلا بعد أن تسيطر على الأرض تماما، وربما هي لا تفعل ذلك في بعض المناطق بسبب قوة بقية الفصائل التي تفرض عليها التنسيق العسكري في المعارك، كما هو الأمر في درعا بشكل خاص، وكذلك في الغوطة الشرقية. وتجلت هذه الفكرة بوضوح مع تنظيم داعش، الذي تُرك يعلن خلافته في سوريا والعراق ويدمر حدود سايكس بيكو، وكثير مما يفعله هذا التنظيم يخدم النظام مباشرة.

قاتل داعش كافة الفصائل في مخيم اليرموك، وساعدته جبهة النصرة في ذلك، سيما وأن النصرة طُردت من المنطقة الجنوبية في دمشق. وبرزت جماعة من داعش في مدينة درعا حينما كانت تتقدم فصائل الجيش الحر وتكبد قوات النظام والمليشيات الشيعية خسائر كبيرة، مما اضطر تلك الفصائل إلى الإجهاز على داعش، وتكرر الأمر نفسه في القلمون في الشهر الأخير، فبينما تواجه الفصائل قوات حزب الله والنظام بدأ داعش يناوش جيش الفتح الذي اضطر إلى إعلان الحرب ضد التنظيم، وهذا ما ساعد حزب الله في المعركة التي لم ينتصر فيها بعد، وقد لا ينتصر فيها، فالمعركة وتحديدا في القلمون هي معركة كر وفر.

الأخطر هو هجوم داعش المتكرر على مدينة تدمر، والذي سارعت كافة المنظمات الدولية لإدانته. وقد سيطر فعلا على المدينة وأصبحت أثارها مهددة بالكامل كما حدث مع مدن أثرية أخرى قام بتدميرها في العراق كنينوى، ولن يستبعد أن يفعل الأمر ذاته في تدمر المصنفة ضمن الأثار العالمية للـ”يونسكو”. السيطرة على مدينة تدمر تمت تقريبا دون قتال يذكر مع قوات النظام، وجرى ذلك بعد الخسائر الكبيرة التي تكبدها النظام في جسر الشغور، وقد يخسر أريحا، وهناك تهديد جدي له في حلب ودرعا، إلا أن سقوط تدمر سيسمح للنظام بإعلان نفسه حاميا للآثار العالمية ضد الهمج، آملا أن يقف العالم إلى جانبه ضد هؤلاء الهمج.

التحالف الدولي بقيادة أميركا، والمشكّل أصلا للوقوف ضد داعش، تَرك هذا الأخير يتمدد نحو تدمر وهذا أيضا ما فعله النظام، وكأنّ الاثنين متفقان على ذلك. وقام التحالف مؤخرا بقصف مواقع لجبهة النصرة التي تشكل أبرز القوى المشكلة لقيادة جيش الفتح في إدلب خاصة.

جاء قصف التحالف الدولي لحركة النصرة بعد كامب ديفيد الذي طرح فيه مصير سوريا. فعندما بدا النظام منهكا بأمس الحاجة إلى حماية دولية، دخل داعش إلى تدمر، ولم تمانع أميركا في ذلك، ليتم الضغط على المعارضة التي تخشى فعلا من داعش ومن بقية الحركات الجهادية بما فيها النصرة، وبالتالي يوضع الحل السياسي على طاولة النقاش مجددا وتتشكل حكومة مشتركة من النظام ومن المعارضة.

ولن نجانب الصواب إذا قلنا إن وظيفة داعش وبقية الحركات الجهادية هي إنهاء الثورة الشعبية ومنع تحقق أهدافها وإجبارها على الخضوع لمقررات مؤتمر جنيف وتشكيل حكومة لا تلبي مصالح الشعب السوري.

كاتب سوري

8