داعش والحشد الشعبي.. صراع ديني بمفردات طائفية

الجمعة 2015/04/10
الحشد الشعبي وداعش خطان متوازيان للطائفية والتطرف

تنظيم الدولة الإسلامية وما يميز ممارساته من همجية وعنف لا يختلف في ذلك عن قوات الحشد الشعبي التي تقف في الجهة المقابلة له من الصراع الطائفي الذي يرزح تحته العراق، حيث أن ما يجمعهما رغم الاختلافات العقدية والانتماءات المذهبية هو العنف والتطرف.

الحشد الشعبي يختطف العراق من داعش ويمارس ضد السنة نفس ما كان يمارسه شبيهه السني ضد الطوائف الأخرى والخاسر الوحيد هو المجتمع العراقي بكل طوائفه التي زجّ بها في أتون حرب مذهبية تجعلها مرهونة القرار والمصير بولاية الفقيه التي تتحكم في خيوط اللعبة عبر وكلائها في بلاد الرافدين.

هل احترقت ورقة الحشد الشعبي في العراق؟ خرج هادي العامري الذي قاد تلك الميليشيا من معركة تكريت بطلا طائفيا، غير أنه على المستوى الوطني كان قد استعاد وجهه الكريه. ملك التوابين في إيران الذي كان مسؤولا عن تعذيب الأسرى العراقيين أثناء الحرب العراقية ــ الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي.

لا شيء يُنسى. هذا صحيح، غير أن الرجل كان مخلصا لسيرته الأولى حين سمح لأفراد من ميليشياته بأن تقوم بعمليات نهب الممتلكات الشخصية وتفجير وحرق البيوت السكنية في تكريت بعد تحريرها الذي يمكن أن يكون افتراضيا، فلا أثر لقتلى داعش وسط الخراب الذي انتهت إليه المدينة.

وهو ما لن يتكرر في الأنبار والموصل إذا كان العراقيون حريصين على استعادتهما. ولكن تنظيم داعش وقد أنجز مهمته في العراق لن يكون في انتظار أحد لكي يزيحه من مواقعه. فما حدث في تكريت كان تجسيدا لسلوك همجي، هو تتمة لما أرسى تنظيم داعش قواعده من سلوك إجرامي في حق المدنيين.

الهمجية هي نفسها، سواء جاءت من داعش أم من الحشد الشعبي. في الحالين فإن العراقيين هم الخاسرون. فالنصر الذي تروّج له وسائل الإعلام الرسمية في العراق كان انتصارا للقيم الوحشية والبدائية التي كان تنظيم داعش ولا يزال ينادي بها. وهي قيم، من شأن تبنيها من قبل ميليشيات تابعة للحكومة كما حدث في تكريت أن يقضي على آخر أمل للعراقيين في إمكانية قيام دولة في العراق. فالهمج لا يبنون دولة، وقيم الهمجية لا تصلح أن تكون قاعدة لقيام مجتمع، أيا كان نوع ذلك المجتمع.

حكومة بغداد دبر لها بألا تجد حماية لها إلا من خلال ميليشيا الحشد الشعبي، وهو ما يضفي على تلك الحماية طابعا طائفيا

وإذا ما كان البعض قد توقع أن تكون جريمة تكريت بداية للتقسيم لما انطوت عليه من كراهية ورغبة في الانتقام، فإن خاتمة من هذا النوع لا يمكن أن تقع إلا بعد حرب أهلية، يدفع ثمنها الجميع.

وهو ما تسعى إلى جر البلاد إليه أطراف عراقية عديدة، بعضها يشارك في الحكم مثل فريق نوري المالكي ــ هادي العامري. وإذا ما كانت حكومة بغداد لا ترى لها خيارا خارج الأجندة الطائفية فإن تلك الأطراف ستجد أن من السهل عليها أن تجر الحكومة إلى مواقع تنزلق من خلالها إلى أن تكون أداة تنفيذية لمشروع تلك الحرب.

فما طفح على السطح بعد الأحداث المخزية التي شهدتها تكريت يكشف أن حكومة بغداد إن لم تكن متواطئة مع المجرمين، حين لم تحرك ساكنا، فإنها لا بد أن تكون أضعف من أن تتصدى إليهم.

وما فشل الحكومة في تنفيذ قرار رئيسها القاضي بنزع أسلحة الميليشيات في البصرة، وهي المدينة العراقية الأبعد عن ساحات النزاع المسلح، إلا دليل واضح على أن تلك الحكومة لا تحظى باحترام الميليشيات التي تمولها وتحظى بمباركتها.

لقد خُطّط لحكومة بغداد ألا تجد حماية لها إلا من خلال ميليشيا الحشد الشعبي، وهو ما يضفي على تلك الحماية طابعا طائفيا، لا يمكنه أن يحقق أهدافه إلا من خلال انصياع الحكومة لإملاءات الميليشيات التي صارت بحكم التهريج الإعلامي ودعم المرجعيات الدينية قوة فوق القانون. معفية من أيّ مساءلة ومحصّنة ضد كل انتقاد يُوجه إلى تصرفات أفرادها. فهل يشعر العبادي بالحرج وهو يرى القوة التي اعتمد عليها في تحرير البلاد تصادر حرية المواطنين وتنهب وتحرق ممتلكاتهم؟

كما أرى فإن المسافة التي تفصل بين العبادي وبين الاستسلام النهائي لحكم الميليشيات صارت أضيق مما يتوقع، في ما صارت المسافة التي تفصل بينه وبين حلمه في تحرير باقي الأراضي العراقية أكثر سعة مما يتخيل.

13