داعش.. والسر الإيراني

الأربعاء 2013/11/13

لم يمرّ أسبوع على إعلان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف عن استعداد بلاده للضغط على المسلحين للانسحاب من سوريا في إطار سعيها لإثبات حسن نيتها أمام محاوريها الغربيين، حتى بدأت معالم ذلك التصريح تتجسد على أرض الواقع، فقد أعلن زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري عن الاستغناء عن خدمات دولة العراق والشام الإسلامية، وإنهاء عملها في سوريا، مانحاً تنظيم جبهة النصرة عقداً مدته عام واحد للعمل داخل الأراضي السورية تحت مظلة تنظيم القاعدة، وسواء أنكر التنظيم أم اعترف عن وجود علاقة سرية تجمعه بطهران فإن هذا التزامن بين الإعلانين يجعل التساؤل مشروعاً عن سرّ تلك العلاقة، وعن مدى قدرة إيران على اللعب بأكثر من ورقة واحدة في الملف السوري، فهي لا تكتفي بإطلاق يد حزب الله اللبناني، ولواء أبي الفضل العباس العراقي في القتال فقط، بل إن مقاتلي الحرس الثوري وقادته حاضرون بقوة داخل الساحة، وثمة معلومات مؤكدة تشير إلى أن العمليات العسكرية تدار من قبل قاسم سليماني قائد الحرس الثوري شخصياً، الذي يشير بعض السوريين إلى أنه الحاكم الفعلي لسوريا.

وقد استثمرت طهران، كما النظام، ومثلهما فعلت موسكو، انخراط دولة العراق والشام الإسلامية في القتال في سوريا، وسوّقت لفكرة الثورة التي تريد تمزيق نسيج سوريا الاجتماعي والثقافي، وقتل الأقليات الدينية والعرقية، رغم أن «الدولة» لم تظهر بمظهر المعادي للنظام بل إن وجودها صبّ أولاً وأخيراً في خدمة النظام، وقد عملت على تحقيق مكاسب على الأرض لكن ليس ضد النظام بل ضد مقاتلي الجيش الحر، الذين سبب لهم دخول داعش، وهو الاسم المختصر للتنظيم عابر الحدود، الكثير من الخسائر ومن الحرج في الوقت نفسه، فالتنظيم الذي ميّزته عن سواه من التنظيمات المقاتلة في سوريا عدد من الفيديوهات التي تصور قطع رؤوس وعمليات جلد، وأقام سجوناً ومعتقلات للناشطين السياسيين والإعلاميين، مزّق شعار الثورة الواضح، واستبدله بشعارات لا تمت إلى الواقع السوري بصلة، وبدل أن تكون للجيش الحر حرب واحدة ضد قوات النظام بات لزاماً عليه أن يفكر بحرب إضافية مع داعش التي تمكنت وبسهولة بسبب تسهيلات لوجستية قدمتها لها الحكومة العراقية.

وكانت جبهة النصرة التي نالت مكرمة تمثيل القاعدة لمدة عام كامل في سوريا حسب بيان الظواهري، قد أعلنت في وقت سابق رفضها الانضواء تحت راية داعش، واستكبرت على بيعة «البغدادي» أمير التنظيم، وهي، وكما يقول بعض مناصريها، لا تنسّق إطلاقاً مع داعش، بل إنها مستعدة للتنسيق مع الجيش الحر في حربه ضد قوات النظام، لكن هل ستتغير إستراتيجيتها بعد أن منحها الظواهري مكرمته تلك؟

إذن ستغيب داعش عن المشهد خلال أيام، وستختفي راياتها، لكن دور إيران المؤكد في سوريا لن يتوقف عن حدود داعش فما زال حزب الله موجوداً ولم تصدر له الأوامر بعد بمغادرة سوريا، ولذلك فهو يعدّ العدة، لحرب كبرى ضد الجيش الحر في منطقة القلمون في الريف الدمشقي، وهي المعركة التي ستسهّل رسم حدود «الدويلة» التي يحلم بشار الأسد بإنشائها ضماناً لاستمراريته، ويبدو أن إيران، الضامن الوحيد لبقائه، تسعى لتحقيق حلمه هذا، وهو ما سيجعل أي احتمال لمغادرتها سوريا ضرباً من المستحيل، لأن مغادرتها تعني اكتفاءها بدور صغير في المنطقة، وهو ما لا تفكر فيه على الإطلاق.

وما دام الحديث عن مؤتمر جنيف2 المرتقب يشغل الأروقة الدبلوماسية، فإن إيران تمثّل وفق المعطيات كلها اللاعب الرئيس في الأزمة، وقد رأى المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي أن حضورها ضروري وهو ما أثار حفيظة المعارضة وجعلها تتهم الإبراهيمي بسوء التقدير، لكن العكس على ما يبدو هو الصحيح إذ إن ما يمكن أن تقدمه طهران من ضمانات للمجتمع الدولي يبدو أكبر مما يمكن أن تقدمه المعارضة أو حتى النظام، ولهذا فإن اشتراطات المعارضة على عدم حضور إيران، والتي تنبع أصلاً من دراية بحجم التورط الإيراني في الحرب على الثورة السورية، لن تلقى آذاناً صاغية لدى رعاة المؤتمر نظراً للتهليل منقطع النظير الذي تستقبل به إيران في أثناء مفاوضاتها المكوكية بخصوص ملفها النووي والذي يبدو أنها مستعدة لمقايضة الأسد في سبيل ضمان استمرار عملها على مشاريعها النووية، كل شيء وارد… وما على المشككين سوى الانتظار.


كاتب سوري

9