"داعش" والمغول والعراق

السبت 2015/06/06

كثيرا ما أكدت في مقالات سابقة على أن قيمة التطرف تكمن في حيوية الإرادة التي تكمن فيه، فهناك طاقة وإرادة سلبية متفجّرة عند المتطرفين تجعلهم مثل قنبلة عنقودية تتعدد طوائشها التي تفتك بالبشر، لذلك وإن كان مستغربا نمو تنظيم متطرف مثل “داعش” إلا أنه من ناحية أخرى مبرر في ظل التراخي وعشوائية الحلول التي تطرح في مواجهته، فهناك تحالف دولي ظل يضرب التنظيم، ويتتبع حركته في سوريا والعراق لفترة طويلة، ولكن دون أن نحصل على نتائج على أرض الواقع.

نمو التنظيم المتطرف تكشفه آخر الإحصائيات التي تشير إلى أن لديه نحو ثلاثين ألف مقاتل من مئة دولة حول العالم، أي أنه أصبح تنظيما وكيانا دوليا بامتياز ولا يختص بمنطقة جغرافية أو إثنية محددة، وهنا يتضاعف الخطر، ويصبح التنظيم أخطبوطا يتمدد شـرقا وغربا، جنوبا وشمالا ولا توجد قوة عسكرية أو أمنية حقيقية وفاعلة توقفه، فمن يتضرر من ذلك؟

السماح بالتطرف على هذا النحو أكبر من أن يكون شغلا استخباراتيا لأنه خارج نطاق السيطرة، فهناك جيوش من الذين ينتمون إليه لا يقبلون بأن يكونوا مجرد خراف في قطيع يقوده أمراء حرب بإمرة استخبارات، فيما هم بنوا ولاءهم وانتماءهم على قواعد دينية زائفة لن يقبلوا بالتضحية بأنفسهم بعيدا عنها، ولذلك حتى إذا افترضنا أن بناء التنظيم تم بعامل مخابراتي، إلا أنه فلت وخرج عن السيطرة.

وضع التنظيم في العراق الآن مخيف، فهو قريب جدا في الخارطة من العاصمة بغداد، وذلك إلى الحد الذي شكا فيه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، في اجتماع دول التحالف الدولي ضد تنظيم داعش في باريس، من ضعف الدعم الدولي المقدم للعراق في معركته ضد مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية، وأوضح أن غالبية أعضاء تنظيم الدولة هم من الأجانب بنسبة 60 بالمئة والباقي من العراقيين.

في الجانب العملياتي يتحدث المسؤول العراقي بصورة كارثية حين يقول إن التنظيم تقدم في الرمادي بفعل تقدم المقاتلين الأجانب والعربات الكبيرة المفخخة التي لا تقوى الضربات الجوية العراقية على صدها، ولذا فإن العراق يطالب بدعم جوي للإسناد والاستخبارات، وبصواريخ أكثر تطورا، وذلك ينطوي على اعتراف بالفشل في مواجهة التنظيم رغم أن العراق دولة ولها جيشها، وإذا فعل به التنظيم ذلك فهو من القوة بما يجعله يتمدد في كامل العراق قريبا.

نمو التنظيم مؤشر على خلل في منهج المكافحة والتصدي، وإذا فشل العالم في ذلك لا بد من الاعتراف، حتى يتم النظر بواقعية أكثر لخطورة ما نتجّه إليه جميعا، لم يعد الأمر تصفية حسابات أو عمل مخابرات خاطئ، فالعالم بأسره يدفع الثمن قطعا في الرقاب وحرقا للأجساد ورميا من عل وجلدا بالسياط، وانهيارا في المنظومات الاجتماعية، وتشويها عميقا في الدين الذي يختطفونه ويقدمونه بصورة عنيفة تدمّر الإنسانية وتعيد المجتمعات إلى حالة وحشية لا يمكن قبولها.

السماح بأي تمدد إضافي للتنظيم يراكم الفشل ويضع العالم أمام أمر واقع تصعب مواجهته وتغييره والعودة إلى مستوى إنساني مناسب للحياة، فالتخريب الذي يمارسه التنظيم يزداد وكأنه يحفر حفرة عملاقة للإنسانية ليدفنها فيها أمام بصر الجميع الذين يخطؤون في تقدير خطورة الموقف، وحين ينادي العراقيون إلى نصرتهم فليس ذلك مجرد اعتراف بالضعف والفشل، وإنما هي أولى الصرخات الإنسانية من اكتساح التنظيم لدولة ومجتمع لن يكون الأخير وإنما هي البداية لمرحلة قاتمة وسلبية تحتاج إلى النظر في الأفق ورؤية التالي من تمكين التنظيم واندفاعه بصورة تماثل ما فعله المغول حين اقتحموا بغداد ولا تزال ذكرى ذلك تسير بها الركبان.

كاتبة سعودية

8