داعش والميليشيات يلتقيان عند هدف إشعال حرب طائفية في العراق

السبت 2015/01/03
ضرب وحدة المجتمع العراقي هدف مشترك للمتطرفين بغض النظر عن انتمائهم الطائفي

بغداد – حادثة اغتيال ثلاثة من رجال الدين السنة في العراق بالتزامن مع الاحتفال بالمولد النبوي تؤكّد وقوع العراق مجّددا في ورطة استهداف الرموز التي أفضت من قبل، وفي ظروف مشابهة، إلى تفجير صراع طائفي في البلاد.

وصف أمس عراقيون مقتل ثلاثة من أئمة مساجد سنية على يد مجهولين في محافظة البصرة بـ“الفاجعة”، اعتبارا لـ”خطورة الجريمة في مسار محاولات جرّ البلاد إلى حرب طائفية بعد أن أصبح الاستهداف الممنهج لرموز الطائفة السنية هدفا مشتركا لتنظيم داعش وللميليشيات الشيعية على حدّ سواء”، بحسب تعبير إمام مسجد بضواحي بغداد تحدث لـ“العرب” طالبا التكتم على هويته نظرا للمخاطر التي أصبحت تتربص برجال الدين السنة في العراق.

وجاء حادث مقتل الأئمة التابعين لمديرية الوقف السني في محافظة البصرة في هجوم شنه مسلّحون ليلة الخميس الجمعة على سيارتهم قرب منطقة باب الزبير في ذات المحافظة، بعد أقل من أسبوع عن مقتل أمام سني في بلدة طوزخورماتو شمالي العراق في هجوم مماثل.

وقال رئيس اللجنة الأمنية في قضاء الزبير مهدي ريكان إن الهجوم وقع عند مدخل الزبير عندما كان الضحايا، وهم خطباء وأئمة مساجد في القضاء، في طريق عودتهم من مدينة البصرة بعد حضور اجتماع في مقر الوقف السني في المدينة الواقعة على مسافة 450 كلم جنوب بغداد، مخصص لبحث استعدادات الاحتفال بعيد المولد النبوي الذي يصادف اليوم السبت. وأكد مدير الوقف السني في البصرة الشيخ محمد بلاسم مقتل رجال الدين الثلاثة، وهم إمام مسجد الزبير يوسف محمد ياسين، وإمام مسجد البسام إبراهيم شاكر، وإمام مسجد زين العابدين أحمد موسى.

ومن جهته تحفظ الإمام الذي تحدث لـ”العرب” عن توجيه الاتهام إلى أي جهة مكتفيا بالقول إن تنفيذ الجريمة على يد عناصر من داعش أو من الميليشيات الشيعية أمر وارد بنفس الدرجة، مؤكدا أنّ الدفع باتجاه حرب طائفية في البلد أصبح هدفا مشتركا للطرفين المتعاديين، وإن من منطلقات مختلفة.

وشرح أن تنظيم داعش الذي بدأت سيطرته على الأرض تنحسر في عدّة مناطق عراقية يجد مصلحة كبرى في إغراق البلد في فوضى شاملة يتوقّع أن يكون مستفيدا منها.

وأضاف أن للتنظيم أيضا غرضا انتقاميا من قيادات دينية سنية معتدلة كان لها دور في فضح تشدّده وحث الناس على عدم التعاطف معه والانضمام إليه، ودعوتهم إلى الانخراط في الحرب ضدّه.

وعلى الطرف المقابل، يضيف محدّثنا، أن قيادات داخل الميليشيات الشيعية تمارس التحريض علنا ضدّ سنّة البلاد والدعوة إلى الانتقام من مشائخها وأئمتها عبر إلصاق تهمة “احتضان داعش” بهم.

أهداف متقار بة
◄ داعش:

- إحداث فوضى في العراق تعويضا عن انحسار السيطرة الميدانية

- الانتقام من معتدلين سنة وقفوا في وجهه ودعوا للحرب عليه

◄ الميليشيات:

- الانتقام من طائفة متهمة باحتضان تنظيم داعش

- استغلال وضع التفوق الحالي في عملية "تطهير" طائفي

وأكّد أن أكثر تلك الميليشيات تشدّدا ترى أنّ تفجير حرب طائفية يصب في مصلحتها في الوقت الراهن باعتبارها أصبحت الطرف الأقوى بما تدفق عليها من مال وسلاح من إيران بمناسبة الحرب على تنظيم داعش وما بلغته من تنظيم وما اكتسبته من خبرة قتالية، وأيضا بما تلقاه من دعم من قبل أجنحة ما تزال نافذة وتحتل مواقع مؤثـرة في الحكومة.

وكانت عدّة تقارير قد تواترت في الفترة الأخيرة بشأن ممارسات خطرة لعناصر الميليشيات الشيعية بحق السكان السنّة في المناطق التي تساهم تلك الميليشيات في استعادتها من يد تنظيم داعش، ترتقي إلى درجة العمل على إيجاد مناطق “مطهّرة طائفيا”. وورد مؤخرا في تقرير لوكالة رويترز مدعّم بشهادات ميدانية أن الميليشيات الشيعية تعمل في بعض مناطق العراق على تغيير الملامح الديموغرافية وحتى الجغرافية لتلك المناطق. ويمكن أن يكون لاستهداف مشائخ سنّة في محافظة البصرة بالذات دلالة خاصة في هذا السياق حيث لا تخلو المحافظة من أصوات تروّج إلى أنّ لتنظيم داعش حاضنة بين أبناء الطائفة السنية هناك، وأن أئمة ومشائخ من الطائفة يمارسون الدعاية لصالحه.

وفي المقابل يطالب عراقيون حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي باتخاذ إجراءات عملية لوقف عملية التحريض والشحن الطائفي تنفيذا لوعودها بشأن الحفاظ على وحدة المجتمع العراقي والابتعاد عن كل ما يحمل شبهة تمييز ضدّ طائفة من طوائفه.

وأعلنت وزارة الداخلية العراقية أمس بدء تحقيقات في مقتل الأئمة الثلاثة في البصرة وجرح اثنين في نفس الحادث.

وقال الناطق باسم الوزارة، سعد معن، في بيان إن “وزير الداخلية محمد الغبان أمر وكالة المعلومات والتحقيقات الاتحادية بتشكيل لجنه تحقيق للوقوف على خلفيات وأسباب الحادث الإجرامي الذي تعرض له خمسة من الشيوخ وأئمة المساجد التابعين لمديرية الوقف السني في محافظة البصرة بجنوب البلاد”.

وأغفلت الوزارة في بيــانها أي إشارة إلى إمكانيـة تـورط الميليشيــات في الجـريمـة، متهمة “قوى” لــم تسمها قالــت إنها تسعى إلى “خدمة مشـروع تنظيم داعـش في العـراق”، بالـوقـوف وراء الجريمة “بغية شحن الأجواء مجددا وإعادة تصعيد الخطاب الطائفي من خلال استفــزاز المشاعر المذهبيــة وتجييش النفوس لإحبــاط مساعي الحكومة ووزارة الداخلية بالذات في ضبـط الشارع والسيطرة على التعبيـرات المسيئـة للوحـدة الوطنيـة”.

إلاّ أن الحزب الإسلامي العراقي الذي ينتمي إليه رئيس مجلس النواب سليم الجبوري، اتّهم في بيان فصائل شيعية مسلحة بالوقوف وراء الهجوم. وقال في بيان “يبدو أن مجرمي الميليشيات أغاظتهم مشاعر المحبة للنبي وأثارهم هذا التمسك الطيب بالهوية الأصلية لمدينة البصرة والتي تواجه اليوم مخططا خبيثا لمحوها”.

ومن جهته أصدر مدير الوقف السني في البصرة، محمد الجبوري بيانا استنكر فيه الحادث. ودعا الشيخ خالد الملا، رئيس جماعة علماء العراق الحكومة الاتحادية للكشف عن الجهات المسلحة التي نفذت الهجوم على سيارة الأئمة في البصرة.

وقال الملا، في بيان: “نطالب الحكومة والقوات الأمنية في البصرة بإجراء تحقيق عاجل لكشف العصابات الإرهابية التي استهدفت علماء الدين وعرضهم في وسائل الإعلام لينالوا جزاءهم العادل”.

ومضى قائلا: “إيمانا منا بقدسية الدم العراقي وواجب الحفاظ عليه نستنكر بأشد العبارات اليد الآثمة الخبيثة التي تطاولت على رموز إسلامية وواجهات اجتماعية مثلت وحافظت على وحدة الصف العراقي”.

3