داعش والواقع الجديد

الأربعاء 2015/01/07

ذكرنا في مقالات سابقة أن من خطط ورعى ما سمي بـ“الربيع العربي” لن يقف مكتوف الأيدي بعد أن فشلت خطته لإحداث ثورات في منطقة الخليج العربي، الذي ظلت أنظمته متماسكة وصامدة أمام كل محاولات إشعال الثورات وتغيير الأنظمة، ومن الطبيعي أن ينتقل المخطط إلى الخطة “ب” بعد فشل الخطة الأولى.

لقد أدى تأخر دخول الثورات لمنطقة الخليج إلى زوال اللمعان والبريق الذي بدأت به هذه الثورات، فانكشف عوارها وظهرت حقيقتها البشعة، وتبيّن أن الشعارات التي قامت عليها إنما هي شعارات زائفة لا تمت للواقع بصلة، وأن الآمال الوردية التي بنيت عليها، إنما هي سراب يحسبه الظمآن ماء، فلمّا وصل إليه لم يجده شيئا.

إطالة أمد الثورة السورية عبر تقوية طرفيها وتغذيتهما باستمرار، وإطلاق الإرهابيين من السجون العراقية عبر اقتحامها تباعا، وكذلك نشر الفوضى في ليبيا لكي تكون الجهة التي تغذي التنظيمات المسلحة بالسلاح في العراق وسوريا، هي العناصر الثلاثة التي خلقت الواقع الجديد الذي يهدد أمن الخليج اليوم، وليست هذه سوى الخطوة الأولى، أو الفصل الأول، من المسرحية التي أريد لنا أن نعيش فصولها.

إن بداية الفصل الثاني للمسرحية تتمثل في اهتمام الولايات المتحدة وبريطانيا بـ“داعش” بل وتصدراها جدول اهتماماتهما، ودعم قوات البيشمركة وحزب العمال الكردستاني لمواجهة “داعش”، وهذا هو واقع آخر جديد لم يكن معهودا من قبل، فمنذ متى تثق الولايات المتحدة بقوات البيشمركة حتى تدعمها؟ وما هي المكافأة التي سيحصل عليها الأكراد مقابل هذه الخدمة؟ ولماذا تصمت تركيا وتكتفي بالتفرّج على دعم غريمها، حزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه كجهة إرهابية؟

ليس هذا ما يثير الاستغراب فحسب، بل أكثر ما يثير الاستغراب هو الصمت الروسي تجاه التحركات الغربية، وهو الذي هزم الغرب في أوكرانيا حينما اقتطع إقليم “القرم” رغم أنف الولايات المتحدة وأوروبا اللتين عارضتاه بشدة، فيفترض أن تتوقع روسيا ردا غربيا ربما يكـون في منطقة أخرى غير أوكرانيا، فما سرّ صمت روسيا تجاه الخطوات الأميركية في العراق وسوريا؟

إذا كان الهدف من الثورات العربية هو تقسيم الدول العربية، فإن “داعش” تسير في هذا الاتجاه وبسرعة الصاروخ، حيث تمكنت من تهجير مسيحيي الموصل، ونكلت بالأيزيديين أيما تنكيل، وهي بذلك تجاوزت مراحل الصراع “السني الشيعي” الذي ازدادت وتيرته في المنطقة مؤخرا، ومن غير المستبعد أن تحصل هذه الأقليات على دويلات وتتعهد “داعش” بأن تدعهم وشأنهم، مقابل منحها هي الأخرى دولة خاصة بها، فتنفرط سبحة التقسيم وقيام الدويلات ذات الأشكال الطائفية والعرقية في المنطقة، فيظل التوتر مستمرا فيها وإن قلت وتيرته، فليس من المهم لدى واشنطن أن تشتعل المنطقة أو حتى تحترق بشرط عدم المساس بالكيان الصهيوني.

واشنطن قاب قوسين أو أدنى من الاستغناء التام عن نفط الخليج، مما يعني أن دول الشرق هي المتضرر الأول من التوتر في حال أصاب المنطقة، وبذلك ستظل الولايات المتحدة بعيدة عن دول الشرق التي كادت أن تقترب من منافستها.


كاتب صحفي كويتي

9