داعش وتنظيم القاعدة: صراع على الغنيمة السلطوية بأدوات دينية

الاثنين 2015/01/12
الصراع بين ميليشيات القاعدة وداعش حول اقتسام السلطة غُلّف بمغالطات دينية

بغداد- إن أبرز المنطلقات الفكرية للقاعدة يتمثل في ما تسميه أدبياتهم «إقامة الخلافة الإسلامية على نهج النبوة»، رغم أن جل التفسيرات في هذا الباب أقامت حدودا نظرية وعملية بين ما تمارسه القاعدة ورديفاتها من التنظيمات الأصولية وبين «دولة الخلافة النبوية الصحيحة» التي يؤكد العديد من العلماء أنها «مدنية بامتياز». وقد مثلت هذه القاعدة الفكرية التي ترتكز إلى تحقيق هدف الحكم والسلطة أحد الأسباب العميقة لتأكيد انتماء هذه التيارات المتشددة والمسلحة إلى الفضاء الفكري «للإسلام السياسي».

إن منطلقات القاعدة الدينية والعقائدية ومصادرها الفكرية التي تتفق فيها تماما مع “داعش” ترتكز إلى جملة من الفتاوى القديمة والمنتمية ظرفيا إلى سياقات مغايرة تماما للواقع الحالي، مثل فتوى “أهل ماردين” وقد استند عليها تنظيم القاعدة وغيره من تيارات السلفية الجهادية في إباحة قتال الحكام المسلمين، وأيضا فتوى ابن تيمية الشهيرة بـ”فتوى التتار” التي تمكن المتشددين من قتال المسلمين الذين لا يتبعون تنظيمهم ولا يعتقدون بمعتقدهم. كما استند تنظيم القاعدة أو ما يسمى بالدولة الإسلامية وكثير من تنظيمات السلفية الجهادية إلى “قاعدة التترس”: أي جواز قتل المسلم إذا “تترّس” به الكافر، كأساس شرعي لتبرير بعض العمليات العسكرية التي يترتب عليها قتل.

ويقول تنظيم القاعدة في أحد وثائقه إن “الإسلام أوجب قتال غير المسلمين (إطلاقاً)”، وغزو العالم لنشر الدعوة، وهو مذهب سيد قطب في تفسير سورة التوبة ومذهب تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير إلى ذلك في قوله “إن قول رسول الله عليه الصلاة والسلام وفعله يدل دلالة واضحة على أن الجهاد هو بدء الكفار بالقتال لإعلاء كلمة الله ونشر الإسلام” غير أنه يربط هذا الجهاد بشرط قيام دولة الخلافة.

وهذا ما كان له شديد الأثر على صورة الإسلام في العالم، حيث تصدرت الحركات الجهادية المتطرفة المشهد الإعلامي في العديد من دول العالم، وتمكنت من الإساءة للإسلام بتقديم تعريف مغاير لحقيقة مضمونه الإنساني.

إن أوجه الشبه بين القاعدة والدولة الإسلامية أيضا يكمن في طرافة بناء “داعش” لجانب واسع من تنظيرها وممارستها على ذات النظريات السلفية في طاعة ولي الأمر، لكن الملفت أكثر للانتباه أن هذه المرة يجب تقديم واجب البيعة لأمير “داعش”، وحرمة الإنكار العلني تعني الكفر وتوجب القتل. ونجد في سلسلة “قمع الفتنة في مهدها” والكتاب رقم 3 بعنوان “نور اليقين” وهو “شرح عقيدة تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين” لأبي مارية القرشي، يعتمد فيه المؤلف على رسائل الشيخ محمد بن عبدالوهاب في عقيدة التوحيد.

جماعة داعش تستدل في قتل مخالفيها على نصوص دينية ووقائع تاريخية خارجة عن سياقها لتشوه صورة الدين

فقد ذكر في ص 7 “نواقض الإسلام العشر” كما ذكرها الشيخ محمد بن عبدالوهاب ومن بينها “من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر إجماعا”.

ويعتقد أتباع تنظيم الدولة، أن الإسلام عقيدة يعتنقها الإنسان بالشهادتين وسائر أركان الإسلام الخمسة، ويخرج منها بالوقوع في واحد مما يسمونه “نواقض الإسلام العشر”، التي أصل لها الشيخ محمد بن عبدالوهاب في رسالة معروفة استهلّها بقوله: “أعلم رحمك الله أن نواقض الإسلام عشر نواقض” وفي ضوء أحدها يكفرون الحكام لاعتقادهم بوقوعهم في الناقض الثامن وهو “مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين” وهذا النوع من التكفير لا تزال الجماعات المتعصبة تتبعه وهو سبب دخول المنطقة العربية منذ عقود في متاهات الإرهاب.

وعلى الرغم من وجود بعض الاختلافات بين فروع تنظيم القاعدة وخلاياه في الدول والمناطق المختلفة، سواء من حيث ظروف النشأة، أو الأهداف المرحلية والتكتيكية، أو أنماط التعامل مع ظروف ومعطيات البيئة المحيطة أو غير ذلك من الأمور، إلا أن كل فروع التنظيم وخلاياه تنطلق من أيديولوجية واحدة كما عبر – ويعبر- عنها ابن لادن والظواهري؛ ومن هنا فإن تنظيم القاعدة اليوم هو بمثابة شبكة عابرة لحدود الدول، وليس تنظيما مركزيا هرميا بالمعنى المتعارف عليه، منطلقاتها الدينية والعقيدية ومصادرها الفكرية، تتمثل في إقامة الخلافة الإسلامية على نهج النبوة، وتطبيق ما يسمونه بشرع الله (في نظرهم)، وممارسة الجهاد العالمي، ولكن بتطور التنظيم بدأت أعراض الترهل والتفتت وهو قانون التاريخ والطبيعة.

فقد أصبح تنظيم داعش ابنا عاقا للقاعدة، حيث يقول حساب “ويكيليكس” إن البغدادي (زعيم داعش) طلب من الجولاني (زعيم القاعدة في سوريا) القيام بعمل عسكري ضد قيادات “الجيش الحر” أثناء أحد الاجتماعات في تركيا، وبرر ذلك بأنه “استهداف لصحوات المستقبل العميلة لأميركا قبل استفحالهم في الشام”، ورفض الجولاني ذلك، ما اعتبره البغدادي ومعاونه حجي خروجاً صريحا عن الطاعة.

وأرسل البغدادي خطاباً شديد اللهجة يخيّر الجولاني بين أمرين، تنفيذ الأوامر أو حل “النصرة”، وتشكيل كيان جديد، وطال انتظارهما لرد الجولاني الذي لم يصل، وبعث “البغدادي” رسولاً لمقابلة الجولاني، لكن الأخير اعتذر عن عدم اللقاء وقد انتهت المسألة بتفجير مقر الجولاني وقتله.

هذا تنظيم “داعش” ومنهجه التكفيري ومعالمه الفكرية، الذي وضع فرضيات وصَدّق أنه تنظيم “دولة الإسلام في العراق والشام”، وأن بذل البيعة له حق مسلّم به، حتى بات يستبيح قتل مخالفيه، مثلما فعل بمن وقع بيده من جبهة النصرة وغيرها من التنظيمات الإسلامية، لأنهم بحسبه مرتدون، وغدا سيستبيح مقاتلوه قتل كل من خالفهم ولم يبايعهم، وسيستدلون لقتلهم باستدلالات فاسدة، وسيقولون “نقاتلهم كما قاتل الصحابة إخوانهم وبني عمومتهم في بدر وأحد”، وهذا استدلال في غير محله.

13