داعش وطوباوية الأحلام المستحيلة

الأربعاء 2014/08/20

كثر الحديث مؤخرا عن ظاهرة مستجدة بدأت تفتك ببنى المجتمعات، وتلعب دورا تخريبيا واضحا، وهي ظاهرة “داعش”.

والملاحظ أن أغلب الكتابات التي تناولت هذه الظاهرة، افتقدت التعاطي المنهجي والتاريخي، حيث تم التغاضي عن بعض الأسباب التي كانت وراء تمدد هذه القوة العدمية التي لا تستحق إلا مسمى الثورة المضادة، واستوقفني سؤال إشكالي طرحه أحد المثقفين في سياق كتابته عن “داعش” وهو من يقف خلف “داعش”؟ والإجابة على هذا السؤال المحرض للتفكير لا تكون إلا بطرح سؤال مقابل هو لماذا “داعش”؟ و”لماذا” هذه لا تعني تغليب عنصر المؤامرة والإعلاء من شأنها، بقدر ما تشرح العوامل التي ساهمت في تمدد “داعش”، ولا يمكن التعامي عنها بحجة القراءة الواقعية، سيما وأن الواقع والمعطيات يفرضان على الجميع أخذها بالحسبان دون أن تكون المرجعية الوحيدة في التحليل.

أحال بعض المثقفين تمدد “داعش” إلى أسباب داخلية محضة، كفشل بناء الدولة الوطنية والتنمية وطبيعة البنى المجتمعية القائمة على فعالية المركبات الأهلية كالعشيرة والقبيلة والتوزيع غير العادل للثروة وإلى الوعي التقليدي.

وفي الحقيقة، لم تكن هذه الأسباب على وجاهتها وراء انتشار “داعش”، بقدر ما كانت أحد أهم الأسباب التي دفعت الشعب إلى التظاهر، والمعروف أن الثورة السورية ثورة شعبية ومدنية الطابع، ولاحظ الجميع في الأشهر الأولى للثورة مدنية وعي الناس الذين تظاهروا في الأطراف والهوامش، وقتها لم يسجل أي انحراف وتطرف. إذن الأشهر الستة الأولى للثورة تدحض كل الادعاءات التي ترد “داعش” لطبيعة البنى المجتمعية الأهلية والمحلية، على اعتبار أنها الحاضن الأهلي للتنظيم. وظهور “داعش” ارتبط بانتقال الثورة من طورها السلمي المدني إلى الطور العسكري، الذي لم يكن خيار الثورة بل كان خيار النظام، واقتضت العسكرة التمويل، والتمويل فتح الباب واسعا أمام بعض التدخلات الإقليمية، ولم يتم ذلك إلا لقاء شروط وإملاءات طائفية الطابع، وعندها بدأ الوعي بالانحراف وبدأت الانزلاقات الطائفية، فضلا عن الدور الخطير الذي لعبته وسائل الإعلام، حيث فردت مساحات لرجال الدين الشعبويين الذين لم يعدموا جهدا على إظهار الثورة على أنها حكر على مكون واحد، وبذلك تكون قد تطابقت مع إيديولوجية النظام الذي لم ينفك يكرر أن الثورة سلفية وسنية. كما لعب التمويل دورا خطيرا في تطييف الحراك الشعبي.

وبالمقابل لا يمكن أن نتعامى عن الدور الخطير للخطاب الغربي وإعلامه الذي تواطأ على الثورة، واعتبر أن ما يحدث في سوريا هو حرب أهلية، واكتفى ببث صور ومقاطع لبعض الجهاديين وهم يقطعون الرؤوس والأيدي، وكان للمعارضة دور سلبي عندما رفعت منسوب خطابها الطائفي، ولم تأخذ مصالح الشعب السوري في الحسبان، وتركز اهتمامها على كيفية الوصول إلى السلطة، ولذلك لم تكف عن طلب التدخل الخارجي. وتضاف إلى ذلك أفكار وتنظيرات بعض المثقفين الذين روجوا لمفاهيم استشراقية لم تكن سائدة مثل الأقلية والأكثرية، واعتمادها على الطائفية كمستوى وحيد للتحليل، ومن ينسى أسماء الجُمع التي عزفت على وتر الطائفية والأشكال ما قبل الوطنية كـ”جمعة العشائر” و”أحفاد خالد” وغيرهما، من الطبيعي أن تلقى أفكار من هذا القبيل هوى في البيئات الأهلية، وتسهل انزلاق الوعي الهش والقابل للانحراف. كل ما تم ذكره، تزامن مع فاشية قلّ نظيرها من قبل النظام بقمع الاحتجاجات الشعبية، فضلا عن إطلاقه سراح مجموعة من الإسلاميين الذين جرى تجنيدهم وتطويعهم لما يخدم أهداف النظام في تخريب الثورة.

هذا هو السياق التاريخي الذي سهل ولادة “داعش”. سياق يتحمل مسؤوليته الخارج والنظام وبعض قوى المعارضة، ومن السهولة أن نقول إن “داعش” هي صناعة مخابراتية مباشرة، وطبعا لا يخلو الأمر من اختراق وتنسيق من هنا وهناك، ولكن بالمحصلة هناك مسار للأحداث لا يمكن تجاوزه، من بعده تحولت “داعش” إلى قوة موجودة بالفعل والواقع، وجرى توظيفها بما يخدم مصالح الجميع، هي ثورة مضادة لها دور وظيفي غايته التخريب والتفتيت، ويتطابق مع الطور العولمي الذي ينزع إلى تقسيم البلدان على أساس طائفي وإثني لسهولة الاندماج في السوق العالمية، فضلا عن الهدف الأساسي لوجودها ودعمها وهو قطع الطريق على استمرار الثورة وحصار قوى التغيير الحقيقية المدنية، لأن هذه القوى، دون سواها، مخولة ببناء دولة ديمقراطية مستقلة ومعادية للكيان الإسرائيلي، حيث لم تظهر “داعش” أي عداء لها عكس انتفاضة الشعب الذي لا يفصل بين الوطني والديمقراطي والاجتماعي.

“داعش” هي خنجر مسموم جرى غرسه في جسد الثورة للالتفاف على أي حل ثوري من شأنه إسقاط نظم يجري اليوم إعادة إنتاجها من جديد، لتتحكم في البلاد وتحافظ على جوهرها التابع وتوجهها الرأسمالي.

وكان لا بد من وجود قوة تخيف الشعوب، وتمنح شرعية ومشروعية لهذه النظم، ولم تكن هذه القوة إلا “داعش” والإسلاميين، ولم تكن مقولة الحرب على الإرهاب إلا ذريعة لقمع حركات الاحتجاج ولقطع الطريق أمام ديمومة الثورات. “داعش” بهذا المعنى تعزز من حكم أنظمة الاستبداد، تنهب وتقمع وتفقر وترعى الاقتتال الطائفي والحروب الأهلية.


كاتبة سورية

8