داعش يتقن أيضا التقاف السلطة

السبت 2014/10/25

لصعود تنظيم الدولة الإسلامية، أسباب أخرى إلى جانب الأجندات الدولية الاستخدامية لهذا التنظيم، وإن بدا تمدده يتناغم مع الأهداف الأميركية في العودة إلى العراق والتدخل في سوريا. ساهمت أميركا والقوى الإقليمية في تمدده عبر فسح المجال له لوجستيا وتمويليا، خدمة لأهدافها في حسر النفوذ الإيراني واستعادة الهيمنة الأميركية كاملة، وتحديد الأدوار الممكنة لإيران ولبقية دول المنطقة.

يعمل تنظيم الدولة الإسلامية، على مستويات عدة من أجل تثبيت نظام اجتماعي مستقر، فهو تنظيم خارج عن التوازنات الطبيعية والمصلحية، الموجودة في أي بيئة ومجتمع منتج للسلطة، ولعلاقات الحاكم والمحكوم وشبكة علاقاتها المعقدة. ولكنه يستفيد من كل المظلوميات التي ألحقت بالبيئة التي ينشط فيها، أي البيئة السنية، وأخيرا سيستفيد من إدخال الأكراد لمحاربته بالمعنى القومي. فهو يشترك في الكثير من الديناميات، مع زملائه من حركات وأحزاب من مختلف الألوان، أصبحت دولا ومنظومات حكم، سعت إلى خلق قاعدة اجتماعية توفر لها الاستقرار اللازم للاستمرار. وهذا ما مارسته، بحرفية، الأنظمة العسكرية التي صعدت إلى السلطة في منعطف تاريخي نحو تغيير البنى السلطوية التي لم تعد قادرة على الاستمرار، بعد أن فقدت قاعدتها الاجتماعية وتمزق النسيج المصلحي بينها وبين الناس، فاستطاع العسكر عبر خلطته القومية الاشتراكية، بناء شبكة علاقات بينه وبين شرائح مجتمعية استند عليها في حكمه.

سقوط النظام العراقي 2003 والسيطرة الإيرانية والتدخل الأميركي الأخير، يعطي تنظيم الدولة حظا تاريخيا أوفر، لانعدام وجود منافس في هذه المرحلة، التي خاض فيها الناس صراعا ضد البنى السلطوية القائمة، أدى إلى إضعاف الطرفين معا، أي انحسار السلطة وضعفها، ودمار هائل في البنى الاجتماعية، لتعود إلى ما قبل المدنية والتماسك التقليدي، وتجلى ذلك في الاحتجاجات التي عمت العراق أوائل 2013.

في واقع اجتماعي عراقي، لم يبق منه إلا أنقاض مجتمعات، يسعى تنظيم الدولة إلى إعادة صياغة البنى الاجتماعية لتتوافق مع رؤيته “الإسلاموية” لبناء الدولة، ويزيل ما تبقى من معوقات في طريقه من بقايا هياكل مدنية هجرها روّادها، كالمدارس والجامعات، وقنوات الاتصال المدني من بقايا مؤسسات مدنية وأهلية واجتماعية، ليعتمد صيغا جديدة في إدارة شؤون العباد، تستند إلى مخلفات فكرية من زمن الخلافة.

من سخرية التاريخ، أن تسأل شخصا يسكن في الموصل عن الأوضاع عندهم، فيجيبك بأننا ربما نكون بمنأى عن الغرق هذا الشتاء، لأن ديوان الخدمات في الدولة الإسلامية أعاد تأهيل شبكة الصرف الصحي، وهو أمر لم توفره حكومة بغداد لمواطنيها، وهي الأغنى على مستوى المنطقة، وكانت آخر الصيحات الخدمية “كابينات” هاتفية للاتصالات المجانية، نُصبت على أرصفة شوارع معبدة، وهو ما تفتقده أكثر شوارع العاصمة رقيا في عهدها الجديد. سخرية يتحفنا بها التاريخ في أشد مراحله انحطاطا، وأكثرها استلابا لأبسط حقوق البشر.

وربما أصبح لديوان المظالم وهيئة التكافل الاجتماعي التي تقدم المعونات وتنظم توزيع الزكاة والضرائب، أنصارا يشبهون أنصار التأميم وتوزيع الأراضي على الفلاحين، الذين ثبّتوا أنظمة البعث بغض النظر عن طبيعتها القمعية. فالبشر الذين تركوا لمصيرهم يواجهون التدمير وفوضى الموت قتلا وبردا وجوعا، وجدوا أخيرا من ينظم لهم شؤونهم، ويعيد بعضا من الاستلاب الحاصل لأبسط حقوقهم، وهذا ما تسعى الآلة الإعلامية لتنظيم الدولة اللعب من خلاله لتثبيت هيمنتها السلطوية، فما تبثه “إذاعة البيّنة”، التابعة للدولة الإسلامية عبر نفس الأثير، الذي تتجول فيه طائرات التحالف الدولي، من برامج تتحدث عن قيام ديوان المظالم بفضّ نزاعات عالقة في محاكم الدولة السابقة، أو إعادة ملكية أرض استولى عليها أحد المتنفذين في العهد السابق، يبدو مطابقا لخطاب إعلامي ألفناه من أنظمتنا المتهاوية.

لتنظيم “الدولة الإسلامية” نهجا سلطويا لا يختلف عن أسلافه إلا بشكله الإسلامي، وما يترتب عليه من أشكال قمعية أكثر، أو أقل، وحشية، فلا تحديد هنا، حيث لا يمكن البتّ في أيهما أقل وحشية؛ الجلد أمام الملأ أم في زنزانة رطبة؟ قطع الرأس بالسكين، أم القتل تحت التعذيب؟ فالقمع والتعذيب ليس نهاية الحياة عند من افتقدوا أبسط تجلياتها، فيكفي لكي تتقيه، أن تلتزم بنصوص الثقافة والأخلاقيات التي تريدها السلطة، ربما هذا ما دار في عقول ونفوس شرائح واسعة من شعبنا في فترات سابقة، وما سعت السلطة إلى تثبيته، وما رفضته، أو قبلته، بعض النخب كل حسب موقعه ومصلحته، وهو ما جعل غض النظر عن الاعتقال والإعدام والتنكيل، مغمورا بالكثير من الراحة النفسية مادام المنكّل بهم من معارضي مسيرة التقدم والاشتراكية المظفرة، أو من المشوشين على صوت الإعداد للمعركة المصيرية، أو ضد من يهددون المنظومة العلمانية بالتقويض، كما تُجاهر بعض النخب العلمانية، فكيف إذا كان سبب الراحة النفسية مغمورا بقداسة السماء، وبعض من الشماتة بأعداء الله المذبوحين والمجلودين، حسب ما يروج له منتجو الثقافة السلطوية لداعش؟


كاتب عراقي

9