داعش يجيب على نكسته في الفلوجة بـ"استعراض" دموي في بغداد

تفجير حي الكرادة الدامي يؤكّد مجدّدا عدم إمكانية القضاء على تنظيم داعش بشكل نهائي رغم هزيمته على جبهات القتال وإنهاء سيطرته على المناطق، وأنّ الحرب على التنظيم المتشدّد تظل بعيدة عن تحقيق الاستقرار في العراق، ما لم يصاحبها إصلاح عميق يحقّق المصالحة بين فئات المجتمع، ويحرم التنظيم المتشدّد من إيجاد حواضن له في صفوف المهمشين الناقمين على السياسات الطائفية.
الاثنين 2016/07/04
حيرة وذهول أمام هول الكارثة

بغداد - وجّه تنظيم داعش من العاصمة العراقية بغداد رسالة شديدة الدموية بشأن قدرته على الضرب في أكثر الأماكن تحصينا رغم خسارته السيطرة على مساحات شاسعة من المناطق التي كان يحتلها في البلاد، مؤكّدا بذلك عدم فاعلية الحرب التي تشن ضدّه في القضاء عليه بشكل نهائي.

وجاء العدد الكبير من الضحايا الذين سقطوا في تفجير عربة مفخّخة بحي الكرادة في وسط بغداد، بمثابة “استعراض” دموي من التنظيم المتشدّد مضاد للاستعراض الذي مارسته السلطات العراقية خلال ترويجها لهزيمة ساحقة لداعش في الفلّوجة ونشرها معلومات مدعمة بأشرطة فيديو عن سقوط المئات من القتلى في صفوفه خلال تدمير رتل كبير من العربات التابعة له كانت بصدد مغادرة قضاء الفلّوجة في ظروف أحيطت بالكثير من الغموض والشبهات.

ويرى مختصون في شؤون الجماعات الإسلامية المتشدّدة أنّ مثل هذه العمليات الدموية ستتواتر في العراق، على قدر التقدّم في الحرب على تنظيم داعش وانحسار سيطرته الميدانية على مناطق البلاد، نظرا لأنّ التنظيم لا يزال يجد حاضنة له في صفوف الناقمين على السياسات الطائفية وفي أوساط المتضرّرين الكثر من تلك السياسات التي يدار بها العراق تحت حكم الأحزاب الشيعية.

ويقول هؤلاء إن وجود أنصار وخلايا نائمة لداعش في داخل العاصمة بغداد هو ما يفسّر فشل كل الإجراءات الأمنية على شدّتها في منع حدوث مثل تلك الهجمات الدموية.

ويؤكّدون أنّ الحرب على تنظيم داعش تظل بعيدة عن تحقيق الأمن والاستقرار في العراق، ما لم ترافقها عملية إصلاح عميقة تلغي الطائفية السياسية وتحقّق المصالحة بين مختلف فئات المجتمع ومكوناته، وتعيد المهمشين والمقصيين، وخصوصا من أبناء الطائفة السنية، إلى دوائر الفعل والمشاركة في صنع القرار وإدارة البلاد.

وبلغت حصيلة التفجير الانتحاري الذي تبناه تنظيم داعش في حي الكرادة المكتظ ببغداد حتى مساء الأحد 119 قتيلا، ويرجح أن يتزايد العدد نظرا لخطورة الإصابات في صفوف الجرحى الذين سقطوا بالعشرات في الهجوم الذي استهدف قبل فجر الأحد شارعا تجاريا مكتظا بالمتسوقين استعدادا لعيد الفطر.

لا استقرار في العراق دون إصلاح شامل يلغي الطائفية السياسية وينهي التهميش الذي يوفر خزانا بشريا للمتشددين

وتفقّد رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي موقع التفجير في منطقة الكرادة وتوعّد بـ“القصاص من الزمر الإرهابية التي قامت بالتفجير بعد أن تم سحقها في ساحة المعركة”.

وأعلن التنظيم المتشّدد في بيان تبنيه للهجوم، مؤكدا أن أحد مقاتليه نفذه بسيارة مفخخة مستهدفا تجمعا للشيعة، بحسب ما نقل موقع “سايت” الأميركي الذي يتابع المواقع الجهادية.

وجاء التفجير بعد أسبوع من استعادة القوات العراقية السيطرة على كامل مدينة الفلوجة الواقعة على بعد 50 كلم غرب بغداد.

وقطع التفجير الذي خلف أيضا أضرارا مادية كبيرة احتفالات الحكومة باستعادة الفلوجة والقضاء على مجموعة كبيرة من عناصر تنظيم داعش خلال فرارهم، الثلاثاء والأربعاء، عبر صحراء الأنبار.

وحمل التفجير إحراجا جديدا لحكومة حيدر العبادي المتهمة بالعجز عن حفظ الأمن وحماية أرواح المواطنين، رغم أن قسما كبيرا من موارد البلاد يخصّص للجانب الأمني.

وألقى العشرات من الشبان في موقع الانفجار باللوم على رئيس الوزراء الذي تفقد المكان ورشقوا موكبه بالأحذية والحجارة. وتناقلت مواقع التواصل الاجتماعي لقطات تظهر الشبان الغاضبين يهاجمون الموكب الذي تمكن من المغادرة.

وكانت الكرادة التي تقطنها غالبية شيعية منطقة سكن رئيس الوزراء قبل توليه المنصب منذ نحو عامين.

وفيما اعتبر مراقبون الهجوم على موكب العبادي ردّة فعل تلقائية على الفشل الحكومي الذي يشمل الجوانب الأمنية، لم تستبعد مصادر عراقية أن تكون إهانة رئيس الوزراء في حيّه الأصلي عملية مقصودة يقف وراءها خصومه ومنافسوه على السلطة من داخل أسرته السياسية الشيعية، خصوصا وأن رئيس الوزراء السابق وزعيم حزب الدعوة الإسلامية نوري المالكي عبر بشكل صريح من خلال حوار مع قناة “بي بي سي” عن طموحه للعودة إلى رئاسة الوزراء.

وفي الأساس لم يتم اختيار العبادي لمنصب رئاسة الوزراء بسبب كفاءته، بل تم ذلك بناء على نصيحة إيرانية أريد من خلالها تفادي تنفيذ رغبة نوري المالكي في البقاء في الحكم وفي الوقت نفسه إبقاء السلطة في قبضة حزب الدعوة الذي يتزعمه المالكي نفسه، لذلك فإن العبادي وإن أصبح صوريا الرجل الأول فإنه على المستوى الشعبي لا يزال يعتبر “بيدقا”، يملي عليه زعيمه في الحزب ما يريد. وهنا يكمن سر تدني شعبيته.

وعبر السنتين الماضيتين لم يقدم العبادي إلا وعودا في الإصلاح. وهي وعود تم القفز عليها، بعد أن تم إفراغها من أي محتوى. وبالنسبة إلى الأحزاب المشاركة في السلطة فإن العبادي بشخصيته الضعيفة هو واجهة مناسبة في هذه المرحلة الحرجة التي تدهور فيها الوضع الاقتصادي بشكل لافت بسبب انخفاض عائدات النفط.

ومن هنا تكون ردة الفعل الشعبية على زيارة العبادي لموضع التفجير، بكل ما انطوت عليه من احتجاج قد أخطأت هدفها. وهو ما يعد مكسبا لتيار الصقور بقيادة المالكي.

وأعطى تفجير الكرادة لمحة جديدة عما ينتظر العراق من حرب أمنية مرهقة في مرحلة ما بعد استعادة المناطق من يد داعش الذي يؤكّد بمثل هذه التفجيرات أن القضاء عليه بحرب نظامية أمر مستبعد، وأنّه يمتلك من المرونة ما يتيح له التحوّل بسرعة من قوّة كبيرة مسيطرة على الأرض، إلى مجرّد مجموعات صغيرة تنفّذ حرب عصابات وتعمل باستمرار على استنزاف القوات النظامية بهجمات خاطفة، ومواصلة إرهاق الدولة بزعزعة الأمن عبر زرع العبوات وتفخيخ السيارات وخصوصا داخل المدن الكبرى.

3