داعش يراهن على نساء المالايو لإحياء "دولة الخلافة"

الأجنحة النسوية للأحزاب الماليزية تقاوم الإسلام السياسي بالأخلاقي.
الأربعاء 2020/08/12
خصوصية المرأة الماليزية تسهل مهمة التنظيم

يراهن تنظيم داعش على النساء عموما لإحياء ما يسمى بـ"دولة الخلافة الإسلامية"، وعلى نساء المالايو بشكل خاص حيث كشفت دراسات اهتمامهن المتزايد بالانخراط في صفوف التنظيمات المتطرفة ليحول الأمر إلى ظاهرة تؤرق السلطات الماليزية.

يستهدف تنظيم داعش النساء باعتبارهن أمهات مجاهدي المستقبل، اللاتي سيزرعن الحلم بعودة الخلافة الإسلامية في نفوس النشء.

هذا التصور ظهر بوضوح في استهداف داعش لنساء ماليزيا، اللاتي أكد بعضهن بعد عودتهن من سوريا مؤخرا أن انهيار دولة داعش ليس آخر المطاف، لأن أطفالهن سيعيدونها يوما ما.

ولا شك أن اتساع عدد النساء الماليزيات المنخرطات في تنظيم الدولة بحلول عام 2018 دفع أجهزة الأمن الماليزية والمحللين المهتمين بالتطرف الديني إلى الالتفات للظاهرة والنظر للمنحى الصعودي باهتمام، ومحاولة الاستقراء والمتابعة تخوفا من اتساع حالة الاستقطاب في ظل ظروف سياسية معقدة.

التوجه نحو التطرف

طرحت دراسة حديثة نشرتها مدرسة راغاراتنام للدراسات الدولية “آر.إس.أي.إس” بجامعة نانج للتكنولوجيا بسنغافورة، وأعدتها الباحثة بي سوخاني المتخصصة في شؤون الإرهاب الديني والمرأة في دول جنوب شرق آسيا، جذور التوجه النسوي الماليزي نحو التطرف، والذي تتمثل صورته القصوى في تنظيم داعش الإرهابي.

وطبقا للدراسة، مثل القبض على سيدة ماليزية في مايو 2018 بعد إعدادها خطة هجوم تفجيري لمركز اقتراع في العاصمة كوالامبور، بداية لمرحلة جديدة، تتحول فيها النساء من مجرد داعمات ومساندات وزوجات للمجاهدين، إلى مجاهدات بأنفسهن.

كانت السيدة البالغة من العمر 51 عاما على اتصال عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع نحو 600 شخص من متابعيها، ورغم كونها أما لطفلين، فإنها كانت تتهيأ لتصبح أول قائدة لمنظمة تابعة لتنظيم داعش في ماليزيا.

وقتها، لاحظ أيوب خان رئيس وحدة مكافحة الإرهاب في الشرطة الماليزية أن القضية تعكس وجود استراتيجية جديدة لداعش في زيادة أعضائه من النساء مستهدفا بذلك تحويلهن إلى مقاتلات بشكل مباشر.

ورأى محللون أن رغم سقوط دولة الخلافة المزعومة، إلا أن تأثيرات التنظيم في المجتمع النسوي الماليزي شهدت نموا واضحا، وربما كان ذلك نتيجة أوضاع سياسية واجتماعية مُتردية.

رغم سقوط دولة الخلافة المزعومة، إلا أن تأثيرات التنظيم في المجتمع النسوي الماليزي شهدت نموا واضحا

وإذا كان تنظيم داعش اهتم منذ أيامه الأولى سنة 2013 بتجنيد النساء، وطرح خطابا عاطفيا تجاههن عبر نشراته ومواقعه الإلكترونية، فإن جذبه للنساء خاصة من دول أوروبا اعتمد على فكرة غربية بحتة وهي المساواة الجندرية (النوعية) إذ صار بإمكان المرأة القتال والتفجير، ومنح الحياة وإفقداها للآخرين مثلها مثل الرجل.

لقد كانت المرأة في البداية مهمة للتنظيم لتوليد جيل جديد من الجهاديين الذين يضمنون استمرار الدولة ويحققون النصر يوما ما، وهو ما روجت له كتيبة الخنساء الداعشية عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وكانت المرأة تقوم بمهام عديدة في المجال الصحي والتعليمي والتربوي، لكن الأمر تطور فجأة لتنخرط في الأعمال القتالية.

من هُنا أمكن لداعش التكيف مع الخطاب الغربي الداعي لتمكين المرأة، ولاحظت الباحثة كريستين سكستا في دراسة لها أن معظم النساء اللاتي يتورطن في عمليات إرهابية يفعلن ذلك كنوع من المشاركة السياسية وكنموذج للتحقق النوعي.

وذكرت الباحثة أن بعض النساء، خاصة في الدول الغربية، يرغبن في ترسيخ فكرة مفادها أنهن يفجرن أنفسهن، لأنهن مثل الرجال قادرات على القتل، ويمكنهن تقديم نماذج شهيدات تمثل قدوة للأطفال والأجيال الجديدة.

وليس غريبا أن نجد معظم السيدات المقاتلات في داعش من بريطانيا وألمانيا وفرنسا، وحتى أميركا، فاختيار غربيات للقتال ضد الغرب بالطبع كان اختيارا متعمدا، واستخدام النساء بمنحهن قوة وحق وسيادة نوع من التلاعب بهن ربما هو مقصود للتكيف مع فكرة السعي النسوي للتحقق النوعي.

وبدا أن المرأة التي تقبل القتال تتحقق نوعيا من كونها سيدة تمتلك قوة وسلطة، وإن لم تقبل فيتم دفعها تدريجيا للقبول، وفي مرحلة معينة لم يكن ممكنا للنساء المنضمات التقهقر عن الطريق المرسوم لهن، لأن كثيرات ممن حاولن الهرب تعرضن للاغتصاب والاستعباد الجنسي.

خصوصية ماليزية

ربما اختلف الأمر بصورة ما في ماليزيا، لأن قضية التمكين النوعي للمرأة ليست هدفا للنساء اللاتي يعتقدن أن دورهن كأمهات وربات بيوت هو الدور الأساسي المنوط بهن القيام به.

وترى بي سوخاني في دراستها عن هذه الظاهرة أن التطرف لا يمكن أن يحدث في الفراغ، وأنه يتداخل بثقافات وحركات اجتماعية وثقافية متنوعة، لذا فإنها تشير إلى أن فهم طبيعة الدور الذي تلعبه المرأة في ماليزيا ضروري لتفسير تطرفها وإقبالها على داعش، ويسمح الفهم العميق لانخراط ماليزيات في داعش ورؤاه بوضع تصورات فعالة لمواجهة رادعة للإرهاب.

وكشفت استجوابات بعض النساء المنضمات لداعش أنهن غير متماثلات في العمر والتعليم والمستوى الاجتماعي والاقتصادي، ولم تكن أرواحهن متشبعات بفكرة التحقق النسوي، لكن الدوافع بدت متنوعة لديهن بين الزواج بالجهاديين والتطهر من الخطايا والفوز بالجنة واكتساب الأمومة الصالحة.

وتقول بي سوخاني إن الادعاء بأن المرأة الماليزية مقهورة ومحرومة من حقوقها هو مجرد منهج غربي غير حقيقي، لأنها طبقا لدراسات سابقة كانت تتمتع بالاستقلال والتحقق الاقتصادي منذ القرن الـ16، حيث انخرطت في أعمال التجارة والإنتاج الزراعي والمشروعات الصغيرة، وتمتعت بحال أفضل كثيرا مما كان لدى النساء في الهند أو العالم العربي.

يكمن جوهر المشكلة في أن نمو التيارات الدينية في ماليزيا خلال العقود الأخيرة أدى إلى نشوء طبقة وسطى عريضة من المتعلمات اللاتي يؤمن أن دورهن الحقيقي مُكمل لدور الرجل

ويكمن جوهر المشكلة في أن نمو التيارات الدينية في ماليزيا خلال العقود الأخيرة أدى إلى نشوء طبقة وسطى عريضة من المتعلمات، اللاتي يؤمن أن دورهن الحقيقي مُكمل لدور الرجل، وأنهن في الأصل أمهات وراعيات أطفال ومسؤولات عن غرس الأخلاق في النشء فقط.

وتنقل الدراسة عن سيدة في إحدى المؤسسات الدينية الماليزية قولها إن المرأة يمكن أن تصبح قائدة في بيتها ومعظم النسوة في الريف والحضر يتبنين ذلك.

وفي مناقشات حول الصفات الطيبة في المرأة المسلمة، كان الجميع يتفق على أن صفة الطاعة ذات أولوية.

وفي عام 2019 تم إجراء استطلاع رأي على 675 سيدة بواسطة منظمة الأخوات المسلمات في ماليزيا، وذكر الاستطلاع أن 97 في المئة من النساء يرون أن التزامهن الإسلامي الأول هو طاعة الله، وذكرت 96 في المئة منهن أن طاعة الزوج التزام واجب على المرأة المسلمة.

وتؤمن الماليزيات بأنهن أمهات معلمات أولا، وهو ما يتلاقى مع فكر داعش لإعداد مشاريع شهداء جدد، ويؤمن بأنهن أدوات لدفع الرجال لطريق الشهادة، وهو أعظم شرف ربما يتصورونه للمسلم، ويتحركن بدافع الوصول للدور الذي يرونه كأمهات وزوجات صالحات أولا قبل التحقق النوعي.

لذا لم يكن غريبا أن تتبع الشرطة الماليزية فتاة تبلغ من العمر 14 عاما تسعى للزواج من ماليزي مقيم في القاهرة يبلغ من العمر 22 عاما، ويخططان معا للسفر إلى سوريا عبر إسطنبول للانضمام إلى داعش. بالطبع لا يقتصر الأمر على الفتيات الصغيرات، فأعضاء التنظيم يستهدفون الأرامل لجعلهن عرائس للمجاهدين.

تخلص الدراسة إلى أنه لا تتم دعوة النساء الماليزيات للقتال والانضمام لداعش تحت لافتة المساواة بين النوعين، وإنما تحت لافتة أداء دورهن المؤمنات به في البيئة المحلية لماليزيا، كزوجات صالحات وأمهات تقيات، وأن بعضهن يخترن المشاركة في القتال كنوع من التضحية المثلى.

المراقبة والمقاومة

Thumbnail

شكل عام 2017 ذروة نجاح داعش في جذب الماليزيين، ففيه انضم نحو 95 ماليزيا إلى التنظيم، ومن بين هؤلاء عشر عائلات، سافرت جميعا إلى سوريا والعراق، وفي حقيقة الأمر تفوق الأعداد الحقيقية للمنضمين للتنظيم والمتعاطفين هذا الرقم كثيرا.

وتشير مجموعة “صوفان” الأميركية للاستشارات والدراسات إلى أن معظم الماليزيين المنضمين إلى داعش انخرطوا ليكونوا مسلمين جيدين، ومعظمهم كانت لديهم تصورات خيالية للخلافة الإسلامية.

واستمر خيط التواصل الماليزي مع داعش حتى مطلع العام الحالي، إذ أعلنت الشرطة الماليزية في 30 يناير الماضي أن هناك 56 مواطنا تحت الاحتجاز في سوريا متهمين بالإرهاب، وأن 20 منهم نساء.

وفي فبراير الماضي تم تعيين سيدة، هي نورما أشاك، لأول مرة رئيسا لوحدة مكافحة الإرهاب، وعلى رأس مهامها إعادة النساء الداعشيات الماليزيات إلى الوطن، وفي تصورها، أن المشكلة تكمن في النساء العائدات، حيث يرين أنهن ضمان حيوية واستمرار أفكار تنظيم داعش، ومسؤولات عن نقلها إلى جيل جديد من الأبناء يعيد دولة الخلافة إلى الواقع، وهو ما يتفق مع تصور التنظيم بأن داعماته من الإناث مفتاح العودة للحياة في المستقبل.

وطبقا لرؤية بي سوخاني، فإن هذا التصور يجد له قواعد تسانده في التعليم الديني الماليزي، ما يحتاج للمراقبة والتحرك الفعال لملء الفراغ لدى المرأة.

واتخذت الدولة الماليزية جهودا إسلامية تجعل من نفسها مفتاحا للشرعية، حتى أن حكومة باكتان هاربان، والتي تضم أحزابا ممثلة للجالية الصينية، وقبيل انهيارها في مارس الماضي، أولت اهتماما كبيرا بأوضاع الملايو المسلمين والذين يتعرضون لأخطار عدة.

يمكن القول، إن الدولة الماليزية فطنت مؤخرا لضرورة ملء الفراغ لدى مجتمع النساء المسلمات، فسعت بعض أحزابها الرئيسية إلى استخدام أجنحتها النسوية لتعزيز الحداثة، اعتمادا على القرآن والأحاديث من خلال تشجيع المرأة على العمل التشاركي ودفع النساء للإيمان بدور حيوي يمكن أن يلعبنه داخل كل أسرة، باعتبارهن مسؤولات عن زرع الأخلاق الحميدة في أبنائهن.

يبدو أن ذلك وحده غير كاف لمواجهة تأثيرات داعش، لأن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية في ماليزيا معقدة وتشهد تغيرات وتحولات عديدة وسريعة، ولا بد من ملاحظة أن تكتيكات قوى الإرهاب الدولي تتطور وتتغير كل يوم، ويجب أن تستمر مراقبة جسر العلاقات بين الإرهاب بمفهومه الدولي وبين البيئة المحلية في ماليزيا لمواجهة محاولات تمدد لداعش في مجتمع المالايو.

13