داعش يستدرج القوات العراقية إلى مصيدة مُحكمة بصحراء الأنبار

مهمة استعادة ما بقي من جيوب تحت سيطرة تنظيم داعش بغرب العراق تخفي مفاجأة غير سارّة للقوات العراقية التي وجدت نفسها مبعثرة على مساحة صحراوية شديدة الامتداد وبمواجهة عدوّ مرن ومستعد لحرب العصابات وقادر على خوض معركة استنزاف بدأت نتائجها تظهر بالفعل.
الأربعاء 2017/05/03
صيد سهل لداعش

بغداد - بدأت القوات العراقية، أياما بعد الإعلان عن إطلاق حملة عسكرية كبرى لاستكمال تطهير مناطق محافظة الأنبار بغرب العراق من تنظيم داعش، تواجه مصاعب غير متوقّعة يعود بعضها إلى الطبيعة الجغرافية للمنطقة، والبعض الآخر لرداءة الخطة العسكرية وعدم مسايرتها لمرونة تكتيكات التنظيم المتشدّد. فيما برز الفساد داخل القوات المسلّحة مجدّدا كعامل مضاعف لإمكانيات فشل الحملة والانهزام فيها على غرار ما حدث في صيف سنة 2014 عندما غزا داعش الموصل واحتلها في ظلّ انهيار مريع للقوات العراقية.

وتواجه تلك القوات في الوقت الحالي اختبارات قاسية لمدى قدرتها على تأمين مناطق صحراوية شاسعة غرب البلاد، اعتادت المجموعات المتشددة الانطلاق منها لتنفيذ هجمات في مختلف المحافظات.

وتبدو المهمة أصعب، بسبب بروز ظاهرة “الفضائيين” مجدّدا، وتعني الجنود المسجّلين دون حضورهم إلى الوحدات، والمشاركة بشكل فعلي في الخدمة التي يتخلّصون منها بدفع رشاوى للضباط.

ومع اقتراب معركة مدينة الموصل مركز محافظة نينوى بشمال العراق، من نهايتها، أطلقت القوات العراقية، الأسبوع الماضي، عملية لتمشيط مناطق صحراوية في محافظة الأنبار تقع بغرب البلاد وتتصل بالحدود مع كل من سوريا والأردن. لكن تلك القوات تعرّضت لسلسلة انتكاسات وفقدت ما لا يقل عن 20 جنديا قتلوا وجرح ضعفهم، فيما سُجّل 22 آخرون في عداد المفقودين.

وباغت تنظيم داعش القوات العراقية في موقعين صحراويين، قرب منطقة الرطبة باتجاه الحدود الأردنية وقرب منطقة عكاشات على الحدود السورية، مبعثرا خطة إعادة الانتشار التي بدأ الجيش العراقي تنفيذها، استعدادا للإطباق على آخر معاقل التنظيم في هذه المناطق، وهي أقضية راوة وعنة والقائم، التابعة لمحافظة الأنبار.

ونقل مسؤولون أمنيون عن تقارير ميدانية من الرطبة أن “عناصر داعش استخدموا تكتيكات جديدة لاستنزاف القوات العراقية المرابطة في هذه الصحراء المعزولة، إذ ينفذون كمائن للجنود الذين يتنقلون عبر طريق الأنبار الدولي ويقتلون ويأسرون بعضهم”.

ويقول الخبير الأمني العراقي، هشام الهاشمي، إن “تنظيم داعش، اختار منطقة الرطبة للانتقام بعد هزائمه في شمال العراق، وهو يهدف إلى إيقاع أكبر عدد ممكن من الإصابات في صفوف الجيش العراقي، وعرقلة افتتاح الحدود العراقية مع الأردن”.

ويضيف أن “التنظيم ينوع هجماته في هذه المنطقة، ما يؤكد مرونته، فقد استخدم خلال الأسبوع الماضي، ومطلع هذا الأسبوع، السيارات الملغمة وكمائن الطرق، عبر نصب نقاط تفتيش وهمية يرتدي عناصرها زي القوات العراقية، كما استخدم القنص والطائرات المسيرة والعمليات الانغماسية والصواريخ المضادة للدروع”.

هشام الهاشمي: داعش اختار منطقة الرطبة للانتقام بعد هزائمه في شمال العراق

‏ولا يستبعد الهاشمي، سقوط منطقة الرطبة، مؤقتا، في أيدي عناصر التنظيم، إذا استمروا في الضغط باتجاهها خلال الأيام القادمة.

ويشرح أحد الجنود الذين نجوا من هجوم في منطقة عكاشات، غرب الأنبار، الظروف العصيبة التي تواجه القوات العراقية، في مواجهة عدو يملك سلاحا متفوقا.

وقال إن الهجوم على مقر وحدته، بدأ في وقت متأخر من ليل السبت، ولم تصل التعزيزات العسكرية حتى صباح الأحد. ويضيف، “كان الهجوم واسعا، واستخدم التنظيم خلاله جميع الأسلحة، بدءا من مدافع الهاون والرشاشات الأحادية، وصولا إلى الطائرات المسيرة، وهي نوعية أسلحة تفوق ما نملكه بكثير”.

ومضى يقول “رغم صمودنا في الدفاع عن مواقعنا، إلا أن العدو تمكن من اقتحام مقر السرية وقتل عشرة جنود وجرح 11 آخرين ونهب أسلحة السرية وجميع تجهيزاتها”. وختم قائلا “وصلتنا التعزيزات بعد نحو ساعة كاملة من انسحاب العدو”.

ويلقي الجندي باللوم على الضباط الذين يقودون الوحدات العسكرية في هذه المناطق.

ويقول “يفترض أن ينتشر في موقعنا العسكري 400 جندي لدى تعرضنا للهجوم، لكن الموجود الحقيقي كان 50 فقط”.

ويضيف “نحو 200 عسكري يدفعون أموالا للضباط، فهم مسجلون على قوائم وحدتنا، لكننا لا نراهم، لذلك ندعوهم بالفضائيين، ونحو 100 عسكري آخر يقضون مدة خدمتهم في منازل الضباط لحمايتها وتوفير احتياجاتها”.

ويؤكد أن “عددا من زملائي يحرسون منزل والدة الضابط المسؤول عن سريتنا، وهي امرأة طاعنة في السن ومع هذا فإن خدمتها أفضل من الجلوس هنا في الصحراء وانتظار هجمات الانتحاريين”. وفي مواقع عسكرية خطرة، كالرطبة وعكاشات لا يرفض الجندي التخلي عن ثلثي مرتبه الشهري لأي ضابط يضمن له الذهاب إلى منزله.

ويقول قيادي في قوة الحشد العشائري بالأنبار، إن “العمليات التي أدت إلى تحرير معظم مناطق الأنبار، كالرمادي والفلوجة وهيت، لم تقض على داعش، بل طردته نحو عمق الصحراء، لذلك هو مصدر تهديد دائم”.

ويوضح أن “التنظيم يستفيد من فراغ حدود سوريا مع العراق في إمداد عملياته وإدامتها، كما أن اتساع مساحة المنطقة، وطابعها الصحراوي القاسي، يعملان ضد القوات العراقية”.

وتابع أن “بعض القيادات الأمنية فاسد وغير كفوء ويكذب على الحكومة المركزية، لكنه يتمتع بمساندة سياسية في بغداد على قدر الولاء والتحزّب. ومع انعدام الجهد الاستخباري الضروري في هذا النوع من المعارك، يبدو أن تحقيق نصر سريع أمر مستبعد الآن”.

ومع التعقيدات المتزايدة في حملة تطهير غرب الأنبار، تلوح الحاجة المتزايدة للاستنجاد بالقوات الأميركية التي يوفّر لها تفوّقها الساحق في سلاح الطيران والرقابة الجوية عبر الأقمار الصناعية كفاءة عالية في حروب الصحارى الشاسعة.

ويُتوقّع أن يكون الدور الأميركي حاسما في إنقاذ القوات العراقية من هزيمة جديدة على رمال الأنبار شبيهة بهزيمة 2014 في الموصل. لكن المقابل سيكون تركيز موطئ قدم للجيش الأميركي في تلك المناطق التي تعتبر من مفاتيح معركة بسط النفوذ التي تتجاوز حدود العراق إلى سوريا المجاورة.

3