داعش يستعد لتجاوز مرحلة "الخلافة" وتدشين حرب استنزاف في العراق

انتزاع الأراضي من يد تنظيم داعش في العراق، والذي تسارعت وتيرته خلال الأيام الأخيرة، لا يعني بالضرورة شلّ قدرة التنظيم بالكامل على مواصلة الهجمات ومنع بسط الاستقرار في البلاد مستفيدا من ضعف الدولة العراقية، ومن ارتفاع منسوب الشحن الطائفي الذي يمثل أرضية مثالية له.
الجمعة 2016/09/23
تفتيت جهود الجيش العراقي

سامراء (العراق) - شنّ مقاتلو تنظيم داعش، الخميس، هجوما كبيرا بمحيط مدينة سامراء العراقية المعلنة “محرّرة” بالكامل من مقاتلي التنظيم، موجّها رسالة بشأن احتفاظه بقدرته على الضرب في أي مكان بالبلاد رغم التقدّم المسجّل في الحرب ضدّه في آخر معاقله الكبيرة وصولا إلى مدينة الموصل إحدى أهم مراكز الثقل لكيانه الذي يقيمه على أجزاء من الأراضي العراقية والسورية ويسميه “خلافة إسلامية”.

وسيمثّل انتزاع الموصل من سيطرة التنظيم عمليا بداية النهاية لـ”خلافة” داعش، لكنّه سيمثّل بالمقابل تدشين التنظيم مرحلة حرب استنزاف للدولة العراقية التي تعاني انقسامات وصراعات حادّة بين الشركاء في إدارتها، والمنهكة اقتصاديا والضعيفة أمنيا لعدّة أسباب من ضمنها استشراء الفساد وعدم وحدة القرار الأمني، وأيضا الصراعات السياسية التي أفضت إلى حدوث فراغ في أهم منصبين أمنيين، وزارة الداخلية التي استقال وزيرها في أعقاب سلسلة من الإخفاقات الأمنية أبرزها تفجير بمنطقة الكرادة كان قد خلّف المئات من الضحايا بين قتلى وجرحى، ووزارة الدفاع التي أقيل وزيرها من قبل البرلمان.

جرائم الميليشيات الشيعية بحق أبناء المناطق السنية تهيء الأرضية لداعش لاستئناف نشاطه في تلك المناطق

وحسب مراقبين فإن تنظيم داعش في مرحلة ما بعد الموصل سيعود إلى أصله، مجرد ميليشيا مسلحة تنضم إلى مجموعة الميليشيات التي تقاتل في سوريا. فالموصل هي أكبر من حلم التنظيم لذلك فقد كانت السيطرة عليها من قبله بالصدفة بسبب سياسة الحكومة العراقية السابقة. ومن الثابت أن تلك الواقعة هي التي ألهمت قادة التنظيم التفكير في إعلان دولة الخلافة. ومن غير الموصل ما كان للتنظيم أن يوسع ويقوي سيطرته على الآلاف من الشباب الذين صار يجندهم بيسر، في ظل إيهامهم بأن “دولة الخلافة” قادرة على صنع المعجزات، ودليله على ذلك الموصل باعتبارها “هبة إلهية”، حيث تم “فتحها” من غير قتال.

وفي مرحلة ما بعد الموصل سيعود تنظيم داعش إلى حجمه الحقيقي. وسيلجأ إلى حرب العصابات أسلوبا لاستنزاف قدرات الجيش العراقي، غير أن إدامة تلك الحرب مرتبطة بموقف أهالي الموصل. ذلك الموقف يمكن أن يتحكم به مستوى ثقتهم بالحكومة العراقية. فإن اختل ميزان تلك الثقة وعادت الحكومة إلى سياستها الطائفية السابقة فإن حرب الاستنزاف ستقصم ظهر الحكومة وقد تؤدي إلى تدمير الجزء الأكبر من الجيش العراقي، في ظل الخلاف المتنامي بين حكومة المركز في بغداد والحكومة الكردية في أربيل في شأن مصير أجزاء من الموصل، بعد أن يتم تحريرها.

وعلى هذه الخلفية فإن مصير داعش لا تقرره القوة العسكرية، عراقية خالصة كانت أو مشتركة بل يقرره موقف أهالي الموصل. وهو موقف يمكن للحكومة العراقية أن تساهم بطريقة إيجابية في صنعه.

ويستبعد خبراء الشؤون الأمنية أن تكون نهاية تنظيم داعش ككيان كبير مسيطر على الأراضي والتي تلوح وشيكة مع التقدّم المتحقّق في الحرب ضدّه خلال الأيام الثلاثة الماضية في هيت والبغدادي بالأنبار، والشرقاط بصلاح الدين، ومع تواتر المؤشرات على قرب إطلاق معركة الموصل الحاسمة، نهاية لمعاناة العراقيين من العنف والإرهاب، نظرا لامتلاك التنظيم كل وسائل حرب العصابات والتفجيرات في مختلف مناطق البلاد ومدنها، وتنفيذ الهجمات الخاطفة على غرار سلسلة من الهجمات التي شنها الخميس بسامراء.

كما أن في العراق فائضا من السلاح السائب الواقع خارج يد الدولة وبأيدي العشرات من الميليشيات الشيعية، والذي سيظل يمثّل تهديدا لأمن البلد وعائقا أمام إقراره بشكل كامل.

وفجر تنظيم داعش، الخميس، سبعة منازل إثر اقتحامه ثلاث قرى بجنوب شرق مدينة سامراء بمحافظة صلاح الدين شمال العاصمة بغداد، فيما تمكنت القوات العراقية من صد هجومين للتنظيم على القيارة جنوب الموصل بشمال العراق. وقال نقيب في الشرطة العراقية إنّ نحو 15 مسلحا من داعش كانوا يستقلون سيارات من نوع بيك آب هاجموا قرية المالحة والصلابخة والعيث بجنوب شرق سامراء.

وأضاف لوكالة الأناضول أنّ التنظيم فجر سبعة منازل تعود لأشخاص في الحشد الشعبي -المكون من ميليشيات شيعية منخرطة في الحرب ضدّ داعش- مبينا أنّ المسلحين هددوا باقي العائلات بمصير مشابه في حال انضمام أبنائها إلى الحشد. وشرح أنّ بعض العائلات فرّت باتجاه مدينة سامراء والضلوعية بجنوب محافظة صلاح الدين عقب الحادثة، فيما انسحب مسلحو داعش بعد ذلك دون أن يتعرضوا لتهديد يذكر.

سيطرة التنظيم على الموصل كانت مجرد صدفة ساعدت على وقوعها سياسات الحكومة العراقية السابقة

وتعتبر منطقة الجلام في سامراء التي تضم عددا من القرى من بينها التي هاجمها داعش، الخميس، منطقة “محرّرة” منذ فترة طويلة من سيطرة التنظيم، إلاّ أنّه كثيرا ما يعاود الهجوم عليها من حين لآخر في مظهر عن صعوبة اجتثاثه بالكامل حتى في حال هزيمته في الحرب.

ويسيطر فصيل سرايا السلام التابع لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر على مركز مدينة سامراء، فيما تتقاسم السيطرة على أطرافها العشرات من الفصائل الشيعية الأخرى.

وتوفّر سيطرة الميليشيات على المناطق التي تساهم في استعادتها من داعش، أرضية لمعاودة التنظيم نشاطه وتصيّد أتباع له ومناصرين بين أبناء تلك المناطق الناقمين عادة على سلوكات الميليشيات وتجاوزاتها الكثيرة بحقهم خصوصا إذا كانوا من أبناء الطائفة السنية.

ويعتبر هجوم داعش، الخميس، في سامراء بمثابة “عمل وراء خطوط العدو” حيث تتركز العمليات العسكرية ضدّ التنظيم في الوقت الراهن في كل من جزيرتي هيت والبغدادي في محافظة الأنبار، والشرقاط بمحافظة صلاح الدين باتجاه مدينة الموصل التي تلوح معركتها وشيكة.

ومع التقدّم الكبير في الحرب على داعش في العراق، ترتفع الأصوات منادية بتحقيق مصالحة حقيقية بين مكونات المجتمع العراقي وتجاوز السياسات الطائفية التي أضعفت الروح الوطنية في البلد وقلّلت حماس عدد كبير من أبنائه للدفاع عنه وفتحت الأبواب للتنظيم المتشدّد للسيطرة على أكثر من ثلث مساحته.

3