داعش يستعيض عن خسارة الأرض بحرب استنزاف طويلة في العراق

التقدّم المسجّل في استعادة المناطق العراقية من يد داعش لا يعني قرب نهايته وخروج العراق من دوامة العنف ما دامت الأرضية مهيأة للتنظيم لمواصلة استثمار العداء الطائفي، وتصيد أتباع له في صفوف الغاضبين من سياسة الإقصاء والمتضرّرين منها.
الاثنين 2016/03/07
نهر الدموع لا يتوقف

الحلة (العراق) - ضرب تنظيم داعش، الأحد، مجدّدا في قلب المناطق البعيدة عن ساحات الحرب التي يخوضها بشمال العراق وغربه، موقعا العشرات من القتلى والجرحى في هجوم انتحـاري على حـاجز أمني شمال مدينـة الحلة، كبـرى مـدن محافظة بابل بجنوب بغداد، والتي تعتبر ضمن المناطق الآمنة.

وتضمّن الهجوم الدامي رسالة بشأن قدرة التنظيم على الضرب في أي من مناطق العراق واستعداده للانتقال من مرحلة السيطرة واسعة النطاق على الأرض وإدارة كيان خاص به عليها، إلى “حرب استنزاف” مرهقة للدولة العراقية، ما يعني أنّ البلد يظلّ رغم ما يسجل من تقدّم في استعادة مناطقه من يد التنظيم أبعد ما يكون عن الخروج من نفق العنف الدموي.

وبحسب مختصين في شؤون الجماعات المتشدّدة فإن خسارة تنظيم داعش لأراض عراقية لن تعني القضاء عليه، بل سيظل يستمد أسباب بقائه من ارتفاع منسوب الطائفية في البلد، بفعل السياسات الحكومية الخاطئة وسيطرة الأحزاب الشيعية على مقاليد الحكم وإدارة الدولة.

ويحاول تنظيم داعش استثمار هذا المعطى بتقديم نفسه مدافعا عن أبناء الطائفة السنية من خلال تركيز هجماته على مناطق سكن أبناء الطائفة الشيعية وموطن أبرز مقدساتهم ورموزهم الدينية.

وترافق هجوم الحلّة الذي أسفر عن مقتل قرابة الستين شخصا وإصابة أكثر من سبعين بجروح، مع إعلان السلطات الأمنية، الأحد، عن اعتقال شقيق مسؤول أمني كبير أثناء محاولته مع اثنين من عناصر تنظيم داعش إدخال عربة مفخخة بكمية كبيرة من المتفجرات إلى محافظة كربلاء الواقعة على بعد 100 كلم جنوب العاصمة بغداد.

ويتعلّق الأمر، بحسب المصادر الأمنية العراقية بفلاح رزيج شقيق اللواء هادي رزيج قائد شرطة محافظة الأنبار، ما يعني نجاح داعش في اختراق حتى الدائرة الضيقة لكبار المسؤولين الأمنيين.

وتبنى داعش الهجوم الانتحاري الذي نفذ بشاحنة صهريج ملغومة واستهدف نقطة تفتيش تابعة للشرطة العراقية عند مدخل مدينة الحلة.

شقيق مسؤول أمني كبير ضمن خلية لداعش حاولت إدخال عربة مفخخة بكمية كبيرة من المتفجرات إلى كربلاء

ووصف فلاح الراضي رئيس اللجنة الأمنية بالمنطقة الهجوم بأنه أكبر تفجير شهدته المحافظة على الإطلاق حيث دمّر نقطة التفتيش ومركز الشرطة القريب إلى جانب بعض المنازل والعشرات من السيارات.

ويأتي تكثيف داعش لعملياته الانتحارية بالتزامن مع خسارته مساحات هامة في محافظتي الأنبار وصلاح الدين آخرها جزيرة سامراء، فيما يتكثّف الحديث عن قرب إطلاق عملية تحرير الموصل مركز محافظة نينوى، والفلّوجة ثاني أكبر مدن الأنبار.

ويرافق تقدّم العمليات العسكرية في العراق سؤال مركزي حول ما إذا كان انتزاع مناطق عراقية من يد داعش سيعني نهاية التنظيم وإقرار الأمن بشكل تام في البلد الذي عاش موجات متلاحقة من العنف تواصلت لأكثر من عقد من الزمن وحصد الآلاف من القتلى والجرحى والمعوقين ومثلهم من اليتامى والأرامل.

وإجابة عن هذا السؤال يرى خبراء أمنيون أن القضاء على داعش بحرب نظامية أمر مستبعد، مؤكّدين أنّ التنظيم يمتلك من المرونة ما يتيح له التحوّل بسرعة من قوّة كبيرة مسيطرة على الأرض ومحاولة إدارة كيان عليها يسميه “خلافة إسلامية”، إلى مجرّد مجموعات صغيرة تنفّذ حرب عصابات وتعمل باستمرار على استنزاف القوات النظامية بهجمات خاطفة، ومواصلة إرهاق الدولة بزعزعة الأمن عبر زرع العبوات وتفخيخ العربات ومداهمة المواقع الأمنية على غرار ما حدث، الأحد، في الحلّة.

كما يلفت الخبراء إلى أنّ إخماد جبهات الحرب ضدّ تنظيم داعش في العراق بشكل نهائي بدا أمرا متعسّرا إلى حدّ الآن مستدلّين على ذلك بتواصل سقوط ضحايا خلال هجمات مازال التنظيم قادرا على شنها في مناطق أعلن بشكل رسمي عن استعادتها من قبل قوات الجيش والشرطة ومتطوّعي الحشد الشعبي، ومقاتلي العشائر.

وينطبق هذا الأمر على محافظتي ديالى وصلاح الدين حيث تمّ تسخير إمكانيات كبيرة بشرية ومادية لاستعادة مناطقهما. ورغم الترويج لانتصار ساحق على التنظيم هناك، فإن المناطق المستعادة ماتزال تشهد هجمات دامية تشنها عناصر داعش وتوقع العشرات من القتلى والجرحى.

وبعيدا عن المعطيات الأمنية يرى محللّون سياسيون أن الحياة السياسية في العراق وطريقة إدارة البلد ماتزالان تنطويان على عيوب جوهرية تكرّس الإقصاء على أساس طائفي، الأمر الذي يسهل على المتشددين اصطياد أتباع لهم في الأوساط المهمّشة.

وتقوم الحياة السياسية في العراق منذ سنة 2003 على المحاصصة الطائفية التي أفضت إلى سيطرة شيعة البلاد على المراكز القيادية في الدولة بمختلف قطاعاتها العسكرية والمدنية.

ولم تسلم الحرب على داعش في العراق من اعتبارات طائفية، خصوصا مع اضطلاع ميليشيات شيعية بدور كبير في الحرب وتمتعها بدعم حكومي بالمال والسلاح وبغطاء سياسي، في مقابل تهميش دور العشائر السنية والامتناع عن دعمها.

وازدادت الملامح الطائفية بروزا في تلك الحرب بفعل عمليات انتقامية وأعمال سلب ونهب مارستها الميليشيات الشيعية ضدّ سكّان بعض المناطق التي ساهمت في استعادتها من التنظيم على خلفية اتهام هؤلاء السكان بالتواطؤ مع داعش لمجرّد كونهم من أبناء الطائفة السنية.

وعلى هذه الخلفية يأتي الرفض القطعي من قبل سكان محافظتي الأنبار ونينوى لمشاركة ميليشيات الحشد الشعبي في الحرب على داعش بالمحافظتين ودعوتهم إلى الاستعاضة عن تلك القوات بمقاتلين من أبناء العشائر المحلّية.

3