داعش يسعى إلى تكثيف عملياته في سيناء لتأمين مستقبله في ليبيا

انتقال البغدادي إلى الساحة الليبية يعتمد على رغبة عارمة في ملء فراغ الجهاز الأمني شبه المدمر هناك، وتوسيع نطاق عملياته الجغرافي وامتلاك إمكانيات السيطرة على مناطق واسعة لأطول زمن ممكن.
الأحد 2019/06/09
بنشر الخراب يتمدد الإرهاب

القاهرة - ضاعفت قوات الأمن المصرية تحركاتها العسكرية في سيناء عقب العملية التي قام بها تنظيم داعش الأربعاء الماضي، واستهدفت كمين شرطة بالعريش، وأدت إلى مصرع ثمانية عناصر.

وتمكنت عمليات التمشيط التي تقوم بها قوات الأمن من قتل عديد من العناصر الإرهابية اليومين الماضيين، لكسر شوكتهم المتجددة، وتحسبا لحدوث المزيد من العمليات بعد الحصول على معلومات تؤكد أن ما جرى في سيناء مقدمة لصرف الأنظار المصرية عما يدور في ليبيا من معارك بين الجيش الوطني والمتطرفين والعصابات المسلحة المدعومة من حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج والدول المساندة له.

وأتت محاولات تنظيم داعش لاستعادة زخم عملياته في سيناء بعد فترة كمون وفي سياق يحمل عنوان السعي لبعث نشاط التنظيم في الشمال الأفريقي، انطلاقًا من مركزيته الجديدة في ليبيا، مع توارد الأنباء حول انتقال زعيمه أبوبكر البغدادي إلى غرب ليبيا.

ويراهن داعش على مسرح الصراع الليبي لاحتواء وتشغيل الآلاف من مقاتليه بعد فقدان حضوره في سوريا والعراق، وعلى توقعات بطول أمد معركة طرابلس وحاجة بعض الأطراف الخارجية لإعاقة تقدم الجيش الليبي عبر جهود ميليشيات تحارب بالوكالة، وهي الفرصة التي ربما تسمح لداعش بتعزيز نفوذه.

ولتغيير الوضع الراهن للتنظيم الذي تلقى هزيمة في سوريا بعد معركة الباغوز بدير الزور، يعمل داعش على توسيع شبكته في الخارج وإبقاء النموذج حيًا من خلال تنفيذ عمليات في آسيا وأوروبا وأي مكان يطاله. واقتضت التطورات الأخيرة نقل جزء كبير من الثقل البشري والعسكري إلى الساحة الليبية بما يمنح التنظيم أملا في السيطرة على بقعة من الأرض والتدريب والتجنيد وإدارة شؤون التنظيم المالية والحركية.

جمعت الأزمات المشابهة بين المحور الداعم للإسلام السياسي المتمثل في أنقرة والدوحة وتنظيم داعش. وكل منهما يعاني من فقدان النفوذ ويجد في الساحة الليبية ملجأ أخيرا، ومنطلقًا لوقف مسلسل الهزائم والتراجع والحد من النفوذ المتزايد للقوى العربية المنافسة، وفي مقدمتها مصر والسعودية والإمارات.

وتجد قطر وتركيا في داعش، والحركات المتشددة عموما، ضالتهما على ضوء تراجع الرهانات على جماعة الإخوان الذي نجم عن ضعف أدائها السياسي وفقدان السلطة في مصر ثم السودان، وتنامي الرغبات الشعبية في التخلص من مشاركة الإسلاميين في السلطة، كما في ليبيا وتونس، علاوة على تراجع الرهان على تنظيم القاعدة بالتزامن مع تفكيك بعض هياكله وامتداداته وسقوط البعض من كبار قادته.

ويعتمد انتقال البغدادي إلى الساحة الليبية على رغبة عارمة في ملء فراغ الجهاز الأمني شبه المدمر هناك، وتوسيع نطاق عملياته الجغرافي وامتلاك إمكانيات السيطرة على مناطق واسعة لأطول زمن ممكن.

نجاح التنظيم في تنفيذ معدل عمليات مرتفع في ليبيا وإثبات مقدرة لشن عمليات منظمة في شرق وجنوب ليبيا بعد تجفيفهما من العناصر الإرهابية، شجعا قيادته لاستعادة السيطرة على زمام الأمور.

ويجد المخططون لنشاط داعش أن الرهان ليس فقط على معركة طرابلس واستمرار الأزمات السياسية في دول الجوار الليبي، إنما أيضًا على مقدرة التنظيم على ربط نشاطه بين مصر وليبيا وكسر أو تخفيف حلقة التعاون بين الحكومة المصرية والجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

ويتضمن نقل نشاط داعش إلى الأراضي الليبية ضرورة مواصلة عملياته في سيناء، لأنها تمنح التنظيم فرصة حقيقية للنمو والتوسع وحرية الحركة والمناورة، وقد تشغل مصر بإرهاب داخلي يحرمها من دعم الجيش الوطني الليبي.

ما أحرزه داعش في الساحة الليبية من الظهور كعنصر يستطيع تغيير الموازين السياسية وتنفيذ عمليات معقدة مستقاة من معلومات استخباراتية، كان قد أحرزه تنظيم القاعدة من قبل، لكن الأخير افتقر لقدرات تؤهله للوقوف أمام جبهتين تنسقان وتتبادلان المعلومات بشكل فعال، وما يعزز التفوق في ليبيا يستلزم عزل القاهرة وشغلها بإرهاب ربما يعوقها عن دعم الجيش الليبي.

Thumbnail

وترمي العملية التي نفذها تنظيم داعش في شمال سيناء الأسبوع الماضي إلى تأسيس نموذج يمتد من ليبيا إلى مصر عوضًا عن نموذج العراق وسوريا، وجاءت أيضًا بعد تسلم القاهرة لهشام عشماوي مؤسس تنظيم “المرابطون” الجهادي والذي فشل في تحقيق هذا الهدف باسم القاعدة.

ويستثمر داعش تراجع أداء القوى المتطرفة في مصر، ومنع اهتزازها في ليبيا، للتسويق لنموذجه الفكري الذي يختلف عن القاعدة في العديد من النقاط، أهمها الخلافة ومفهوم الجهاد نفسه، لكن الأولوية لدى داعش في المرحلة المقبلة ستتركز في كيفية إثبات حضوره والنجاح في ما فشل القاعدة في تحقيقه على مستوى التمكين الميداني وإدارة عمليات خارج نطاق جغرافي محدود والتعامل مع حالة متماسكة أمنيًا على الجبهة المصرية.

وعلى الرغم من الإمكانيات التي تتمتع بها مصر على المستوى الاستخباري، إلا أن التنظيم يعول على حالة الاستقطاب الحاد بشأن الأوضاع في ليبيا ومحيطها الإقليمي، وتصميم بعض القوى غير العربية على تغيير معادلات القوة التي سجلت باسم مصر والسعودية والإمارات في الشرق الأوسط.

ويرى الكثير من المتابعين لحالة تنظيم داعش أنه من الصعوبة تحقيق هدفه الذي كان وراء نقل المئات من مقاتليه وزعيمه إلى الساحة الليبية، بمجرد إطالة معركة طرابلس وإعاقة تقدم عملية “طوفان الكرامة” من دون النيل من مصر، باعتبارها القوة العربية الأكثر تماسكًا أمنيًا وعسكريًا ومعلوماتيًا، والتي أسهم تعاونها المعلوماتي في انتصارات الجيش الليبي شرقًا وجنوبًا، وصولا لامتلاك الإرادة والإمكانيات للتحرك غربًا وقرب السيطرة على طرابلس.

ويعكس الاستعداد لحدوث عمليات جديدة في سيناء رؤية داعش المتعلقة بإدامة الصراع المسلح لأطول فترة، الأمر الذي لن يحدث باستنزاف الجيش الليبي في معارك حول وداخل طرابلس وفي مناطق متفرقة بالبلاد، إنما بتوسيع المواجهة لتشمل الحلفاء الإقليميين، خاصة القاهرة التي تبذل ما في وسعها لتحقيق واقع جديد يقوم على نظام سياسي موحد خال من الجماعات المتطرفة والميليشيات المتحالفة.

ويتوقع مراقبون أن ينصب اهتمام داعش في المرحلة المقبلة على كيفية تعطيل التنسيق الأمني والعسكري والمعلوماتي بين مصر والجيش الليبي، ما يعني تنفيذ المزيد من العمليات التي تستهدف الأجهزة الأمنية وتمركزات الجيش في سيناء بما يحقق الحد المطلوب من تخفيف الضغط على المتطرفين والكتائب المسلحة في ليبيا، لأن توسيع رقعة المواجهات والمناورات وتشتتها بين الجبهتين قد يسمح للمتطرفين بحرية أكبر في الحركة.

2