داعش يشيد صرح خسارته على أنقاض حضارة الآشوريين في العراق

الاثنين 2015/03/02
تنظيم داعش الخارج عن سياق التاريخ يستهدف الإنسان بالقتل وتراث الإنسان بالطمس

خمس دقائق صاعقة متواصلة كانت خلاصة الهجوم الذي شنّته عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” على المتحف الأهم في العالم في محافظة نينوى العراقية التي لم يسلم فيها بشر أو حجر أو شجر، فانتقلت من عصمة قاتل إلى عصمة قاتل، فنزف دجلة و الفرات دما ممزوجا بكل ما مرّ بأرض العراق.

حادثة المتحف تذكر بأخرى سابقة لها جرت قبل خمسة عشر عاما عندما قام تنظيم طالبان بتحطيم تمثال “بوذا” في أفغانستان، وتحيل إلى فكرة مفادها أنّ تحطيم التراث الإنساني ليس وليد اللحظة بل هو فعل له جذوره التاريخية والاجتماعية الممتدة إلى زمن بعيد مضى، وهو ما يحيل بدوره إلى التساؤل عن نبتة الإنسان بين الخير والشر وأيّهما الأسبق. فالإنسان الذي قضى مئات السنين لاكتشاف الحرف الكتابي لم يستغرق سوى لحظات ليكتشف قدرته على القتل وإنهاء وجود الآخر.


حادثة غير معزولة


رئيس جمعية الآثار السورية، شيخموس علي، يرى أنّ “استهداف التراث الإنساني مسألةٌ موغلةٌ في القدم بدأت منذ العهود الغابرة وحتّى عصرنا الحاضر”، مشيرا إلى أنّ “التوسُّعات الجغرافية للدول التي نشأت على امتداد عصور التاريخ كانت الجيوش المنتصرة فيها تقوم باقتحام المدن و تخريبها وحرقها ونهب خيراتها وتراثها”، مذكّرا “بمسلَّة حمورابي الشهيرة التي تعود للعصر البابلي القديم والتي تم نهبها من قبل ملوك عيلام عندما اقتحموا بابل عام 1155 قبل الميلاد وقاموا بنقلها رفقةَ الإرث الكامل إلى سوزا في إيران”.

كذلك لفت إلى أنّ “المشاهد الآشورية التي تزيِّن القصور الملكية تُظهِرُ ممارسةَ الجيش الآشوري للنهب والتدمير في المدن التي اقتحمها، كذلك تبرُز دائماً صورة هولاكو خان قائد المغول الذي قام بتدمير بغداد (عام 656 هـ / 1258م) ليُحوِّل لون نهر دجلةَ إلى الأسودِ بسبب الكميات الهائلة من الكتب التي رميت فيه والتي كانت موجودة في بيت الحكمة، كما تذكر المصادر التاريخية”.

ليخلص شيخموس علي إلى “أنّ قام به تنظيم داعش ممن استباحة و تخريب لمُقتَنَيات متحف نينوى يمثل كارثة للتراث الإنساني، فمن خلال مقطع الفيديو الذي بثَّهُ التنظيم شاهدنا تدمير تماثيل هامة اكتشفت في مملكة الحضر كتمثال هرقل و الملك سنطروق، والملكة آثال، بالإضافة إلى تماثيل للثيران المجنَّحة والتي تعرف بلاماسو، وعدد من المنحوتات التي كانت تزيِّن قصر الملك سنحاريب في تل قوينجق بنينوى، وجلّ هذه الآثار تعود إلى العصر الآشوري الحديث”.

ويضيف أنَّ “السبب الذي دفع التنظيم المتشدد لاقتراف مثل هذه الجريمة يبدو للوهلة الأولى أيديولوجيا دينيا بحتا، لكنّه حقيقة الأمر يكشفُ يتعلق بمُعطيات أخرى لا تقلُّ أهمية عن الانطلاق من العقيدة، فالجانب الدعائي و ما سيتركه من أثر في نفوس الناس من هلع هو الهدف الأول لهذه الجماعات التي تدمّر الآثار من جهة وتُشارك في بيعها بالسوق السوداء من جهة أخرى”.

رياض نعسان أغا: ما قام به تنظيم داعش يعدّ إنذارا خطيرا يهدد بالقضاء على تراث البشرية


أيديولوجيا الاستهتار


بالمقارنة بين فيديو تحطيم الآثار الأخير الذي انتشر بين مئات الملايين من البشر فور رفعه على شبكة الإنترنت وإصدارات تنظيم “الدولة الإسلامية” السابقة، يبدو أنّ هذا التسجيل بدا خاليا من التقنيّات “الفذّة” التي تمَّ تقديمها خلال تسجيلات سابقة، وربّما يعود ذلك إلى رغبة التنظيم في إظهار عدم اهتمامه المُطلَق والكلِّي بهذه القضية التي تبدو دوافعها واضحة، لأنَّه انطلق معتَمِدا على “نصّ مُقدَّس″ في تنفيذها، على عكس ما حصل أثناء حرق الطيار الأردني المسلم مثلا، حيث كانت تقنيات الصورة حاضرة بكل ثقلِها لأهميَّة الموضوع، وعدم وضوح منطلقاته “الشرعية والعقائدية” حينها.

وأمام الدور الذي لعبته الأيديولوجيا العقائدية والنص المقدَّس في هذه الحادثة، يرى الدكتور رياض نعسان آغا، وزير الثقافة السوري الأسبق، “أنَّ الفاتحين الأوائل من أصحاب الرسول محمد (ص) سبق لهم أن رأوا هذه الآثار حين دخلوا العراق والشام ومصر وسواها من البلدان التي أصبحت إسلامية منذ أربعة عشر قرنا ونيف، ولم يتعرض لها المسلمون قط بل حافظوا عليها، والدليل بقاؤها سليمة إلى اليوم”، نافيا معرفتَهُ بوجودِ من يعبُد الأصنام و الأوثان في البلاد العربية التي يتواجد فيها عناصر تنظيم “داعش”، مشددا على حرص الإسلام على عدم الاعتراض على عقائد البشر؛ فالتدمير وفق دوافع دينية لم يحدث على مرّ التاريخ الإسلامي أبدا، على حد تعبيره.

ويوضح آغا “أنَّ هذه جرائم تعدّ غير مسبوقة، فلم يحدث قبل ظهور حركات التطرف التي تدعي الدفاع عن الإسلام أي اعتداء أو تدمير متعمد طال الآثار التي تمثّل ذاكرة للإنسانية وتراثا عالميا حافظ عليه المسلمون على مرّ العصور، وما قام به تنظيم داعش يعدّ إنذارا خطيرا يهدّد بالقضاء على تراث البشرية الذي لا يُمكِن أن يُعوَّض إطلاقا، فالسوريون والعراقيون قد يتمكّنون من إعادة بناء مُدنِهم التي دمّرتها الحرب، ولكنّهم لن يتمكنوا قطّ من إعادة نحت التماثيل التي تمّ تدميرها لأن ذلك يتطلَّب إعادة التاريخ برمّته”.

إنّ ما حدث و يحدث بشكل ممنهج ومدروس لم يكن وليد اللحظة على الأقل بين صفوف عناصر تنظيم “دولة الإسلامية”، الذين أظهروا استهتارا مُنقَطِع النظر وغير مفهوم، بما تحمِله تلك القطع المعمارية الفنيّة من قيمةٍ لا تُقدّر بثمن، حيث أنهم لطالما عمدوا إلى المتاجرة بالآثار ضمن شبكة تتم إدارتها بشكل علني و سريّ في آنٍ معا عبر وسطاء و تجَّار ومُهرّبين ومن خلال أسواق مُنتشِرة في القرى والمدن العراقية والسورية وبأسعارٍ غريبة عن عالم تجارة الآثار وتصريفها، شبكةُ تبدأ من الموصل وتَدمر السورية وصولا إلى الريف إدلب وجبل الأربعين. تلك المناطق التي تتوجّه منها القطَعُ الأثريَّة إلى الخارج عبر خطوط ومسالك بات التنظيم يمسك بها في ظل الصمت الدولي الذي أوصل إلى اللحظة التي شاهد فيها العالم الفيديو الذي تهشّم فيه آثار متحف نينوى.


التحليل النفسي للظاهرة


هنادي الشوّا، أستاذة علم النفس بجامعة نيس الفرنسية، ترى أنّ الواقع الذي تشهده المنطقة اليوم في ظل تمدد التنظيم المتشدّد، ينبئ بالمزيد من المفاجآت في المستقبل لأنَّ المشكلة الأكبر هي عدم القدرة على العثور على توصيف متكامل لهذا التنظيم بمعزل عن الجانب العقائدي الذي يحكمه، وهنا يتجلّى إهمال قراءة سيكولوجية الفكر المتطرف الذي يُمثِّلُهُ عنصر داعش، فهو شخص عدواني بطبيعته ميال للتدمير والهدم، على الصعيدين الداخلي والخارجي، حيثُ يُمكن اعتبار الميل التّدميري الموجّه نحو الذات لدى المتطرّف أشدّ وضوحا، وهو ما يدفع حاملي هذا الفكر إلى فقدان الإحساس رغم ارتكابهم لأشنع الجرائم، مشيرة إلى برودة دم عناصر داعش الذين نفذوا عمليات قتل أقل ما يمكن وصفها به أنها كانت في منتهى الوحشية، مرجعة ذلك إلى الدمار الهائل والهدر النفسي الذي طالهم أثناء تدريبهم وتكوينهم النفسي.

وتضيف الشوّا أنّ البعض يرى أنّ اللثام الذي يرتديه عناصر داعش ناتج عن رغبةٌ منهم في عدم الكشف عن هوياتهم، بينما الحقيقة أنَّ اللثام لدى عناصر التنظيم يخدم رغبة المتطرف بالشعور بالتميز وحب الظهور وهذه الرغبةُ هي التي تدفعُهُ انطلاقا من أرضية دينية إلى المزيد من الخراب وصولا إلى السادية التي لمسناها أثناء تحطيمهم للتماثيل التّاريخية.

فهذا الفعل المنافي للقيم البشرية، تقول أستاذة علم النفس، يضعُ المتلقي أمام خيارات تمتد بين تنامي شعور العظمة لدى داعش وصولا إلى شعور العجز الكلِّي، وبالتالي الرغبة في التدمير بينما نجد أنفسنا أمام مُركَّب نفسي يميز شخصية الطاغية المتطرف، وهو هذا المزيج بين الإحساس بالدونية والَتصرف كمريض جنون العظمة في ذات الوقت، حيث يمكن إرجاع هذا المزج إلى عقدة نقص متأصِّلة لدى المتطرف تغذيها الإسقاطات التاريخية فمثلا يتحدث أفراد داعش في فيديوهات القتل بأنهم مضطهدون وملاحقون، ولذلك فهم يسعون إلى بناء دولتهم واستقطاب مريديهم من كل أنحاء العالم إلى أرض الخلافة الموعودة ولكنّهم في الوقت نفسه غير قادرين على ابتكار أدواتهم الخاصّة وتقنياتهم، بل هم من أكثر الأشخاص استهلاكا للتكنولوجيا التي صنعها أعداؤهم ولكن بالمقابل يقض مضجعهم تمثال عمره مئات السنين. وهذه التناقضات في سيكولوجية داعش تدل على أنهم يعلمون تماما أنهم غير قادرين على الاستمرار في بناء دولتهم المزعومة لذلك يلجأون إلى مواجهة إحباطاتهم بهلوسات دينية مُصرِّين على وجوب النصر الإلهي القادم القريب في حال حطَّموا متحفا، وبهذه القناعة المتأصِّلة سنرى أنّهم ماضون في سياسة تدمير الإرث الثقافي والإنساني العالمي”.

داعش وجد نفسه في لحظاته الأخيرة جغرافيا على الأقل في نينوى، فأراد منتسبوه نشر الخراب على طريقتهم


الحلقة المفرغة في السياسة


لا يمكن فصل الأحداث السياسية عن كل ما يتحوّلُ واقعا من أفعال تنظيم “الدولة الإسلامية” فالعالم اليوم أمام إعلان للحرب تقوده الولايات المتحدة مع الحلفاء ضدَّ مراكز التنظيم الإرهابي في أماكن تواجده على الأراضي السورية والعراقية، ومع اشتداد الضربات الجوية عقب انتشار مشاهد حرق الطيار الأردني والإعلان الصريح من وزير الدفاع الأميركي الجديد عن قرب العمليّةِ البريَّة لتحرير الموصل و إطلاق سراحها من سيطرة داعش، ربّما وجد التنظيم نفسه في لحظاته الأخيرة جغرافيا على الأقل في نينوى فأراد منتسبوه نشر الخراب على طريقةِ عديمي الثقافة الذين يسعون إلى تدمير كل شيء حولهُم لحظةَ إحساسهم بقرب النهاية.

وترى الأستاذة في العلوم السياسية، رفقة شقّور، أنّ تنظيم الدولة اﻹسلامية وجد في ظرف حساس تسودُ فيه الفوضى أرجاء المنطقة العربية وهذا ما سيحوّله إلى ظاهرة عابرة تسير بخطواتها نحو النهاية، فكل الدلالات والمؤشرات تصب في خانةِ أن داعش وجدت لتعميق الفرز الطائفي في المنطقة العربية بجرائم لا توازيها جرائم في التاريخ أو الجغرافيا باقتراب توثيق الجريمة والحرص على عرضها على أكبر شريحة مشاهدة، عكس ما سعت إليه أي جهة إجرامية عبر التاريخ من تكتّم على الجرائم وعدم خروج للعلن. وبموازاة ذلك كلّه تباشرُ الدولة المزعومة النيل من الإنسانية جمعاء لتعزيز الازدراء العالمي للمسلمين بخطة موجهة من أجل طمس معالم ثقافية وحضارية.

وتضيف “أنّ الدولة الإسلامية تنظيم مرتعب ظلامي، ولذلك فهو خائف من الكتاب والشاهد على التاريخ في مكتبات العراق وسوريا ومتاحفهما التي تحمل بذور فنائه، لذلك لم يتوانَ عناصره في إتلاف دور العلم والمتاحف العريقة، فكانت النتيجة التخلص من أهم متعلقات اﻹرث الثقافي اﻹنساني.

الثابت أنّه بعد 26 من فبراير الماضي، أشرِقُت شمس العراق على أرضٍ لم يعُد فيها تمثال يبلُغ طولُهُ أكثر من أربعة أمتار ويصلُ وزنه لما يقارب ثلاثين طنّا، كما أنّ دور شروكين ستبقى وحيدة من دون حارسها الذي وقف أمامها منذ ثلاثة آلاف عام.

لم يكن ذلك اليوم عاديا، فقد أعاد إلى الأذهان يوم 14 أبريل 2003، حين نُهِبَ المتحف الوطني في بغداد على مرأى ومسمع من القوات الأميركية، ويوم الثاني من آذار لعام 2000، حين بدأ ديناميت طالبان ينخرُ تمثال بوذا باميان في هازار ستان وسط أفغانستان. وبين هازارستان والموصل مسافاتٌ شاسعة لكن اجتاحهما فكرٌ واحدٌ جمع أطرافا عدّة هنا وهناك وكذلك في سوريا واليمن وغيرها. فكر أساسه التدمير والخراب الذي ينشرُه إرهاب التنظيمات المُتطرَّفة التي تدعي الدفاع عن الله أمام تماثيل صامتة. وأمام كل هذا الألم ستظل الإنسانية شاهدة على مجزرة التاريخ التي اغتالت فيها داعشٌ حضارة بأكملها.

7