داعش يعرقل الاستراتيجية الأميركية لإعادة الصحوات إلى العراق

الأحد 2014/11/23
إعادة ادماج العراقيين السنة ضمن الجيش النظامي مشروع يتربص به الفشل

لندن - يدفع العراقيون وخاصة السنة منهم منذ سنوات ضريبة أخطاء واشنطن، التي اتسمت سياساتها في إدارة الملف العراقي بالارتباك وانعدام الفهم الصحيح لما يجري في هذا البلد، ولعل آخر أخطاء هذه الإدارة التي لا حصر لها، فشلها في تقدير إمكانيات تنظيم الدولة الإسلامية.

وترتكز الاستراتيجية الأميركية في الحرب على داعش في العراق بشكل أساسي على حشد أبناء العشائر السنية ودمجهم ضمن صفوف الجيش النظامي.

لكن تقارير عسكرية أميركية كشفت مؤخرا أن التنظيمات الجهادية تعمل منذ عام 2009 وفق استراتيجية محددة تهدف إلى تصفية زعماء العشائر الأكثر تأثيرا في محيطهم الاجتماعي والقبلي، والأكثر تجاوبا في ذات الوقت مع التحركات الأميركية في شمال العراق، وهو ما وضع عراقيل جمة في طريق تحقيق تلك التحركات لأهدافها.

ولاحظ الكاتب الأميركي ديفيد أغناتيوس، في مقال نشرته صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية أمس، أن الصحوات، التي تسعى الولايات المتحدة إلى تأسيس قوات مشابهة لها تحت اسم “الحرس الوطني” عقب نجاحها في تصفية وجود تنظيم القاعدة في المناطق السنية في العراق بين عامي 2007 و2008، تواجه نهجا منتظما من قبل داعش لتدميرها أو تحييدها عن الصراع على أقل تقدير.

سياسة “الجهاديين” المستمرة تجاه العشائر السنية عكست فشل الإدارة الأميركية في تقدير إمكانيات تنظيم داعش الحقيقية، كما اعترف جيمس كلابر، مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية، في سبتمبر الماضي.

لكن على الرغم من مسحة الندم والاعتراف بالخطأ التي ظهرت ضمن تصريحات كلابر، يبدو أن الأميركيين في طريقهم للوقوع في ذات الخطأ. فواشنطن، كما يقول أغناتيوس، تعتقد أن إزاحة نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي السابق الذي تبنى سياسات معادية وطائفية تجاه العشائر السنية، عن سدة الحكم في بغداد كان كافيا لإعادة بناء شبكات الحشد والاستعداد لقتال داعش بين تلك العشائر مرة أخرى. ويقول مراقبون إن ذلك قد يكون صحيحا في جانب منه، لكن محاربة التطرف ليست بالأمر السهل، وإنما تتطلب “تسلق جبال وعرة في أجواء ممطرة”.

ونشر كريغ وايتسايد، الضابط الأميركي السابق في العراق والمحاضر في الكلية البحرية الأميركية، بحثا يظهر أن ألفا و345 من عناصر الصحوة على الأقل قتلوا بواسطة تنظيم داعش أو التنظيمات الجهادية التي سبقته منذ عام 2009. وأضاف، في البحث الذي نشرته مؤخرا مدونة عسكرية تحمل اسم “الحرب على الصخور”، أنه في المناطق السنية التي لم يكن للحكومة العراقية سيطرة كاملة عليها “لم يحتج الجهاديون وقتا طويلا لتصفية تلك العناصر الواحد تلو الآخر بإصرار وبشكل منهجي”.

ونقل أغناتيوس عن البحث الذي نشره وايتسايد أنه بين عامي 2009 و2013 قتل 46 من عناصر قوات الصحوة في مدينة جرف الصخر الاستراتيجية جنوبي بغداد في 27 حادثة منفصلة، كان من بينهم أربعة شيوخ من عشيرة “جنابي” المحلية، إلى جانب حوادث مماثلة شهدتها المناطق السنية العراقية لم تنتبه الحكومة أو وسائل الإعلام العراقية إلى المغزى من ورائها.

ويشير وايتسايد إلى الفيديو الشهير الذي أطلقه تنظيم داعش بعنوان “صليل الصوارم” والذي يوثق فيه التنظيم للاغتيالات التي قام بها ضد عناصر الصحوات.

1000 من عناصر الصحوات على الأقل قتلوا بواسطة داعش أو التنظيمات الجهادية التي سبقته منذ عام 2009

ويظهر في الشريط المصور استهداف المتشددين سيارات ومارّين معينين، ما يوضح أن هناك عملا “استخباريا” دقيقا تم قبل تنفيذ العمليات. وعلى ما يبدو فإن الحكومة العراقية لم تكن هي الوحيدة التي فشلت في تجميع خيوط استراتيجية داعش، فالمحللون الأميركيون أخفقوا هم أيضا في ذلك.

فقد جاء اقتحام مجموعة من السجون العراقية، على رأسها سجن أبو غريب الذي فر منه أكثر من 500 من القيادات الجهادية بعد اقتحامه في شهر يوليو من العام الماضي، ليكلل هذه الاستراتيجية طويلة الأمد لحصار الصحوات وهو ما لم يفهمه الأميركيون وقتها.

ومن بين القادة الذين تمكن التنظيم المتشدد من إطلاق سراحهم في سجن أبو غريب شخص يدعى أبو وهيب أضحى فيما بعد قائد عمليات التنظيم في الأنبار، والمسؤول عن سلسلة الاغتيالات التي جرت هناك.

لكن العشائر تنحو باللائمة على الحكومة في بغداد، فالبطء والتردد اللذان يهيمنان على تصرفات الحكومة العراقية تجاه العشائر السنية كان له بالغ الأثر في قرارات بالامتناع عن دعم القوات النظامية لتلك العشائر في مناطقها.

وظهر التردد الحكومي بشكل جلي تجاه عشيرة البونمر التي قتل المئات من أبنائها بعد تراخي الحكومة في تزويد العشيرة بالأسلحة والرجال للتصدي لتنظيم الدولة الإسلامية. لكن العشائر تعول على الوجود الأميركي في العراق مجددا. وفي هذا الصدد يقول الشيخ زيدان الجبوري، أحد شيوخ العشائر السنية إنهم يتطلعون إلى “بناء استراتيجية شراكة مع الولايات المتحدة”.

ورغم تقبل العشائر لفكرة إعادة سيناريو “الصحوات” القديم مرة أخرى في مواجهة داعش، مازال الارتباك يهيمن على الاستراتيجية الأميركية في المناطق السنية، حيث تصب الإدارة الاميركية تركيزها على الضربات الجوية فقط من دون أن يكون لمستشاريها العسكريين السبق فيما يحدث على الأرض.

الأمر الذي يتناقض والتصريحات المعلنة لمسؤولي الإدارة الأميركية على غرار قائد هيئة الأركان مارتن ديمبسي الذي أكد أن مستشارين عسكريين سيرافقون القوات العراقية في المناطق التي تشهد قتالا أكثر شراسة بينها وبين تنظيم داعش.

3