داعش يغير تكتيكاته تمهيدا لإقامة إمارة في وسط أفريقيا

تنظيم داعش يعمل على تأسيس أرضية مجتمعية وتوسيع محيط الموالين له بغرض تدعيم قدرته على البقاء لفترة زمنية أطول كتمهيد لإعلان ولايته الجديدة.
الثلاثاء 2020/04/14
تعقب آثار داعش مهمة معقدة

بات الإعلان عن التأسيس الفعلي لولاية وسط أفريقيا وشيكا، بعد أن أظهرت عمليات فرع داعش في موزمبيق مؤخرا تحولا لافتا عكس رغبة التنظيم في تحييد السكان وكسب ولائهم، وهو ما يتماشى مع رغبة الجماعة المتطرفة في استغلال وباء كورونا وتوظيفه مع انشغال العالم عن خطط مكافحة الإرهاب مؤقتا.

القاهرة- بدأ تنظيم داعش في تغيير تكتيكاته ليتأقلم مع الظروف التي يمر بها العالم تمهيدا لإعلان ولاية وسط أفريقيا بعد إحكام قبضته على مناطق بعيدة عن قواعده التقليدية، في ظل انشغال القوى الكبرى بمقاومة وباء كورونا بدلا من مكافحة الإرهاب.

وظهرت الاستراتيجية أثناء هجوم جماعة على مدينة موكيمبوا دي برايا في مقاطعة كابو ديلغادو، شمال موزمبيق، والميناء الاستراتيجي الصغير كيسانغا، في مارس الماضي.

وتختلف عملية الجماعة عن كل الهجمات السابقة للتنظيم بعد إعلانه مبايعة داعش مطلع يونيو 2018 أو قبل ذلك في الفترة ما بين 2012 و2017 التي اشتركت جميعها في عنوان بارز وهو الوحشية والدموية.

وتخلى داعش في موزمبيق عن أهم سماته وعمد لتحييد السكان خلال استهدافه المباني الحكومية وقوات الأمن. وأظهرت فيديوهات العملية الأخيرة حرص المهاجمين على توزيع الطعام والسلع المنهوبة على سكان المدينتين بعد تأمين حاجتهم من المواد الغذائية والأسلحة قبل المغادرة.

ويؤشر هذا الأسلوب إلى أن التنظيم بحاجة إلى تأسيس أرضية مجتمعية وتوسيع محيط الموالين له بغرض تدعيم قدرته على البقاء لفترة زمنية أطول كتمهيد لإعلان ولايته الجديدة.

فرع داعش في موزمبيق يسعى لاحتلال البلدات الشمالية
فرع داعش في موزمبيق يسعى لاحتلال البلدات الشمالية

وأسهمت حالة الرفض في أوساط المسلمين ووقوف التيار الصوفي والعديد من المنظمات الإسلامية بجانب الدولة والجيش الموزمبيقي لمواجهة داعش، في فشل التنظيم في ترجمة هجماته إلى نفوذ دائم على الأرض، مكتفيًا خلال الفترة الماضية بالاعتداءات الخاطفة التي تضمنت السطو على الأسلحة والمعدات العسكرية.

وأعاقت ممارسات الجماعة التي تحمل عنوانا محليا هو “أهل السنة والجماعة” خلال الأعوام الماضية، مساعي داعش الرامية للسيطرة على مساحات واسعة من موزمبيق والكونغو الديمقراطية والتمدد داخل الدول المجاورة.

ويرجع التغير في أساليب التنظيم إلى رغبة قادة داعش في محو الانطباع الذي خلفته الممارسات الوحشية للتنظيمات المحلية التي أعلنت لاحقًا مبايعته.

وأدى تسلل فكر داعش وتقليد جماعة بوكو حرام في نيجيريا، إلى التوسع في عمليات حرق الممتلكات والخطف واستغلال الرهائن لطلب الفدية، علاوة على سرقة الطعام وقطع رؤوس المواطنين.

واعتمدت الجماعة المتطرفة الناشطة في موزمبيق وتطلق على نفسها اسم “الشباب”، في محاولة لمحاكاة حرب الشباب الصومالية، على توسيع نطاق العنف الذي راح ضحيته مئات من المدنيين طوال السنوات الماضية، والقيام بهجمات مفاجئة على القرى والمدن خاصة في شمال موزمبيق.

ويسير تكتيك داعش في منطقة وسط أفريقيا عكس استراتيجيته القديمة في مناطق أخرى، فهو يلجأ إلى تدمير وحرق المباني الحكومية واقتحام البنوك مع الحرص على الاستيلاء على أسلحة ومعدات حربية دون المساس بالممتلكات الخاصة أو قتل المدنيين. وقرر داعش في وسط أفريقيا الانتقال من مرحلة تنفيذ هجمات خاطفة وإعلان مسؤوليته عنها إلى مرحلة احتلال بلدات ولو لوقت قصير ومؤقت بغرض إظهار قوته على الأقل على طول المنطقة الساحلية في شمالي موزمبيق.

ويريد التنظيم الخروج من حيز معسكرات التدريب بمنطقة كابو دلغادو والتمركز في مدن استراتيجية، وهذا يتطلب زيادة عدد أعضائه، فقوته لا تزال محدودة بالمقارنة مع حجم أعضاء فرع التنظيم في غرب أفريقيا.

ويبلغ العدد الضئيل لأعضاء الحركة نحو ألفي مقاتل، وغير مرشح للزيادة إذا ركز التنظيم دعايته على مسلمي موزمبيق، مستغلًا التهميش والأوضاع المتدنية التي يعانون منها، فهو يدرك أنه لن يحقق تقدما كميا وكيفيا وسط أقلية تدين بالإسلام، لا تزيد عن عشرين في المئة من إجمالي السكان البالغ حوالي 30 مليون نسمة.

التنظيمات الإرهابية توسع في عمليات حرق الممتلكات والخطف واستغلال الرهائن لطلب الفدية
التنظيمات الإرهابية توسع في عمليات حرق الممتلكات والخطف واستغلال الرهائن لطلب الفدية

وزادت ممارسات داعش من معاناة الأقلية المسلمة التي تشكو محدودية المشاركة في الوظائف الحكومية وتدني الخدمات الصحية والتعليمية، وأدى توحش التنظيم إلى الحد من الحريات الدينية وتزايد التوترات بين الدولة وبقية المسلمين وغلق العديد من المساجد التي استخدمها المتطرفون للترويج لأفكارهم.

ويكمن سر عدم تبني داعش في موزمبيق لروايته المعتادة بشأن مظالم المسلمين واضطهادهم كونهم لا يمثلون قوة اقتصادية يعتد بها، إذ يقتصر نشاطهم على صيد الأسماك والزراعة ومناجم الفحم والماس واليورانيوم.

ولذلك يحاول التنظيم توجيه رسائل للفئات ذات النفوذ المالي تفيد قدرته على السيطرة على مناطق استراتيجية، خاصة في المقاطعات الغنية التي تتمتع باحتياطات ضخمة من النفط والغاز وتضم غالبية المحافظات الشمالية.

كما يراهن على تحقيق نفوذ اقتصادي يمكنه من الوصول لأهدافه، التي عجزت عن نيلها فروع أخرى بممارساتها تحت ستار منهجها الديني التكفيري.

ويرجع تشدد التنظيم في رفضه الاعتراف بالدولة، تحت زعم الدعوة إلى فرض الشريعة الإسلامية، قسرا إلى رغبته في الترويج لنفسه كبديل في ضوء عجز الحكومة عن تبني مشروعات تنموية في الإقليم الشمالي الغني بالغاز، ما ترتب عليه تراجع مستويات الاستثمارات الأجنبية فيه.

وترمي مساعي فرع داعش في موزمبيق لاحتلال البلدات الشمالية مثل تمبولا وزمبزيا ونياسا إلى السيطرة على مصادر الثروة الرئيسية في البلاد، ومن شأن ذلك فتح شهية أذرعه في أفريقيا لمؤازرته، ما يعني تسريع تسمية أمير لولاية وسط أفريقيا، وسيؤدي لتأجيج الصراع المسلح بشمال البلاد.

جماعة الشباب الموزمبيقية تحاول تبديد الانطباع الذي خلفته الممارسات الوحشية للفروع المحلية لداعش في القارة

في المقابل، لن يفوت تنظيم القاعدة الفرصة دون الاستفادة منها في ظل علاقات المصالح التي جمعته بحركة السنة والجماعة في موزمبيق دون وجود رابط تنظيمي وفكري بينهما، حيث ترجع تسمية الشباب لفرع داعش بوسط أفريقيا لتدريب قادة حركة الشباب الصومالية لمقاتليه في بدايات تأسيسه.

ويفتح هذا التداخل في المصالح والأفكار والتحالفات بين داعش والقاعدة الباب مستقبلا أمام نزاعات في اتجاهات عديدة، في مقدمتها الصراع بين التنظيمين الجهاديين الرئيسيين للسيطرة على مصادر الثروة وكسب ولاء السكان.

ويعكس سلوك داعش بوسط أفريقيا تجاه المدنيين حرصه على بناء قواعد جماهيرية داخل موزمبيق، بالنظر إلى التنافس الجاري في عموم القارة بين التنظيمات الجهادية على التمدد وسط المهمشين من سوء الإدارة الحكومية.

ويظل تقويض نشاط تنظيم القاعدة في أفريقيا أحد الأهداف الرئيسية التي يحرص داعش على تحقيقها، من هنا يتجه إلى رفع مستوى عملياته الإرهابية، ومزاحمة تنظيم القاعدة في أنشطته عبر مراجعة أدائه القتالي وتكريس نفوذه المجتمعي وكسب تعاطف السكان المحليين، والتوسع في تأسيس الفروع والولايات.

5