داعش يلعب ورقة القضية الفلسطينية

تنظيم داعش يسعى إلى تعويض تراجع حضوره في معاقله الرئيسية في سوريا والعراق بطرح اسمه كطرف جهادي فاعل في القضايا الإقليمية الكبرى.
الأربعاء 2020/01/29
ضرب إسرائيل دعاية للتجنيد

القاهرة- يكابد تنظيم داعش في الوقت الراهن لإجراء عملية إعادة هيكلة لتنظيم صفوفه بعد تلقيه هزائم كبرى في منطقة الشرق الأوسط وتحديدا في سوريا والعراق.

وتلقّف التنظيم الإرهابي مؤخرا الجدل الدائر حول صفقة القرن الأميركية ليروّج لنفسه في الأوساط الجهادية بأنه تنظيم مرتبط بالقضايا الإقليمية الجاذبة، رغم أنه من المعلوم أن القضية الفلسطينية تأتي في مرتبة متأخرة في اهتمام وتفاعل طيف الإسلام السياسي والجهادي.

وتكاد القضية الفلسطينية تكون غائبة تماما عن الخطاب السياسي والإعلامي لداعش. لكن التنظيم كغيره من التنظيمات المحسوبة على الإسلاميين بات اليوم يفتعلو المواجهات والدخول على خطوط مثيرة تضعه تحت الأضواء.

ودفع تراجع تنظيم داعش بعد هزائمه ومقتل زعيمه أبوبكر البغداي، نحو القفز على ملف حيوي يثير الشجون لدى الشباب في العالم الإسلامي، خاصة مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تفاصيل صفقة القرن، من خلال حض الجماعات المنتمية إليه بالتركيز على شن هجمات ضد إسرائيل، في محاولة من قبل قيادة التنظيم لاستغلال الغضب الفلسطيني من الصفقة بهدف كسب مؤيدين جددا.

وبثت حسابات تابعة للتنظيم على تليغرام مؤخرا كلمة صوتية للمتحدث الجديد باسمه أبوحمزة القرشي، معلنًا ما أسماه بدء مرحلة جديدة من النضال ضد إسرائيل، مكررًا في كلمته ذكر “الطريق إلى بيت المقدس”، ومشددًا على أن عمليات التنظيم في شتى أنحاء العالم ما هي إلا خطوات على طريق التوجه للقتال في فلسطين.

خليفة البغدادي يعلن في تسجيل صوتي ما سماه البدء في مرحلة جديدة تستهدف إسرائيل

ويعد هذا التسجيل الأول للزعيم الجديد لداعش وتجاوزت مدته 37 دقيقة، وتضمن هجومًا على الولايات المتحدة وحركة حماس والميليشيات العراقية الشيعية وجماعة الإخوان والأكراد، ومن أسماهم بالمرتدين من أبناء العشائر العراقية، مادحًا ما وصفه بنضال ومقاومة التنظيم وملاحمه خلال الاحتلال الأميركي للعراق، في إشارة تنطوي على استعداد للتضحية من أجل فلسطين.

ويسعى داعش لتعويض ضعف آليات التجنيد والاستقطاب لديه وتراجع حضوره في معاقله الرئيسية في سوريا والعراق، وإلى استعادة زخمه في هذه الساحات، مغازلًا مشاعر شرائح من المتعاطفين مع القضية الفلسطينية والرافضين لصفقة القرن الأميركية.

لم تحمل كلمة القرشي إعلانًا جديًا ينذر بتحول حقيقي في استراتيجيات التنظيم خلال المرحلة المقبلة، وهي من المرات النادرة التي يهدد فيها داعش بتنفيذ عمليات ضد إسرائيل، لكنها تنطوي على محاولات يقوم بها التنظيم لامتلاك أوراق دعائية ينافس بها خصومه على الساحة الجهادية، وفي مقدمتهم تنظيم القاعدة.

ويحرص داعش الذي تعرض لانتقادات من الجماعات والفصائل الأخرى داخل طيف السلفية الجهادية حول عدم قيامه بتنفيذ هجمات في الداخل الإسرائيلي، على طرح اسمه كطرف جهادي فاعل في القضايا الإقليمية الكبرى التي تهم العالم الإسلامي وكجبهة للتصدّي في وجه مشاريع القوى الغربية.

وقال كمال حبيب، الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، إن تنظيم داعش يوظف صفقة القرن لإعادة تسويق نفسه كتيار يدافع عن القضية الفلسطينية التي تعتبر الأهم بالنسبة للمسلمين والعرب، والتغلب على الصورة الذهنية التي ارتبطت به كتنظيم إرهابي متطرف.

وأضاف، لـ”العرب”، أن صفقة القرن بمثابة قبلة حياة انتظرها التنظيم لإعادة استقطاب المزيد من الأتباع ومخاطبة قطاع الشباب الذي يمثل شريحة كبيرة في غالبية الدول العربية، عبر استغلال الانحياز الأميركي الكامل ضد الفلسطينيين والالتفاف على حقوقهم، مكررا الأسلوب الذي اتبعته جميع التنظيمات المتطرفة.

جاء إصدار داعش الصوتي عقب إصدار مماثل لهيئة تحرير الشام، وهي الكيان الجهادي الأكبر المتبقي في سوريا، التي لا تزال تواصل حملة “انفروا خفافًا وثقالًا” لتحفيز مقاتليها ومنع الانشقاقات داخلها، مؤكدة على عنوان المرحلة المقبلة الذي حدده لها أبومحمد الجولاني عشية عيد الميلاد، وهو القتال ضد روسيا مذكرًا بانتصارات الجهاديين التي أحرزت في مواجهة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، بما لها من سردية رمزية في الأدبيات الجهادية.

يحرص التنظيم عبر قيادته الجديدة على إثبات نفسه في الساحتين العراقية والسورية، ومد بصره إلى ساحات أخرى في ليبيا والصومال ودول أفريقية عديدة، عبر تعاطيه في إصداراته مع ملفات وقضايا كبرى على غرار الفصائل الموالية للقاعدة، بهدف امتصاص صدمة هزيمته وتراجع حضوره في المنطقة العربية، وإظهار نفسه كمناوئ للقوى الكبرى وخططها.

ويحاول داعش استعادة بريقه في هذا المضمار، فإذا كان تنظيم القاعدة يحرص على تقديم نفسه كمناضل ضد الروس، فهو يريد أن يكتسب أرضا سياسية جديدة من خلال طرح اسمه كمكافح في مواجهة مشاريع أميركا وإسرائيل.

وحرص التنظيم على التقليل من تأثير هزيمته مستفيدا من التطورات بشأن التوتر في العلاقات الأميركية الإيرانية، على خلفية استهداف مصالح واشنطن في العراق واغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني، وروّج لاستفادته من انشغال أعدائه بأنفسهم عنه في كل مكان غير مبالين بآثار حروبهم البينية على حربهم المشتركة ضد الدولة الإسلامية.

وفي سياق خطته الدعائية يمكن فهم تهديده باستهداف إسرائيل، بذريعة استرداد المقدسات وتحرير الأراضي المغتصبة، كمحاولة لوقف استنزاف موارده البشرية لصالح تنظيمات جهادية منافسة.

يمكن فهم هذه المعطيات مع اعتياد داعش على طرح نفسه كبديل عن قوى إسلامية جهادية في ساحات مختلفة في العالم. حيث يطرح التنظيم نفسه في أفريقيا كبديل عن القاعدة، وفي أفغانستان كبديل عن طالبان بعد انخراطها في مفاوضات مع واشنطن. وهكذا يحرص التنظيم على أن يكون بديلا عن تنظيمات أخرى يراها مناهضة له، وقادرة على التأثير في حضوره ولو كان محدودا.

يحرص التنظيم عبر قيادته الجديدة على إثبات نفسه في الساحتين العراقية والسورية
يحرص التنظيم عبر قيادته الجديدة على إثبات نفسه في الساحتين العراقية والسورية

واختار داعش ساحة إسرائيل، في إشارة إلى أنه سيحل محل المقاومة الفلسطينية التي تراجع دورها، ولم تعد في مقدمة الصفوف التي تحارب إسرائيل. وهي الثغرة التي يمكن أن تسبب له متاعب، خاصة إذا جرى الاعتماد على فلوله في قطاع غزة، أو فكر في توسيع نطاق التجنيد في الضفة الغربية.

ويثير هذا التطور تساؤلات مهمة تتعلق بما تردد من قبل بشأن تلقي مئات من جرحى التنظيم في سوريا علاجهم داخل إسرائيل منذ عامين، بما يعني أن العلاقة بها تفاهمات خفية، ويحصر ما أعلن عن استهداف في إطار الحرب الكلامية وجذب الانتباه، والترويج بأن التنظيم قادر على تجديد دمائه وخططه أيضا.

وأوضح كمال حبيب في هذا الصدد بأن التنظيم يحاول استغلال الضعف العربي وتقديم نفسه كمدافع عن القضية الفلسطينية، وربما يحاول استهداف إسرائيل عبر جبهات عديدة بداية من جنوب الأردن الذي يضم بعض القبائل السلفية الجهادية، والحدود السورية من الجولان، وكذلك قطاع غزة الذي يضم تيارا جهاديا حاول استهداف إسرائيل أكثر من مرة عبر طرق بدائية.

ووجهت محكمة أمن الدولة الأردنية، مؤخرا، تهمة “الإرهاب” لأردني طعن ثمانية أشخاص بينهم أربعة أجانب في نوفمبر الماضي في مدينة جرش الأثرية، بعدما تبين أنه “يعتنق فكر عصابة داعش الإرهابية” وكان ينوي الالتحاق بالتنظيم وعلى تواصل مع عناصره في سوريا بهدف الثأر لمقتل زعيمه أبوبكر البغدادي في تلك الفترة.

وأشار حبيب، إلى أن التنظيم لديه مخزون جيد من الموارد الاقتصادية، من عائدات النفط التي باعها في أوقات سابقة لتركيا والذهب الذي استولى عليه من بنوك الموصل العراقية، ما يجعله قادرا على الاستقطاب والتجنيد وعدم استبعاد تنفيذ تهديداته بشن عمليات تطال إسرائيل.

6