داعش ينقل حربه في العراق من جبهات القتال إلى داخل المدن

هجمات داعش على المدن والتجمعات السكانية بالعراق تتحوّل إلى معضلة لحكومة بغداد منذرة بدخول مرحلة جديدة من عدم الاستقرار في البلد وبالمزيد من الاضطراب والتوتّر مع تحول تنظيم داعش من حرب الجبهات الهادفة إلى احتلال الأراضي والاحتفاظ بها إلى حرب العصابات والهجمات الخاطفة والتفجيرات الانتحارية.
السبت 2016/07/09
اللهم أنقذ العراق

بغداد - جاء الهجوم على مرقد شيعي بمحافظة صلاح الدين العراقية، أياما قليلة بعد تفجير كان هز حي الكرادة بالعاصمة بغداد مخلّفا المئات من الضحايا بين قتلى وجرحى، ليبرز دخول حرب داعش بالعراق مرحلة جديدة يستبدل فيها التنظيم المتشدّد السيطرة على الأراضي بالهجمات الخاطفة والتفخيخ والتفجيرات الانتحارية، لإيقاع أكبـر قـدر ممكن من الخسائر البشرية والمـادية.

وقتل قرابة الخمسين شخصا وأصيب أكثر من تسعين آخرين بجروح في هجوم على مرقد شيعي في قضاء بلد الواقع بمحافظة صلاح الدين على بعد حوالي ستين كيلومترا شمال العاصمة بغداد.

وتبنى تنظيم داعش الهجوم الذي استهدف قبيل منتصف ليلة الجمعة مرقد محمد ابن الإمام الهادي المعروف بـ”سبع الدجيل”.

وقالت وكالة “أعماق” التي تنقل أخبار التنظيم إنّ “خمسة انغماسيين من الدولة الإسلامية هاجموا تجمعا للحشد الشيعي” عند المرقد المذكور.

وذكرت الوكالة أن الانغماسيين “أطلقوا النار على التجمع، فاستقدمت الميليشيات الشيعية تعزيزات عسكرية واندلعت مواجهات عنيفة انتهت بتفجير الانغماسيين لأحزمتهم الناسفة”.

ومن جهتها قالت قيادة العمليات العسكرية المشتركة بالقوات العراقية في بيان إن قصفا بقذائف الهاون استهدف المرقد الشيعي، تلاه اقتحام مجموعة من المسلحين الانتحاريين للمرقد.

وأضاف البيان أن اثنين من الانتحاريين فجرا نفسيهما في سوق تجاري قريب من المرقد، في حين تم قتل الانتحاري الثالث وتفكيك حزامه الناسف.

ووقع الهجوم بعد خمسة أيام على المجزرة التي وقعت في بغداد فجر الأحد الماضي حيث تم تفجير عربة في شارع مكتظ بحي الكرادة عشية عيد الفطر، ما تسبب بمقتل حوالي 300 شخص.

وبالنظر إلى العدد الكبير للضحايا الذين سقطوا في ظرف أقل من أسبوع في تفجيرات الكرادة وبلد، تبدو الحلقة الجديدة من حرب داعش في العراق شديدة الدموية وبالغة الضرر للمدنيين خصوصا.

وبالتوازي مع ذلك ينذر العجز الحكومي عن التصدّي لهجمات داعش على المدن والتجمعات السكانية، بتواصل مرحلة عدم الاستقرار في العراق، حتى في حالة استكمال حرب الجبهات ضد التنظيم بإنهاء سيطرته بشكل كامل على المناطق العراقية، بما في ذلك مدينة الموصل المعقل الكبير الباقي له بشمال البلاد.

وتأتي هذه المرحلة بعد الانحسار الكبير لرقعة سيطرة داعش داخل الأراضي العراقية بطرد مقاتليه من مناطق بمحافظة بابل في جنوب بغداد، ثم من محافظة ديالى وصلاح الدين بشمالها، ثم من مناطق بمحافظة الأنبار بغرب العراق على رأسها مدينة الرمادي مركز المحافظة، وأخيرا مدينة الفلّوجة التي كان التنظيم يستثمر رمزيتها الدينية ليجعل منها معقلا كبيرا له.

الحرب على داعش في العراق لا تحسم على الميدان فحسب، لكن أيضا بالإصلاح السياسي والمصالحة بين مكونات المجتمع

ومع تقدّم الحرب على التنظيم في العراق والتي تشترك فيها القوات النظامية العراقية مع الميليشيات الشيعية المشكّلة للحشد الشعبي، وتدور بغطاء جوي من طائرات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، لم تعد السيطرة على الأراضي هدفا واقعيا للتنظيم الذي يستند إلى بضعة آلاف من المقاتلين المعبّئين عقائديا ودينيا، والمشحونين طائفيا، ومن ثم تغدو حرب العصابات والهجمات الخاطفة والتفجيرات أجدى بالنسبة إليه في تحقيق جملة من الأهداف، على رأسها منع تحقيق الاستقرار الأمني في البلاد، والذي يرتبط به التعافي الاقتصادي والاستقرار السياسي.

ويرى مراقبون أنّ مثل هذه العمليات الدموية التي شهدتها الكرادة وبلد ستتواتر في العراق، على قدر التقدّم في الحرب على تنظيم داعش وانحسار سيطرته الميدانية على مناطق البلاد، نظرا لأنّ التنظيم ما يزال يجد حاضنة له في صفوف الناقمين على السياسات الطائفية وفي أوساط المتضرّرين الكثر من تلك السياسات التي يدار بها العراق تحت حكم الأحزاب الشيعية.

وبحسب مختصين بالشؤون الأمنية، فإن تنظيم داعش يستطيع مواصلة زعزعة الاستقرار في العراق لسنوات طويلة مستفيدا من خبرات ومقدرات بشرية ومادية تمكن من تحصيلها خلال الحرب وتعد أكثر تطورا مما كان متاحا لتنظيم القاعدة.

وقالت صحيفة الديلي تليغراف البريطانية في عددها الصادر الجمعة إن وزارة الدفاع الأميركية، البنتاغون، أعلنت أن مقاتلي تنظيم داعش تمكنوا من شراء طائرات مسيرة تجارية من الأنواع التي يتم بيعها في الأسواق وهي مزودة بكاميرات للبث التلفزيوني الحي ويقومون بتحميل بعضها بمتفجرات واستخدامها في هجماتهم ضد القوات العراقية.

كما أشار البنتاغون، وفق ذات الصحيفة، إلى أن التنظيم يستخدم الطائرات المسيرة والتي لا يمكن تتبعها بواسطة أجهزة الرصد والرادار في التجسس ورصد الأهداف التي يمكن استهدافها وتحديد مواقعها بدقة، كما أنه يستخدمها أيضا لإرشاد المدفعية والسيارات المفخخة في حال رصد أي أهداف ذات قيمة.

وبالإضافة إلى الوسائل المادية التي غدت بيد داعش، فإن التنظيم بصدد الاستثمار من ناحية في ضعف الدولة العراقية وارتباك الحكومة التي تدير شؤونها، وفي ارتفاع منسوب العداء الطائفي الناجم عن السياسات المتبعة في البلاد منذ سنة 2003 والنظام القائم على المحاصصة العرقية والطائفية وتقوده أحزاب شيعية.

ويدفع هذا العامل المختصين بالشؤون العراقية إلى القول إن الحرب على داعش في العراق لا تحسم على الميدان فحسب، لكن أيضا بالإصلاح السياسي ومصالحة فئات المجتمع ومختلف مكوناته.

3