داعمون ورافضون عرب لمصر

انتهت الصورة النمطية التي كوّنها البعض من العرب عن مصر سلبا أو إيجابا هناك تحولات جرت في المشهد العام، البعض يعتبرها تميل إلى خسارة الموروث المعنوي لهذه الدولة وفقدان مركزيتها.
الاثنين 2020/07/27
القوة المصرية رصيد يمكن الارتكان عليه عربيا

داعمون ورافضون، أو العكس، مفردتان خرجتا من جوهر نقاشات متعددة تدور على مواقع التواصل الاجتماعي وكتابات صحافية وبرامج تلفزيونية، تعبران عن جوهر ما يعتمل على الساحة العربية من سجالات حيال ما يجري في ومع مصر من مواقف عصيبة، أوجبت تقسيما من السهل ملاحظته عند تتبع التوجهات التي ينطلق منها من دخلوا في حوارات متتابعة بحسن أو سوء نية.

أدى تسليط الأضواء على مصر بسبب الأزمات الإقليمية التي تواجهها إلى وجود ما يشبه الفرز العربي، حيث انحازت فئة لتأييد الموقف الرسمي للقاهرة من الأزمة الليبية بكل تعقيداتها، ورفضت أخرى التوجهات الرامية للتدخل العسكري وشككت في أهدافه، ودار أخذ ورد طويلين حول آليات التعامل مع أزمة سد النهضة، وجرى التركيز على الإخفاقات التي أدت إلى هذه النتيجة السلبية أكثر من غيرها.

يتحكم الموقف السياسي، مع أو ضد، في جزء معتبر من التقييم العام، ويلعب البعد التاريخي دورا مهما في تحديد البوصلة، كما يسهم المنحى الأيديولوجي بجانب واضح، وهي تصنيفات مبدئية يمكن من خلالها تلمس أين يقف الشخص، وما هو انطباعه عما يجري في مصر، لأنه مثل بعض الدول يتأثر بمجموعة من المحددات التي يصعب تغييرها مهما كانت الصورة جلية أمام صاحبها.

هذا ليس حديثا للتصنيف أو محاسبة لأحد، أو استقطابا ونفيا لآخرين في الداخل والخارج، لكن لمن يريد التعرف على الواقع المصري من الواجب عدم حصره في الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان وكفى، وكلها ضرورية ومعطوبة الآن في مصر، فالتطورات التي تمر بها المنطقة وما لحق ببعض الدول من انتكاسات جعل هذا التصنيف لا يحتل أولوية لدى شريحة كبيرة من المصريين، إذا اعتبرنا هؤلاء الترمومتر أو المحرار الذي تقاس به نسبة الرضا والغضب.

انتبه النظام المصري إلى هذه القضية مبكرا، ولم يعبأ بالضغوط التي مورست عليه لاتخاذ خطوات جادة للإصلاح السياسي، ومضى في الطريق الذي رسمه لنفسه، والذي يقوم على توفير الأمن والاستقرار والحفاظ على وحدة الدولة والابتعاد عن مصير دول مجاورة تعاني من تآكل هياكلها الرئيسية، والحض على تكاتف الجبهة الداخلية وتحسين الأوضاع المعيشية ومنح الأمل في المستقبل، وحقق تقدما لافتا على هذه الجبهات وبنسب متفاوتة، ما وفر له جرأة في التخلي عن حذره السابق.

يقاس عمق النجاح أو الفشل بالمردود السلبي للجهود التي بذلت لتكسير عظام المصريين، حيث تعرضت الدولة على مدار السنوات الماضية لأكبر حملة تشهير سياسي وأمني واقتصادي واجتماعي، لم تستطع النيل منها تماما أو من نظامها الحاكم، ليس لوجود قوة خارقة تحميها، لكن بسبب القدرة على استيعاب دروس مراحل غابرة تحمّلت الدولة فيها تكاليف باهظة.

ربما تختلف الجهات والقضايا والتوقيتات والأماكن، غير أن التحديات تكاد تكون متقاربة، وأسهم القياس على هذه المنظومة والاستفادة من عبرها في تجاوز عقبات كثيرة. لذلك عندما يقف المراقب أو المتابع العربي عليه أن ينظر إلى الحالة المصرية بشكل محايد، ولا يكون متأثرا بدعاية نشطة ومغرضة، ففي النهاية القوة المصرية رصيد يمكن الارتكان عليه عربيا.

فاجأني أكاديمي جزائري بحديث عن مصر وكأنها تعيش على بركان من الغضب القاتل ضد قرار التدخل العسكري في ليبيا، وسوف تنهار على الفور إذا أقدمت على هذه الخطوة، وتواجه ثورة عارمة في الشارع، ولا يدري أن هذا الموقف عزز الالتفاف خلف القيادة السياسية، لأن  الشعوب تطرب للحرب أكثر من السلام.

كنت أتفهم دوافعه لو أنه ينتمي إلى تنظيم الإخوان، لكنه يعتبر نفسه مثقفا تنويريا ومستقلا، ما جعلني أهتم بكلامه الذي حصر أي تدخل مصري محتمل في نصرة المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي، والرغبة في تصعيد طبقة عسكرية للحكم في طرابلس، والتخلص من واحة الحرية التي تنعم فيها ليبيا حاليا.

أعلنت القاهرة أكثر من مرة أهمية الحفاظ على المؤسسة العسكرية النظامية في كل الدول العربية، وفسرت منطقها لدورها في منع انهيار الدول، طالما كانت عقيدتها تستند على منطلقات وطنية، وتأييد المشير حفتر أو أي قائد عسكري وطني ليس خافيا، كما أنه لا يبرر وأد الحريات أو دفن الديمقراطية.

لم ينتبه الرجل لآلاف المرتزقة والإرهابيين الذين تزج بهم تركيا، وتغافل عن العصابات المسلحة التي تتحكم في مفاصل القرار السياسي لحكومة الوفاق، وتجاهل كل ما يندرج تحت بند تهديد الأمن القومي المصري وحصر رؤيته في زاوية ضيقة، وسعى إلى تحريض المواطنين على قيادتهم دون أن يلتفت إلى طبيعة التغير الحاصل في أجندة الأولويات.

انتهت الصورة النمطية التي كونها البعض من الأشقاء العرب عن مصر، سلبا أو إيجابا، فهناك تحولات كبيرة جرت في المشهد العام، البعض يعتبرونها تميل إلى خسارة الموروث المعنوي لهذه الدولة وفقدان مركزيتها، وكلما خطت خطوة في مجال الأمن أو ما يوصف بـ”العسكرة” في أدبيات غربية تراجعت خطوات في الحريات.

والبعض الآخر يرى أن الواقع يفرض طقوسه لتبني سياسات قادت إلى تغير في ترتيب المصفوفة السياسية، ما جعل الأمن يتقدم على الحرية، وتخفيف الأزمات الاقتصادية أهم من حقوق الإنسان في صورتها التقليدية، ومواجهة التهديدات الخارجية بصرامة لا تنسجم مع الاندفاع وراء جرعات واسعة من الديمقراطية.

الاتفاق أو الاختلاف مع هذا التوصيف لن يغيّر في الأمر شيئا، لكن من المهم مراعاة طريقة التفكير عند الحكم مع أو ضد الموقف السياسي من هذه الأزمة أو تلك، ومعرفة الواقع الذي يتم فيه صناعة القرار والحسابات التي تتحكم في اتخاذه.

كشف التعامل الغاشم مع التظاهرات والاحتجاجات التي اندلعت في الولايات المتحدة وفرنسا مؤخرا، وهما من أعرق الدول في مجال الحريات، أن التمسك بمعايير الأمن مقدم على ثوابت القيم الليبرالية بمفهومها السياسي والاقتصادي.

من ينظر إلى مصر اليوم عبر هذه الزاوية ربما يتفهم منطق الدولة في تعاملها مع الأزمات المتراكمة، التي يكفي التهاون أو الإخفاق مع إحداها لهدم أركان دولة كانت معرضة فعلا إلى سيناريو شبيه لما جرى في سوريا أو غيرها، واختارت طريقا صعبا وواجهت القوى التي مثّلت خطرا حقيقيا عليها حتى استعادت عافيتها.

يستوجب الحفاظ على ما وصلت إليه بذل المزيد من الجهود في دوائر مختلفة، وبصورة جعلتها غير عابئة بمطلب الإصلاحات السياسية التي يتوق لها المواطنون، وعلى أساسها يتوقف حكم بعض المراقبين على مدى نجاح أو فشل النظام المصري.

من هذه النافذة الحالمة تأتي غالبية التقديرات الرافضة له، بينما تخرج نظيرتها المؤيدة من رحم رؤية واقعية شاملة تعلم ما يدور في الداخل وما يحاك في الخارج، والتباعد في الحالتين هو الذي دفعني للحديث عن داعمين ورافضين لمصر.

8