دافنشي إلى نجمة الصبح

دافنشي اليوم ذاهب بنفسه إلى كوكب الزهرة. فمن يريد من البشر تبديد كل تلك الأوهام عن نجمة الصبح من أجل حفنة من الاستكشافات العلمية؟
الجمعة 2021/06/04
دافنشي في مهمة التعرّف على الزهرة

مع الوقت وما تبريه الأيام من أفكار حول الوجود، ومع ما تتكسّر عنه جدران الجهل، يتأكد أكثر أن الفنون والعلوم والآداب واحدة، لا حواجز بينها ولا حدود. ويا له من خبر سعيد ذاك الذي نشرته ناسا قبل ساعات عن نيتها إرسال بعثة تحمل اسم "دافنشي" لاستكشاف كوكب الزهرة.

دافنشي ما غيره، المعلّم الأكبر، الرسام والعالم والفيزيائي والطبيب والشاعر والمبتكر، سيكون، حسب ناسا، في مهمة التعرّف على تكوين الغلاف الجوي السميك للكوكب، بهدف تقييم كيفية تغيره بمرور الوقت، وما إذا كان قد استضاف محيطات في إحدى مراحل تطوره؟

سيرسلون فريق دافنشي ليرسم خارطة جديدة لسطح الزهرة، وفهم الأسباب المستمرة لغيومه الملوّنة التي تمنحه احمراره، ولماذا أصبح كوكبا مرتفع الحرارة، كما يقول توماس زوربوكن، المدير المساعد للعلوم في ناسا.

علم الفلك كلّ علم من الشرق، حتى لفظ كلمة الفلك أصله من الكلمة البابلية “بولوكا”، وكانت الزهرة عندهم كوكب الإلهة “إنانا” وسيدة الجميع “عشتار” ملهمة الحب والحرب والموت والحياة، بينما ربطها العالم الغربي بـ”فينوس”، وعرفناها نحن “نجمة الصبح” وكانت لها مكانة خاصة عند العرب القدامى، حسبما يؤكده المؤرخون في القرنين الخامس والسادس قبل الإسلام. وكان العرب في الشام والعراق يعبدون “الزهرة” ويسمونها “العُزَّى”. وقد وصلت إلى قريش في مكّة التي عظّمت العزّى وأجلتها وخصصت لها معبدا كبيرا اسمه “بيت العزّى” تقدّم إليه القرابين ويديره ناسك.

وأكثر من ذلك، فإن الزهرة أصل فكرة رهيبة تلاحق البشرية ليل نهار، تروي قصة كائن كان يعيش في السماوات ثم تم طرده منها، بعد أن أظهر تكبّرا وغطرسة لا يليقان، فأخذ يهدّد الجميع بأنه سينتصر على صانعه وعلى الكل. لا شك أنكم عرفتموه، وكانت التوراة تقول للزهرة “كيف سقطت من السماء، يا نجم الصباح، يا ابن الفجر؟ لقد أُلقيت على الأرض، أنت الذي ذات مرة أنزلت الأمم. قلت في قلبك، سأصعد إلى السماء، سأقيم عرشي فوق نجوم الله، سأجلس على العرش”.

الزهرة تقريبا هي كل الثقافة الشرقية، وهي نجمة الرؤوس الثمانية، وهي زهرة الرمّان المقدّسة. وهي في الشعر الفصيح والشعبي بطل حاضر دوما، إذ تنتشر حتى هذه الأيام القصيدة العتيقة في الأرياف “يا نجمة الصبح فوق الشام علّيتي، الأجواد أخذتي، والأنذال خلّيتي”. قصّة! وهذه الزهرة ذاتها، هي التي سيقومون بغزوها قريبا. الروس سبقوا الجميع إلى الزهرة، وكان برنامجهم قد حمل اسم “فينيرا”، لكن دافنشي اليوم ذاهب بنفسه إليها. فمن يريد من البشر تبديد كل تلك الأوهام عن نجمة الصبح من أجل حفنة من الاستكشافات العلمية؟

24