دافني كاروانا غاليزيا هل حان وقت الانتقام؟

السبت 2017/10/21
دافني كاروانا غاليزيا أولى ضحايا "وثائق بنما" تسقط في مالطا ليتبقى 369 هدفا حول العالم

باريس- “أيْنما نظرْتَ فإنك تجدُ المحتالين ومختلسي الأموال. الوضع مُخيّب للآمال وميْؤوس منه”، كانت هذه كلماتها الأخيرة. كتبتها الصحافية الخمسينية على مدونتها التي تدير منها حرباً طاحنة مع الفساد في جزيرة مالطا. خصمها المعلن رئيس الوزراء وزوجته، إضافة إلى عدد واسع من موظفي الشأن العام، كان آخرهم مدير ديوان وزير الطاقة كيث شمبري، وصفته بـ”المحتال” الذي يستخدم نفوذه الحكومي لإثراء نفسه. لكنها لم تجد الوقت الكافي لمحاسبتهم فقد غادرت الحياة يوم الاثنين الفائت 16 أكتوبر.

“مقتل صحافية مالطية بانفجار سيارتها قرب منزلها”. خبر قصير، لو كان في بلاد الحرائق الشرق أوسطية لما لفت انتباه أحد، فما أكثر السيارات المنفجرة في تلك الأرض. الصحافية القتيلة خبيرة في الاستقصاء الرقمي. تزداد سخونة الخبر. ينفجر الخبر عالمياً عندما عُرف أنها دافني كاروانا غاليزيا من أبرز وجوه الصحافة الاستقصائية في أوروبا. شاركت في تحقيقات “وثائق بنما”. وتدير مدونة شخصية يتصفحها عدد يفوق عدد قراء الصحف المالطية مجتمعة.

لماذا دافني؟

كما في قصص الاغتيال، تتقدم غاليزيا بشكوى للشرطة بأنها تتعرض للتهديد بالقتل قبل أسبوعين من اغتيالها، لا أحد يستجيب، كما العادة. تكتب نصها الأخير وتخرج من بيتها في ضواحي العاصمة المالطية فاليتا، تركب سيارتها التي تنفجر بها بعد لحظات.

تأتي الشرطة ويعرب الجميع عن هول الفجيعة التي ضربت عالم الديمقراطية والحرية، يتباكى عليها رئيس الوزراء جوزيف موسكات الذي أطل عبر شاشة التلفاز ليقول “أدين هذا العمل البربري على شخص دافني وعلى حرية التعبير في بلادنا. ولن أرتاح حتى يتم تطبيق العدالة”، ولأجل هذه الأخيرة تستعين مالطا اليوم بفرق تحقيق أميركية فيدرالية.

مقتل دافني بعد أشهر أربع على فوز حزب العمل الذي يقوده موسكات المتهم وزوجته بالفساد بناء على تحقيقات وثائق بنما، هل يشير إلى شيء؟ لا يمكن لأحد أن يعلم بالحقيقية قبل نهاية التحقيقات وربما لن يعلم أحد شيئا حتى بعدها.

ولكن هل يمكن أن تقتل إنسانة لمجرد عملها الصحافي؟ هل بدأ حساب صحافيي بنما؟ إلى أين قد تصل هذه المحاسبة؟ سبق أن تعرض العشرات من الذين شاركوا في تلك التحقيقات لأشكال مختلفة من المضايقات لكنها المرة الأولى التي تصل حدّ الاغتيال.

مفخخات السياسة والمال

تتشابه الطريقة وتختلف الأسباب، والنتيجة واحدة. قائمة طويلة من أسماء الصحافيين المغتالين حول العالم، وطبعا العالم العربي يتصدر المشهد.

عائلة غاليزيا تطالب حكومة مالطا بتغيير القاضية المكلفة بإجراء التحقيق في مقتلها. إذ تقول العائلة إن القاضية كونسويلو شيري هيريرا كانت قد أطلقت إجراءات قضائية ضد دافني غاليزيا اتخذتها سابقا

كان العراق حسب اللجنة الدولية لحماية الصحافيين يحتل المرتبة الأولى بين البلدان التي لا يدان فيها مرتكبو جرائم القتل بحق الصحافيين. وقد ذكرت اللجنة في تقرير لها بمناسبة اليوم العالمي للصحافة الذي يوافق الثالث من مايو كل عام، أن العراق ” يتسم بأسوأ سجل في العالم في مجال الإفلات من العقاب”.

وقال التقرير إن 93 صحافيا قتلوا في العراق خلال العقد الماضي “ولم تتم إدانة أي من مرتكبي جرائم القتل”. وألقى التقرير الضوء على مقتل الصحافي المستقل تحرير كاظم جواد الذي قتل أثناء أداء مهمة صحافية في ضواحي بغداد عام 2010، إذ انفجرت قنبلة كانت ملصقة بسيارته. وكان جواد “مصورا شجاعا” معروفا بأنه يحصل على مقاطع مصورة “في الأماكن التي لم يتمكن غيره من الوصول إليها”. وقد فتحت الشرطة تحقيقاً بالجريمة، ولكنها لم تعتقل أي أحد.

وتعرِّف لجنة حماية الصحافيين جريمة القتل بأنها القتل المتعمد ضد صحافي معين على خلفية عمله في الصحافة. وتشكل جرائم القتل سبب أكثر من 70 بالمئة من حالات وفاة الصحافيين المرتبطة بعملهم، حسبما وجدت أبحاث لجنة حماية الصحافيين.

أما سوريا فهي اليوم أخطر بلدان الأرض على حياة الصحافيين بحسب تقارير منظمة “مراسلون بلا حدود”. أعداد الصحافيين القتلى فيها كبيرة جدًا ولا تكفيها مقالات، أبرزها اغتيال الصحافية الأميركية ماري كولفين والصحافي الفرنسي ريميه أوشليك قرب حمص في فبراير عام 2012، أصابع الاتهام وجهت إلى قوات النظام السوري ولكن لا تحقيقات مكتملة ولا اتهامات واضحة حتى اليوم، ومازال الصحافي الأميركي أوستن تايس مفقود الأثر هناك منذ خمس سنوات مضت، وامتدت يد الحرب السورية إلى بلدان الجوار، حيث قُتل الصحافي السوري ناجي الجرف بالرصاص في مدينة غازي عينتاب في وضح النهار.

الحرب كانت ومازالت باباً واسعاً للتخلص من المعارضين السلميين وبالذات الصحافيين، حيث أكدت العشرات من التقارير الحقوقية المحلية والدولية، أن النظام السوري وحلفاءه الروس والإيرانيين يستهدفون بشكل مباشر المراكز الإعلامية والعاملين في الشأن الصحافي. الكاميرا تعتبر عدوهم الأبرز في حربٍ باتت اليوم تبنى على المعلومات والصور، حرب أقلام تسكتها الرصاصات وقصف الطائرات والسيارات المفخخة والذبح على الشاشات.

في لبنان قُتل الصحافي سمير قصير صيف العام 2005 بقنبلة زرعت في سيارته، قيل إن النظام السوري قتله وبقي القاتل مجهول الهوية، قُتل لأنه عارض وجود الجيش السوري في لبنان وكان ضد شركاء النظام في احتلال بلاده، هذا مختصر قصة نضاله السياسي لأجل ديمقراطية بلاده وحريتها، فأصابه ما أصاب مواطنه الصحافي جبران تويني الذي قُتل في شتاء ذات العام 2005 وأيضا بسيارة مفخخة في ضاحية المكلس شرق بيروت، والسبب معارضته الوجود السوري في لبنان.

"الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين"، وعلى لسان رئيسه جيرارد رايل، يعبر عن إدانته الشديدة لمقتل غاليزيا. رايل صرح لـ"العرب" في وقت سابق، معبرا عن خطورة وثائق بنما وأثرها على حياة العاملين عليها، مضيفا أن "كل عمل صحافي تحفّه المخاطر في الكثير من الدول"

لعنة بنما

نقل موقع دويتشه فيليه عن معهد بوينتر للدراسات الإعلامية، نشره تقريرا يسلط الضوء على التهديدات التي تواجه الصحافيين بعد تسريبات وثائق بنما، التي عمل عليها 370 صحافياً في أكثر من ثمانين دولة، تحت إشراف “الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين”.

أكد التقرير أن عدداً من المشاركين في ذلك التحقيق تعرضوا لأشكال مختلفة من المضايقات، فمثلا مدير تحرير صحيفة “ليفينيمينت” النيجرية، موسى أكسر، تلقى اتصالاً هاتفياً، نبهّه إلى وجود خطر على حياته، طالباً منه أخذ الحذر في تحركاته واتصالاته الهاتفية، وذلك بعد نشر الفضيحة النيجيرية الأولى من سلسلة تسريبات أوراق بنما.

أما في تونس، فقد اخترق قراصنة إلكترونيون الصحيفة الإلكترونية “إنكيفادا”، وتعرض رئيس تحريرها، وليد الماجري، للتهديد بالقتل عبر رسائل على موقع “فيسبوك”، وكانت شخصيتان تونسيتان ذكرتا في تسريبات بنما، هما المنسق العام لحركة “مشروع تونس” والمدير السابق للحملة الانتخابية للباجي قائد السبسي، محسن مرزوق، ورجل الأعمال والمرشح الرئاسي السابق، سمير العبدلي. وفتحت السلطات التونسية حينها تحقيقاً رسمياً في القضية.

أما في أوكرانيا فقد استدعى “مجلس الإعلام المستقل”، الصحافيين الذين عملوا على التسريبات، بعد تلقيه شكاوى كثيرة بأنهم انتهكوا المعايير الأخلاقية للعمل الصحافي، علماً أن التسريبات كشفت عن وجود شركة تابعة للرئيس الأوكراني، بيترو بوروشينكو، خارج البلاد، وقد أسسها في ذروة الحرب بين الحكومة الأوكرانية والقوات الموالية لروسيا.

لم تقف موجات الفضيحة البنمية عند هذا الحد، فقد أثارت التسريبات 150 تحقيقاً رسمياً على الأقل في أكثر من 79 بلداً في أنحاء العالم، لكنها سببت أيضاً استياء بعض الحكومات والأفراد، بعد الكشف عن الملكيات الاقتصادية السرية للنخبة العالمية.

هل قتلَ استياء النخبة دافني؟ تلك الرؤوس الكبيرة التي تتغذى على دماء شعوبها تستاء فتقتل. تبدو المعادلة واضحة، إياك والاقتراب من المال. اكتب كما تريد وعما تريد وابتعد عن جيوبنا. لكن ما هي تلك الوثائق التي دفعت العالم إلى الجنون؟

هنا نتحدث عن 2.6 “تيرا بايت” من المعلومات، أكثر من 11 مليون وثيقة سربت من مكتب محاماة في بنما، حصلت عليها صحيفة “زود دويتشه تسايتونغ” الألمانية، وبدأ العمل على تلك الوثائق لمدة عام بالتعاون مع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين الذي شكل فريقاً من 370 صحافياً من 80 دولة حول العالم، لتنفيذ أضخم التحقيقات الصحافية في التاريخ، كيف لا ونحن نتحدث عن وثائق أكثر من 215 ألف شركة؟ تأسست جميعا على يد مكتب محاماة موساك فونسيكا البنمي بتفويض من عملائه، في المقام الأول في بنما وفي جزر العذراء البريطانية، وتغطي الفترة من عام 1970 حتى عام 2016.

ويكليكس قائم بذاته

التحقيق النهائي الذي نشر في أبريل العام الماضي، كشف عن 140 زعيما سياسيا من كل دول العالم، بينهم 12 رئيس حكومة حاليا أو سابقا، قاموا بتهريب أموال من بلدانهم إلى ملاذات ضريبية، وضمت القائمة بعض العرب بطبيعة الحال، ومن أبرزهم أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني كما طالت التسريبات الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، الذي كان يتولى وزارة الخارجية ورئاسة الحكومة القطرية، وأيضا نائب الرئيس العراقي ورئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، والرئيس السوداني السابق الراحل أحمد علي الميرغني، ووزير الصناعة والمناجم الجزائري عبدالسلام بوشارب، وعلي أبوالراغب، رئيس الوزراء ووزير الدفاع الأردني السابق، ومحمد مصطفى، رئيس صندوق الاستثمار الفلسطيني. كما كشفت وثائق بنما فضائح رامي وحافظ مخلوف، ابني خال رئيس النظام السوري بشار الأسد، وعلاء مبارك، نجل الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك.

صحيفة الغارديان البريطانية، تصنف غاليزيا بأنها واحدة من أبرز المحققين الصحافيين في السنوات الأخيرة، بعد أن اختارتها، مؤخرا، مجلة "بوليتكو" الأميركية ضمن 28 شخصية مؤثرة في أوروبا

نصيب العالم العربي ضئيل قياساً بدول وحكومات اعتبرت لزمن طويل بعيدة عن الأنظار، بلاد تصنف “ديمقراطية” أو قريبة من الحرية، ولكن المال لا يعرف معايير الحرية والديمقراطية، ويبقى الاقتراب منه خطراً قاتلاً، وبالذات الأموال السوداء والدليل دماء الصحافية المالطية.

ولدت دافني غاليزيا في 26 أغسطس عام 1964 في بلدة “سليما” شمال العاصمة المالطية فاليتا، وأنهت دراستها في جامعة مالطا، وامتهنت الصحافة منذ عام 1987، بدأت بكتابة العامود في صحيفة “تايمز أوف مالطا”، ومن ثم محرِّرة في صحيفة “مالطا إندبندنت”، لكن انتشارها الواسع وشهرتها جاءت عبر مدونتها الشخصية. رحلت هذه السيدة المغامرة عن عمر 53 عاماً تاركة زوجها وثلاثة أبناء، أحدهم يعمل في الصحافة الاستقصائية.

وصفتها صحيفة الغارديان البريطانية، بأنها واحدة من أبرز المحققين الصحافيين في السنوات الأخيرة، في حين اختارتها، مؤخراً، مجلة “بوليتكو” الأميركية ضمن 28 شخصية مؤثرة في أوروبا، واصفة إياها بـ”ويكيليكس قائم بذاته”، و”المرأة الوحيدة التي تنتقد انعدام الشفافية وانتشار الفساد في بلدها”.

عرَض جوليان أسانج مؤسس موقع “ويكيليكس”، مكافأة مالية قدرُها 20 ألف يورو لمنْ يساهم في الكشف عن أي معلومة تفيد في معرفة الواقفين وراء مقتلها، كما عبر “الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين”، على لسان رئيسه جيرارد رايل، عن إدانته الشديدة لمقتل غاليزيا.

وقد صرح “رايل” لـ“العرب” في وقت سابق عن خطورة تلك الملفات وأثرها على حياة العاملين عليها بأن “كل عمل صحافي تحفّه المخاطر في الكثير من الدول. ولكننا نعمل على جمع عدد كبير من الصحافيين في صحافة استقصائية، ينتمون إلى العشرات من الوسائل الإعلامية الكبيرة والتي استطاع الاتحاد بناء الثقة معها. كل صحافي يعمل على ملفات دولته لكونه ملمّا بالقضايا التابعة لها، وبصراحة لا توجد أيّ ضمانات لأمن أيّ أحد”.

وهذا بالضبط ما كان في قضية غاليزيا التي طلبت عائلتها من حكومة مالطا تغيير القاضية المكلفة بإجراء التحقيق في مقتلها. وقالت العائلة إن القاضية “كونسويلو شيري هيريرا” أطلقت إجراءات قضائية ضد دافني غاليزيا بشأن تعليقات سابقة حولها. وهنا يبقى سؤال يتيم، كيف ينال العدل مجراه إن كان الخصم قاضيا؟

14