دانيال بايبس عقل أميركا المهلوس إلى أقصاه

الأحد 2014/12/07
صاحب نظرية الجمود العسكري بين أطراف النزاع

التاريخ يصنعه المؤرخون؟ أم المنتصرون؟ أم الضحايا؟ أحد هؤلاء، لا شك يكتب الواقع بعد حدوثه، وبعضهم يكتبه وهو يقع، لكن المؤرخ الذي يريد التدخل في الواقع بعقل غير علمي، يستند إلى قواعد مثيرة للجدل، سيكون له تأثير خاص، وربما تأثير شيطاني على المتابع.

دانيال بايبس.. المؤرخ الأميركي، المتخصص في نقد الإسلام، ومؤسس منتدى الشرق الأوسط للأبحاث والدراسات، الذي نصّب نفسه مبشراً بمستقبل الشرق الأوسط، ومدافعاً عن المصالح الإسرائيلية بكل صورة، بما فيها الدفاع عن الديكتاتوريات المحيطة بالدولة العبرية، لحماية أمن إسرائيل، ومفتشاً عاماً على كل من ينتقد السياسة الإسرائيلية في الولايات المتحدة، يعمل بلا توقف، على صنع صورة للواقع تريد إقناع العالم بنظرياته حول الشرق وأهل الشرق، دون النظر إلى الأبعاد غير الإنسانية في تلك النظريات والتي تحتقر البشر والتاريخ الحضاري الطويل لقلب العالم، ومع بداية الربيع العربي، كان أول ما فعله بايبس هو توجيه النصح لصديقه بنيامين نتنياهو بالابتعاد عن دعم تلك الثورات، والبقاء في مأمن من تأثيرها.

ولد بايبس في العام 1949، ودرس في هارفارد، مستغرقاً في التاريخ القديم والمعاصر، واستعان بالحياة والبحث في مصر فعاش سنوات في أرض النيل والأهرامات، وتعلم العربية والفرنسية والألمانية، ليصبح مدرّساً للتاريخ في جامعات أميركا وفي كلياتها الحربية على وجه الخصوص. ومن خلال مواقعه الحساسة، تمكّن بايبس من نشر تفكيره على نطاق واسع، فقد تولى منصب نائب رئيس هيئة فولبرايت للمنح الدراسية للطلاب غير الأميركيين، وأصبح عضواً في مجلس إدارة معهد الولايات المتحدة للسلام، ومديراً لمعهد السياسة الخارجية، وأخطر ما يقدّمه بايبس من خدمات تجلى في استشاراته الهامة لشركات المال والصناعة ومؤسسات الحكم في أميركا، والحملات الانتخابية الكبرى، والكونغرس والقضاء، فنحن أمام مؤسسة في شخص، جيش من الاهتمامات في رجل واحد.


منتدى الشرق الأوسط


كان لابد لبايبس من تحويل عمله الخاص إلى مؤسسة، وحاضن واسع ينظم كل تلك العلاقات ويوظفها، فكان منتداه، منتدى الشرق الأوسط يرى النور في العام 1994 بميزانية لا تتجاوز المليون دولار، وبهدف وحيد معلن هو “تعزيز المصالح الأميركية” هو المشروع، وهو بوابة التأثير التي أرادها بايبس، وبدأ من خلاله بالبحث عن الرجل القوي في الشرق الأوسط، كما يقول، الرجل القادر على ضبط الشعوب المتخلفة، كما فعل صدام حسين: “نحلم برجل ديمقراطي قوي، بعد صدام”، تلك كانت كلمات بايبس، الذي اعتاد على كتابة مقالاته في دوريات مختلفة ومواقع مثل موقع الصحافة اليهودية، واشتكى من أنه تعرّض للتهديد بعد مقال له يدعو فيه الغرب إلى دعم بشار الأسد، لأن صعود التطرف الإسلامي لن يكون لصالح الولايات المتحدة وحلفائها، ويتساءل بايبس: “كيف تطالب الولايات المتحدة الأسد بالتنحي وهو يحارب المتطرفين؟”، معترضاً على قرار أميركا بتسليح المعارضة السورية، التي وصفها بـ”قوات الشر”، وكان بايبس هو صاحب نظرية “الجمود العسكري” التي دفعت الولايات المتحدة إلى خلق حالة من عدم السماح لأيّ من طرفي النزاع في سوريا بالانتصار على الآخر، فتم منع تسليح الجيش الحر منذ البداية، ومنع الأسد من سحق الكتائب المسلحة من جهة أخرى، يستعير بايبس موقفاً أميركياً سابقاً، كي يقنع الرأي العام في بلاده، حين يذكّر بدعم أميركا للديكتاتور السوفييتي ستالين، بسبب موقفه المعادي لألمانيا النازية، مع أن ستالين، كما يقول بايبس، لم يكن يختلف عن هتلر، ويضيف مثلاً آخر على الدعم الذي تلقاه الرئيس العراقي صدام حسين من الولايات المتحدة، في الحرب العراقية الإيرانية، مؤكداً على فكرة عدم السماح بالحسم لكلا المتحاربين، مستعملاً فكرة هنري كيسنجر: “من المؤسف أن أحدا منهما لا يستطيع الخسارة”.

وضع بايبس لمنتدى الشرق الأوسط موقعاً باللغة العربية، صدّره بأهداف منتداه، وجاء على رأس لائحة تلك الأهداف: “يرى المنتدى أن للولايات المتحدة مصالح هامة وحيوية في المنطقة، وعلى وجه الخصوص، يؤمن بعلاقات قوية مع إسرائيل، تركيا، وأي ديمقراطيات تنشأ”، مع أن العبارة التي وردت في أهدافه حول الديمقراطيات لا تنسجم كلياً مع تصريحات وتوجهات بايبس حول دعم المستبدين مثل ستالين والأسد.

أسس بايبس منتدى الشرق الأوسط بميزانية مليون دولار، تحت شعار "خدمة المصالح الأميركية" ونشر الديمقراطية والتأكيد على تحالف أميركا مع تركيا وإسرائيل


استثمار أميركا في الإخوان


لا يوفّر دانيال بايبس نقده ضد السياسات الأميركية، خاصة حين تقترب من حركات الإسلام السياسي، وقد كان صريحاً للغاية في حديثه عن “استثمار الولايات المتحدة في جماعة الإخوان المسلمين”، مؤكداً على أنها لم تكن يوماً هدفاً للاستبداد، فقد سمح لها كل من السادات ومبارك في مصر بالعمل ودخول البرلمانات، في الوقت الذي اضطهدا فيها القوى الليبرالية والعلمانية في مصر “لتمثيل دور المعارضة المزيفة”، من خلال علاقة مبارك بالمرشد السابق مهدي عاكف في العام 2005.

وكان بايبس أول من أشار إلى احتمال تدخّل الجيش لوقف نفوذ الإخوان في مصر، بعد أن أطاح بكبار قادة المجلس العسكري، وقال بايبس في النصف الأول من العام 2013 وقبل عزل مرسي: “لا أستطيع أن أتنبأ بمستقبل جماعة الإخوان، لأن مستقبلها يعتمد على متغيرات كثيرة جداً، خصوصاً أن أعداداً كبيرة من المصريين يعارضون استيلاء الإخوان على سلطات ديكتاتورية وفرض دستور إسلامي على البلد، ولا أحد يعرف كيف يمكن أن تنتهي هذه الدراما”.


في طريق الله


في العام 1983 أصدر بايبس كتابه “في طريق الله”، وربط ما بين الطفرة النفطية في العالم العربي، ونمو ما سمّاه” إحياء الإسلام”، ويشرح بايبس بالقول إن المسلمين “جربوا الطريق الليبرالي الذي سلكه البريطانيون والفرنسيون في الفترة بين عامي 1800 و1920، ثم جربوا المنهج غير الليبرالي الذي سلكه الروس والألمان في الفترة بين عامي 1920 و1970، ولم يجنوا من الطريقين شيئاً فتحولوا إلى مسار ثالث، وهو العودة إلى الشريعة، هذا المسار دعمته بقوة الدول النفطية” دامجاً بين حركة الخميني وتنظيم الإخوان المسلمين، اللذين تلقيا دعماً من قبل دول الخليج العربية والإسلامية، مثل قطر والسعودية وليبيا ثم إيران لاحقاً، وكتب بايبس في العام 2010 عن الدعم الذي قدمته بريطانيا والولايات المتحدة لحسن البنا، ثم صهره سعيد رمضان، وحفيده طارق رمضان، يقول بايبس: “هذا الدعم كان جزءاً من نمط وخطة أوسع لدعم الإخوان وحركات إسلامية أخرى منذ زمن بعيد، وخلال الحرب الباردة، كان الغرب الرأسمالي ينظر إلى الإسلاميين باعتبارهم حائط صد ضد الشيوعية ونفوذ الاتحاد السوفييتي في المنطقة”.


السيسي إخواني


يذهب خيال بايبس بعيداً، فيشير إلى أن الرئيس عبدالفتاح السيسي، هو عضو في جماعة الإخوان المسلمين، ولكنه عضو خفي، مبطّن، ويقول: “نفوذ ضباط الجيش المتعاطفين مع الإخوان أكبر مما تخيل الجميع، وهم إما أعضاء بالجماعة وإما متعاطفون معها، والجماعة تنكر انتماء وزير الدفاع الحالي عبدالفتاح السيسي إليها، لكن أحد قادتها أقر أنه ينتمي إلى (أسرة الجماعة) غير الرسمية، والواقع أن كثيراً من المسؤولين الكبار الذين يدعمون الجماعة، متعاطفون معها وليسوا أعضاء رسميين بها، فقد استطاع السيسي كرئيس للاستخبارات العسكرية، الحصول على معلومات حول انقلاب 24 أغسطس وتعقب المسؤولين العسكريين الموالين لطنطاوي وقام بفصلهم، وهناك شواهد أخرى تؤكد كلامي (الكلام لبايبس)، منها اعتراف طارق الزمر، القيادي الجهادي وأحد مؤيدي مرسى، وهو ضابط سابق بالقوات المسلحة، بأن اختيار السيسي كان يهدف إلى إجهاض انقلاب عسكري على مرسى. كما أن اللواء عباس مخيمر الذى كان مسؤولاً عن تطهير القوات المسلحة من الإخوان والجماعات الإسلامية الأخرى كان متحالفاً مع الإخوان، إن لم يكن عضواً بها، وعموماً سبق للإخوان اختراق الجيش في الأربعينات من القرن الماضي، ودعموا الضباط الأحرار الذين أطاحوا بالملك فاروق في عام 1952، وبعد حظر الجماعة وملاحقتها من جانب النظام في مصر في الفترة بين عامي 1954-1974، أعاد الإخوان بناء شبكة من ضباط الجيش بطرق غير مرئية وغير معروفة للمراقبين الخارجيين، وثروت الخرباوي، أحد قادة الجماعة السابقين اعترف أن بعض أعضاء الجماعة أصبحوا من كبار القادة في الجيش”.


فوبيا بايبس من العرب


يختلط عند بايبس الحذر من الإسلاميين والحذر من العرب أنفسهم، فقد كتب يوماً في نيويورك تايمز في أيلول ـ سبتمبر من العام 2007 مقالاً ينبّه فيه من خطورة افتتاح مدرسة لتعليم اللغة العربية في أميركا، قائلاً: “فتحت أكاديمية خليل جبران، مدرسة اللغة العربية العامة (الحكومية) بنيويورك سيتي، أبوابها هذا الأسبوع للطلاب الذين تبلغ أعمارهم الحادية عشرة والثانية عشرة، متخذة من أجل ذلك تدابير أمنية خاصة.

ويأمل المرء أن الجدل العام الذي استمر لمدة طويلة حول الميول الإسلامية المتطرفة للمدرسة سوف يدفع بها إلى عدم السعي وراء تنفيذ أجندة أو أهداف سياسية ودينية، اعتبرني وعدّني متشككا في حدوث ذلك وذلك لسببين رئيسين.

الأول نشأة المدرسة وطبيعة العاملين بها، ولقد كتبت أنا وكتب آخرون عن ذلك كثيراً وبتوسع. والسبب الثاني، وهو موضوع مقالتي الحالية، السجل والتاريخ المثير للقلق لبرامج اللغة العربية في عموم الولايات المتحدة التي يقوم بتمويلها دافعو الضرائب، فالاتجاه واضح وبيّن: تدريس اللغة العربية في مرحلة ما قبل الدراسة الجامعية، حتى ولو كان يتم تمويله من أموال الضرائب، إنما يميل ويتجه إلى غرس وتنمية عقيدة الوحدة والقومية العربية أو عقيدة الإسلام الراديكالي المتطرف أو الاثنين معاً”، ويختم بايبس بالتحذير من معاداة الصهيونية التي قد تكون مبطنة في تعليم اللغة العربية: “إن هناك حاجة لتعليم اللغة العربية في مرحلة ما قبل الجامعة، ولكن للمواطنين والآباء ولدافعي الضرائب الحق في التأكد من أن الأطفال الذين يلتحقون بالمؤسسات التي تمولها الحكومة إنّما يتعلمون مهارة لغوية وأنهم ليسوا عرضة لعملية تجنيد لصالح الإسلام المتطرف ومعاداة الصهيونية”.

يرى بايبس أن الأسد حليف ضروري لأميركا وأن السيسي عضو في جماعة الإخوان المسلمين وأن اللغة العربية خطر على الصهيونية في أميركا


بايبس مع الشيطان الذي يعرف


هلوسة بايبس لم تتوقف، فقد كتب منتصف العام 2011، في ناشيونال ريفيو أونلاين، إن الثورة في سوريا تتيح فرصا إنسانية و جيوسياسية كبيرة، وعلى الدول الغربية أن تغتنم الفرصة بسرعة، وتقوم بالمساهمة في إزالة بشار وأتباعه، لأن هناك العديد من المنافع المترتبة على دخوله إلى مزبلة التاريخ”، وأضاف “فحافظ الأسد الخبيث و لكن العبقري من الناحية التكتيكية، أفسد الشرق الأوسط بنفوذ سوري غير متكافئ على مدى عقود.

ابنه العاجز بشار واصل هذا النمط منذ العام 2000 عن طريق إرسال إرهابيين إلى العراق، اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، إسقاط ابنه سعد، دعم ومساندة الجماعات الإرهابية مثل حزب الله وحماس، وتطوير أسلحة كيميائية ونووية، التخلص منه سيكون نعمة للجميع، لكن دور بشار الرئيسي على المستوى الدولي هو كونه حليف إيران الرئيسي.

على الرغم من أن الغربيين عادة ما ينظرون إلى التحالف السوري الإيراني على أنه زواج مصلحة هش، لكنه استمر ما يزيد عن الثلاثين عاماً، وتحمل التغيرات التي حصلت في الأفراد و الظروف، أن نهاية حكم الأسد تشير إلى نتائج هامة.

فبشار و حزب العدالة و التنمية الإسلاموي في تركيا طورا علاقات وثيقة إلى الحد الذي جعل بعض المحللين يرون أن إزالة نظام الأسد ستؤدي إلى انهيار كامل لسياسات أنقره في الشرق الأوسط. أيضاً، الاضطرابات بين السوريين العرب والأكراد قد تؤدي إلى حصولهم على المزيد من الاستقلال الذاتي وهو ما قد يشجع التعاون العرقي مع أكراد الأناضول لطلب دولة مستقلة، و هو احتمال يثير الكثير من القلق لدى أنقرة”.


دعوهم يتقاتلون


ويستشهد بايبس بكلام بشار الأسد: “في مقابلة متعجرفة لمناقشة التطورات في تونس ومصر، وقبل أسابيع فقط من اندلاع الثورة في بلده في 15 آذارـ مارس من العام 2011، قال بشار الأسد متحدثا عن البؤس الذي تواجهه رعيته أيضا (كلما كان لديك انتفاضة، فمن البديهي أن لديك غضباً يغذيه اليأس)، فكلمة اليأس تلخص بشكل جيد واقع الشعب السوري، حيث أنه منذ العام 1970، حكمت سلالة الأسد سوريا بقبضة ستالينية أقل قمعاً بقليل من صدام حسين في العراق، الفقر، مصادرة الملكيات، الفساد، الركود، القمع، الخوف، العزلة، الإسلاموية، التعذيب والمجازر كانت السمة المميزة لحكم الأسد”.

ويختتم مقاله بالاستخلاص الغرائبي من جديد وكانت الانتفاضة السورية وقتها ما تزال سلمية: “لقد حان الوقت لإزالة بشار من السلطة، وحماية الأبرياء من العلويين، ومن ثم التعامل مع الشيطان الذي لا نعرف”. قال بايبس مرة لريال نيوز: “في سوريا إسلاميون سنّة يقاتلون إسلاميين شيعة.

الإسلاميون المدعومون من تركيا، يقاتلون الإسلاميين المدعومين من إيران. حسناً، دعوهم ينخرطون في هذا، ولنساعدهم في مواصلة القتال فيما بينهم”. قراءة في عقل بايبس هي قراءة في العقل الأميركي الذي يدير اللعبة في الشرق، خطرات من هنا وهناك، إمكانيات هائلة تقدّم ذاتها كعقول باحثة مفكرة، لكنها تتخبط في الخيارات وكأنها تتلمّس تفاصيل العالم الذي تتسيّده وسط الظلام.

7