دانيال دي لويس فنان أعلن اعتزاله وهو على عرش الأوسكار

السير الإنكليزي الإيرلندي دانيال دي لويس يكشف أن دوره الأخير في فيلم "الخيط الوهمي" كان بمثابة نقطة التحول التي دفعته إلى اعتزال التمثيل والأَضواء.
الخميس 2018/03/01
دانيال دي لويس فنان يبحث عن أرفع المعايير حتى أقصى حدود الهوس

اثنتان وسبعون ساعة فقط تفصلنا عن معرفة اسم الممثل الأفضل الجدير بأوسكار هذا العام 2018. وحتى ذلك الوقت وقبله وبعده، سيبقى هذا الممثل الأسطوري ظاهرة بحد ذاته، ليس لأنه ممثل بارع فقط، بل لأنه الوحيد في تاريخ السينما العالمية الذي أعلن اعتزاله وهو على القمة.

يغوص في الأدوار التمثيلية التي يجسدها حتى أقصى حدود الإيمان. يشتغل على التفاصيل بحرفية تتطلّب منه نوعًا من الانمحاء الذاتيّ لمصلحة الشخصية وروحها وتصرفاتها، يعشق التمثيل إلى درجة أن التمثيل يلتهمه التهاما، كما يقول النقاد، وهذا يؤدّي إلى نتائج غير متوقعة استطاعت أن تحقق أرقاما قياسية تاريخية.

 هو السير الإنكليزي الإيرلندي دانيال دي لويس الذي فاجأ جمهوره السينمائي مؤخرا بخبر اعتزاله التمثيل دون إبداء أي سبب واضح وراء هذا القرار الصادم، حيث خرج الممثل البالغ من العمر 60 عامًا عن صمته المعتاد للصحافة، وتحدث مع مجلة  “دبليو”، موضحًا أن دوره الأخير في فيلم “الخيط الوهمي”، كان بمثابة نقطة التحول التي دفعته إلى اعتزال التمثيل والأَضواء.

الخيط الوهمي للحياة

يقول دي لويس “قبل بدء تصوير الفيلم، لم أكن أعرف أنني سأتخذ هذا القرار. أتذكر أنني وصديقي بول مخرج الفيلم ضحكنا كثيرًا قبل دخول مرحلة التنفيذ، ثم فجأة توقفنا عن الضحك بسبب سيطرة حالة الحزن علينا، أصابتنا الدهشة ولم نستوعب طبيعة هذا العمل الذي منحناه الحياة، لكن أصبح من الصعب العيش مع تفاصيله”.

قرار دي لويس الاعتزال الفني هو الثاني من نوعه. الأول كان في نهاية تسعينات القرن الماضي، حينها انتقل دي لويس إلى إيطاليا، مبينا عن رغبته في أن يُصبح صانعا للأحذية، لكنه عاد إلى بلاتوهات السينما، تلبية لرغبة المخرج المخضرم مارتن سكورسيزي في أن يؤدي دور ويليام كاتنغ "بل الجزار"

الفيلم الذي أخرجه المبدع الأميركي بول توماس أندرسون، تدور أحداثه في أجواء مدينة الضباب لندن عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. ويجسد  فيه دي لويس شخصية “رينولدز وودكوك” صانع أزياء الطبقة العليا في ذلك المجتمع، والذي يتلقى دعوة لتصميم عدة أزياء لجميلات من الأسرة المالكة حيث المزج بين الجمال الخالد للأزياء الكلاسيكية والأخرى الحديثة.

وفي خضم الروتين يلتقي رينولدز نادلة تدعى “إلما” وتقوم بتجسيدها الممثلة فيكي كريبس. وبعد أول لقاء بينهما يأخذنا الفيلم إلى محاولة فهم علاقة الحب المتناقضة بين الفنان وملهمته، خليط بين التوتر والإعجاب المتبادل والهيمنة الأبوية التي تتبدل فيها الأدوار باستمرار.

كعادة دي لويس في تحضيراته الشاقة للأدوار التي يجسدها، اتجه قبيل تصوير الفيلم لتعلم الخياطة تحت إشراف إدارة “باليه” في مدينة نيويورك، ودرس عدة عروض للأزياء، وحاور بعضاً من أكثر الأسماء مهنية في عالم الموضة، حتى أنه ذهب أبعد من ذلك وقام بتفصيل فستان متخذاً من زوجته موديلا، الفيلم مرشح لست جوائز أوسكار من بينها جائزة  أفضل فيلم وأفضل ممثل وأفضل مخرج.

 قرار دي لويس الاعتزال الفني هو الثاني من نوعه. الأول كان في نهاية تسعينات القرن الماضي، بعد تصويره دور البطولة في فيلم “الملاكم” للمخرج الكبير جيم شيريدان، حينها انتقل لويس إلى إيطاليا، مبيناً عن رغبته في أن يُصبح صانعا للأحذية، لكنه عاد إلى بلاتوهات السينما، تلبية لرغبة المخرج المخضرم مارتن سكورسيزي في أن يؤدّي دور ويليام كاتنغ “بِل الجزّار”، في فيلم “عصابات نيويورك” الذي أُنتج عام 2002 وقدَّم فيه دي لويس أحد أجمل أدواره، عبر شخصية دموية شريرة جديدة عليه كليا. وأثناء تصوير الفيلم استأجر دي لويس جزارا خاصا للتدرب معه على إتقان الدور المسند إليه، مع أن الأمر جزء صغير من دوره في الفيلم ككل.

حافظ دي لويس أثناء التصوير على لهجة نيويورك حتى انتهاء التصوير، ورفض ارتداء ملابس أكثر دفئا حتى يتمكن من البقاء في أجواء برودة طقس مدينة نيويورك، وهذا ما سبب له الإصابة بالالتهاب الرئوي الحاد.

ابن الشاعر والممثلة

دي لويس يتقمص شخصية "رينولدز وودكوك" صانع أزياء الطبقة العليا
دي لويس يتقمص شخصية "رينولدز وودكوك" صانع أزياء الطبقة العليا

ولد دي لويس في 29 أبريل 1957 في لندن وسط الحياة الثقافية والفنية، فهو ابن الشاعر سيسيل لويس الحائز على جائزة الشعر الإنكليزي الرفيعة، ووالدته هي الممثلة جيل بالكون، وجدّه هو المنتج السينمائي ميشيل بالكون.

تلقى تعليمه في مدرسة سفينوكس بكينت، ثم درس التمثيل في معهد بريستول أولدفيك، وكان أول ظهور فني له في فيلم “الأحد الدامي” عام 1971، من ثم انتقل إلى خشبة المسرح مع المعهد الذي تخرج منه ومع شركة رويال شكسبير. أما أول دور رئيسي له فكان مع النجمين انتوني هوبكينز وميل غبسون في الفيلم الروائي “باونتي” عام 1984.

استقطب دي لويس اهتمام العالم السينمائي له عبر فيلم “لوندريت بلدي جميل” للمخرج ستيفن فريرز سنة 1985، وهو العمل الذي استهل مسيرة الكاتب البريطاني حنيف قريشي، ومنذ ذلك الفيلم استمر مستوى دي لويس في التقدم، ومع أنه بات انتقائياً جداً في اختياره لأدواره مع مرور الوقت، إلا أن جميع اختياراته أصابت الهدف الصحيح وبطريقة مبهرة.

نادرًا ما يتحدث دي لويس عن حياته الشخصية، لكنه ارتبط بقصة حب مرتين، الأولى استمرت ست سنوات مع الممثلة الفرنسية “إيزابيل أدجاني”، وأنجبا عام 1995 في نيويورك ولدا اسمه “جبريل دي لويس”، وهو يعيش مع والدته في باريس منذ ذلك الحين بسبب انتهاء علاقة والديه.

وفي عام 1996 عندما كان دي لويس يعمل على فيلم “البوتقة”، كان يزور منزل مؤلف الفيلم الكاتب “أرثر ميلر” وهناك قابل ابنته ربيكا ميلر الممثلة والمخرجة الأميركية. وقد تزوجا لاحقا في نفس العام، لدى الزوجين ثلاثة أبناء ينعمون بحياة هادئة ومستقرة في أيرلندا مع أسرتهم، وهو ما يعتبره النقاد أمرا غريبا، حيث عادة ما يحرص صناع السينما على التواجد دائمًا في هوليوود.

 اهتمام العالم السينمائي به يعود إلى دور دي لويس في فيلم {لوندريت بلدي جميل} للمخرج ستيفن فريرز. وهو العمل الذي استهل مسيرة الكاتب البريطاني حنيف قريشي، ومنذ ذلك الفيلم استمر مستوى دي لويس في التقدم، مع أنه بات انتقائيا جدا في اختياره لأدواره مع مرور الوقت

في شهر نوفمبر 2014 تم تلقيب دي لويس بلقب “السير” من قبل الأمير ويليام تقديرًا لمسيرته الفنية الطويلة وما قدمه من أدوار سينمائية خالدة، وهو الأمر الذي أسعده كثيرا وأصبح يشعر بالفخر عندما تستبق الصحافة البريطانية اسمه بـ”السير”.

أدوار مذهلة

رُشح دي لويس لجائزة الأوسكار خمس مرات. حصل من هذه الترشيحات على ثلاث جوائز أوسكار لأحسن ممثل في دور رئيسي، الجائزة الأولى نالها دانيال عن دوره في “قدمي اليسرى” للمخرج جيم شيردان ، وطوال مدة تصوير الفيلم الذي لعب فيه لويس شخصية “كريستي براون” -رجل يعاني من شلل دماغي حاد- آثر البقاء جالساً على الكرسي المتحرك حتى عند توقف التصوير، وقام طاقم العمل بتحريكه حيثما شاء، وذلك ليبقى متعايشا مع الشخصية بكل حذافيرها.

جائزة الأوسكار الثانية التي حازها لويس كانت عن دوره في فيلم “سيكون هناك دم”، وفيه أصر دي لويس على العيش في خيمة داخل حقل نفط مهجور في تكساس طوال مدة تصوير الفيلم رافضا الإقامة في الفندق، حرصا منه على أن يبقى داخل نمط الشخصية التي يجسدها، أخرج الفيلم وأنتجه وكتب له السيناريو بول توماس أندرسون، عن رواية “النفط” للكاتب الأميركي “أبتون سينكلير” التي نُشرت عام 1927، وتناول خلالها قصة صعود تاجر نفط أميركي  وامتلاكه السلطة والنفوذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في منطقة جنوب كاليفورنيا، حيث تم إغواء المئات من الفقراء بالثراء للتوجه إلى العالم الجديد المتمثل في الولايات المتحدة بحثاً عن النفط على يد “دانييل بلينفيو” الذي لا يشبع من الثروة والسلطة.

“سيكون هناك دم” حقق نجاحا جماهيريا كبيرا، وجمعت له شباك تذاكر السينما ثلاثة أضعاف مبلغ إنتاجه، ولم يقتصر النجاح على ذلك، إذ أحرز الفيلم جائزتي أوسكار وجائزة غلودن غلوب وحوالي 47 جائزة في مختلف المهرجانات العالمية.

النجمة الكبيرة ميريل ستريب تهنئ دي لويس الذي يحترمه الجميع
النجمة الكبيرة ميريل ستريب تهنئ دي لويس الذي يحترمه الجميع

الموعد الثالث مع الأوسكار كان مختلفا كليا، لأن دي لويس جسد واحدة من أهم شخصيات التاريخ الأميركي وهي “إبراهام لينكولن”.

أخرج الفيلم المخرج العملاق ستيفين سبيلبرغ الذي ركز على السنوات الأخيرة من الفترة التي قضاها لينكولن رئيساً للولايات المتحدة وجهوده في إلغاء العبودية، ومن الأمور

الرائعة لسبيلبرغ في الفيلم رفضه تقديم قصته بشكل جاف أو ممل كما هو الحال مع الكثير من الأفلام التاريخية، كما أن أداء دي لويس لهذه الشخصية الأيقونية يعتبر القلب النابض لهذا الفيلم، وهو الذي قام بإجراء بحوث مكثفة لمختلف لهجات المقاطعات التي نشأ فيها لينكولن في عدد من البلدات في ولايات أنديانا وإلينوي وكنتاكي، وكتبت صحيفة “الإندبيندنت” عن ذلك قائلة “لم يكن الأمر مجرد تقليد، كان يتعلق بقدر كبير من الإعراب عن مشاعر الرئيس السادس عشر وعملياته الفكرية في لحظة محورية من حياته”، حيث يقال إن دي لويس طلب من سبيلبرغ مدة عام كامل للاستعداد للدور في ذلك الوقت، قرأ خلاله أكثر من 100 كتاب حول شخصيته وعمل مع فناني مكياج كثر لنحت وجهه بطريقة يكون فيها شبيها للينكولن.

رشح “لينكولن” لثماني جوائز غولدن غلوب من ضمنها جائزة أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل ممثل درامي لدي لويس الذي ربح الجائزة الأخيرة. وترشح الفيلم أيضًا لـ 12 جائزة أوسكار من ضمنها أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل ممثل بدور رئيسي وأفضل نص سينمائي مقتبس، وهو الفيلم الأكثر ترشيحًا لجوائز الأوسكار لسنة 2013.

دانيال دي لويس هو أول ممثل في تاريخ السينما يفوز بجائزة الأوسكار لأفضل ممثل بدور رئيسي هذا العدد من المرات، وهو اليوم مرشح لنيل الرابعة عن فيلمه الأخير “الخيط الوهمي”، ولا ندري ما إذا كان فوزه الذي يتوقعه النقاد سوف يجعله يعدل عن اعتزاله، أو على الأقل تكون لديه إجابة عن السبب الذي دعاه إلى هذا القرار، حيث قال دي لويس للصحافيين في العاصمة اليونانية أثينا في أحدث تصريحات له “لو كنت أعرف الإجابة لتفاديت على الأرجح محاولة قولها في جميع الأحوال، لكنني في حقيقة الأمر لا أستطيع الإجابة عن هذا السؤال الآن”.

12