دانيال روبنشتاين خبير فصل القوات والضليع بالعربية والعبرية

الأحد 2014/03/09
روبنشتاين خليفة فورد على الملف السوري

ذهب روبيرت فورد، بعد مسيرة درامية حافلة، بدأت من لحظة تعيينه التي استغل فيها الرئيس أوباما عطلة الكونجرس ليتجاوز اعتراض ممثلي الشعب الأميركي على إرسال مندوب إلى دمشق في ظل غرق نظامها في المحور الإيراني، ومرّت مسيرته تلك بعودة الأسد إلى الحظيرة العالمية على يد ساركوزي بتنسيق استخباراتي أشرف عليه شخصياً صهره آصف شوكت في رحلات مكوكية إلى باريس، ثم اندلعت التظاهرات، وقرّر فورد أن يسبر غور المعارضة السورية، فذهب إلى زيارة حسن عبدالعظيم رئيس هيئة التنسيق في مكتبه وزار الشيخ نواف البشير في بيته، ثم تنقل من معارض إلى آخر، وذهب إلى حماة وسط مئات الآلاف من المتظاهرين الذين حملوا الورود في مرحلة سلمية الثورة السورية، ليكون شاهداً لبلاده على أن الشعب خرج في انتفاضة سلمية لا تحمل طابعاً إسلامياً أو إرهابياً ولا تهدف إلى اضطهاد الأقليات.

ثم غادر فورد دمشق، ليبدأ مشواره مع المعارضة السورية، متدخلاً في كل صغيرة وكبيرة، عاكساً خبراته في العراق على الأوضاع في سوريا، متصوراً أن الخطر الإسلامي السني قادم دون ريب، ومن تصوراته تلك فرض ظرفاً عسكرياً وسياسياً على المعارضة السورية حرص على استيلاد البعد العسكري فيها، وكذلك البعد الجهادي، فكيف ستنطبق خارطة العراق على خارطة سوريا إن لم يحضر الجهاديون؟

أصرّ فورد على توحيد المعارضة السورية عبر إجراءات كبيرة وعديدة، وعبّر كل مرة عن أن المعارضة السورية لن تستفيد بشيء من العمل المسلح، وأضاف مراراً أن النتائج بالتفاوض غير مضمونة أيضاً، حتى أوصل مركب الانتفاضة السورية إلى جنيف حيث طاولة التفاوض، وبعد جولتين فاشلتين، قرّر هو أو قررت إدارته تنحيته عن الملف السوري.


روبنشتاين والشرق الأوسط


في تلك الأثناء كانت قد تغيرت الأمور في وزارة الخارجية الأميركية بعد صعود وهبوط هيلاري كلينتون، ثم قدوم جون كيري، ثم وصول الولايات المتحدة إلى تحريك بوارجها الحربية لتوجيه ضربة إلى بشار الأسد بعد استخدامه الكيميائي ضد المدنيين في ريف دمشق، ثم تراجع أوباما عن ذلك، واستبداله بقرار لمجلس الأمن يفرض نزع سلاح الأسد وتطبيق بيان جنيف1، وأخيراً اعتراف الولايات المتحدة بفشلها في الملف السوري، وأنها بحاجة إلى مراجعة سياساتها في سوريا.

رحل فورد وظهر جلياً تلعثم الأميركيين في اختيار خليفة له، فلو أن الأميركيين، كلّفوا سيلفرمان مساعد نائبة وزير الخارجية الأميركية، لظهر الأمر وكأن واشنطن ترفع مستوى التمثيل في هذا الملف، ولو أنهم عينوا شخصاً بمرتبة وظيفية أقل من فورد فهذا يعني أنهم يتراجعون بعد التصعيد الكبير الذي عبروا عنه طيلة سنوات ثلاث.

ودانيال روبنشتاين هو أحد المستعربين الذين عرفوا الشرق الأوسط جيداً وعن كثب، عبر خدمة طويلة في عواصم مختلفة لم تقتصر على تل أبيب وتونس وعمّان ودمشق ذاتها، فبعد تخرجه من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، تدرج في مناصب عديدة ليعمل حالياً معاون نائب الوزير لشؤون الأمن والابحاث The State Department Intelligence and Research bureau (INR).، وهو يجيد العربية بطلاقة إضافة إلى العبرية والبرتغالية، وسيبدأ عمله الذي لم يعرف إن كان سيكون مؤقتاً أم دائماً كمسؤول مباشر عن الملف السوري، ليبني على ما ورثه عن روبيرت فورد وفريقه، مضيفاً إليه خبراته الخاصة في عمله كقنصل عام ورئيس بعثة دبلوماسية في القدس من العام 2009 إلى العام 2012. سابقا، بعد أن شغل منصب رئيس وحدة المراقبة المدنية في القوة متعددة الجنسيات والمراقبين في سيناء المصرية.

عبّر فورد سلف روبنشتاين عن أن المعارضة السورية لن تستفيد بشيء من العمل المسلح، وأن النتائج بالتفاوض غير مضمونة أيضاً، وحين أوصل مركب الانتفاضة السورية إلى جنيف والتفاوض، وبعد جولتين فاشلتين، قررت إدارته تنحيته عن الملف السوري

كما شغل روبنشتاين منصب نائب رئيس البعثة في السفارة الأميركية في عمّان في الأردن في أعوام 2005 وحتى 2008 وشغل منصب مدير مكتب إسرائيل والشؤون الفلسطينية في وزارة الخارجية 2004-2005، وبدءاً من نهاية عمل روبنشتاين في عدد من المناصب الأخرى، بما في ذلك تلك الجولات التي أرسل إليها في البرازيل ودمشق وتونس، ولواندا وتل أبيب، فضلا عن الخدمة مع سلطة التحالف المؤقتة في بغداد في العراق.

وعندما عاد إلى واشنطن خدم في مكاتب شؤون الشرق الأدنى والاستخبارات والبحوث، وحصل على جائزة هربرت سالزمان للتميز في الأداء الاقتصادي الدولي، مع حفنة من جوائز الشرف والاستحقاق.


ما الذي سيفعله روبنشتاين اليوم


تبدو الولايات المتحدة مستنفدة لجميع الفرص التي منحتها لنظام الأسد كي يظهر حسن النية، أو الاستجابة للحل السياسي، أو الانتقال السلمي للسلطة، أو حتى التشارك في هيئة حكم انتقالية، وهي تدخل مرحلة ما بعد فشل جنيف 2 بجولتيه، محمّلة بذاكرة ثقيلة عن السنوات الثلاث التي خبرت فيها عيوب ومرونة المعارضة السورية، وكذلك ثبات موقف نظام الأسد وداعميه الروس والإيرانيين على الخط الأحمر ذاته الذي وضعوه منذ البداية، إذ يمكن الحديث عن كل شيء باستثناء تنحي الأسد.

وبانتقال ما تسمى بدولة الإسلام في العراق والشام (داعش) إلى العمل على الأراضي السورية بعد عشر سنين من العمل في غرب العراق، تنتقل المعالجة الأميركية ذاتها التي طبّقت في العراق إلى سوريا، ليصبح الفشل الأميركي متواصلاً، بعد أن خرجت القوات الأميركية بصعوبة من المستنقع العراقي، دون أن تعلن أنها انتصرت، إلا بإسقاط الرئيس صدام حسين عسكريا عبر احتلال مباشر، وكثيراً ما ارتفعت أصوات في واشنطن العاصمة معترضة على الدور الأميركي في العراق الذي قالوا إنه ” قدّم بلاد الرافدين كقطعة كيك إلى الإيرانيين”، وبظهور الدلائل الكبيرة على علاقة إيران ونظام الأسد بتنظيم القاعدة في العراق وسوريا، يصبح شكل المواجهة واضحاً أكثر اليوم، فحين سيواجه روبنشتاين المعطيات الجديدة سيكون عليها تحديثها وفقاً لما استجدّ على ملفات القاعدة وإيران وحكومة المالكي في العراق وتطورات حزب الله الذي يقاتل اليوم على الأراضي السورية بصورة مباشرة وعلنية.
سيناريوهات التقسيم التي يلوّح بها الأسد وداعموه، واحتمال قيام دولة علوية في الشريط الساحلي السوري، ستكون على رأس اهتمامات خبير فصل القوات، وإعادة ترسيم حدود كل من الأطراف المتقاتلة، بإضافة الإدارة الذاتية التي أعلنها الأكراد في شمال شرق سوريا

وباختيار روبنشتاين، لا يبدو أن واشنطن تبحث عن خبرات سياسية للإشراف على الملف السوري، بقدر ما تذهب الأنظار إلى عمل روبنشتاين في عمليات فصل القوات في سيناء، وهذا التخصص في مراحل ما بعد الحروب، ربما سيشير إلى المهمة التي سيضطلع بها روبنشتاين في سوريا، بعد أن تضع الحرب أوزراها.


الحرب وفصل القوات


بدأت تعلو بعض الأصوات القادمة من إسرائيل بضرورة خلق منطقة آمنة تحيط بالدولة العبرية داخل الأراضي السورية، سيما في المناطق التي سيطر عليها الجيش الحر، وكذلك لتحقيق الهدف المعلن وهو منع اقتراب قوات حزب الله من حدود إسرائيل الشمالية الغربية والقلمون، ومع تصاعد العمليات العسكرية العنيفة التي تقع قرب خط فصل القوات (الهدنة) ووصل بعض الجرحى للعلاج في المشافي العسكرية الإسرائيلية، والضربات الجوية الإسرائيلية المتكررة على شحنات أسلحة تقول إنه يتم نقلها ما بين الأسد ونصرالله، بدأت تل أبيب تظهر اهتماماً أكبر بالتدخل المباشر على الأرض.

وعلى الضفة الأخرى وبوجود أكثر من جيش يقاتل على الأرض السورية، سواء تلك الجيوش الإسلامية منها أو التي تقاتل تحت لواء الجيش الحر، أو الجبهة الإسلامية، أو الكتائب المتفرقة المدعومة من هنا أو هناك، سيكون لمهمة روبنشتاين أن تمرّ عبر تفاوض طويل مع هؤلاء جميعاً، وتشكيل جبهة موحدة لمحاربة القاعدة والنظام على حد سواء.

وبحكم علاقة روبنشتاين الوثيقة بالملف الإسرائيلي وعمله في تل أبيب فسيكون الأكثر قدرة على فهم المطلب الإسرائيلي أو حزمة المطالب التي ستواجه بها إسرائيل التدخل الأميركي الأعلى درجة مما هو عليه الآن.


مفاوضات أم تقسيم


ويبقى دور روبنشتاين اليوم، إن تم الإبقاء عليه في الملف السوري، معرّضاً لاختبارات عدّة، أوّلها استمرار المسار التفاوضي، بالتوازي مع رغبة دول الخليج العربي بحسم الأمور في سوريا بأسرع وقت، لترتيب الأوراق في المنطقة، مع الغضب الذي أظهرته واشنطن تجاه ملف الكيميائي السوري الذي أعلنت مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن مؤخراً أنه ما يزال متعثراً بسبب مراوغة نظام الأسد، وتأخر تسليم شحنات الكيميائي ليصار إلى تدميرها وفقاً لقرار مجلس الأمن.

لو أن الأميركيين، كلّفوا سيلفرمان مساعد نائبة وزير الخارجية الأميركية، لظهر الأمر وكأن واشنطن ترفع مستوى التمثيل في هذا الملف، فتم تكليف روبنشتاين لتخفيف تأويل الموقف الأميركي الجديد

أما سيناريوهات التقسيم التي يلوّح بها الأسد وداعموه، واحتمال قيام دولة علوية في الشريط الساحلي السوري، فستكون على رأس اهتمامات خبير فصل القوات، وإعادة ترسيم حدود كل من الأطراف المتقاتلة، بإضافة الإدارة الذاتية التي أعلنها الأكراد في شمال شرق سوريا، وبين هذا الاحتمال أو ذاك، تبدو الولايات المتحدة غير مستعجلةً في حسم الأوضاع في دمشق، لا سيما وأن إبقاء دولة محورية مثل سوريا في حالة كارثة عسكرية وإنسانية ينعكس مباشرةً على دول المنطقة، مما يجعل من تحقيق أكثر من هدف لواشنطن أمراً مستحباً، لم يخف الرئيس الأميركي باراك أوباما سعادته به في حديثه الأخير عن استنزاف إيران وحزب الله من خلال دعمهما لنظام الأسد.

ولا شك أن روبيرت فورد أثّر كثيراً على مجريات الأمور في الساحة السورية، وتم منحه صلاحيات واسعة تتجاوز في بعض الأحيان أدوار وزير الخارجية ذاته، إلا أن خليفته روبنشتاين يأتي محمّلاً بقوى أكبر من تلك التي منحت لفورد، ليس أقلّها اسمه الذي لا يخفي نفسه، وكذلك علاقاته في المنطقة والمكتب الذي خرج منه أخيراً مشرفاً على الأمن والأبحاث التي تغذي صانع القرار في وزارة الخارجية الأميركية.

وكمبعوث أميركي جديد سيحتاج روبنشتاين الكثير من الوقت للتعرّف على أطياف المعارضة السورية من جديد، مما سيعطي فرصة جديدة لاستمرار عطالة الموقف الأميركي تجاه القتل اليومي في سوريا.

7