دانيال كوهين بنديت والثورة الخضراء

السبت 2014/09/13
عاصفة ثورية هبت على أوروبا لتستقر في حكمة البراغماتية

ألماني فرنسي، عاش مع أوروبا نصف قرنها الماضي لحظة بلحظة، مشاركاً في كل منعطف فكري وسياسي خطر مرّت به، دون أن ينسى التعاطف مع قضايا الشعوب في أنحاء العالم، كان له الفضل في بناء حزب الخضر وتقويته وجعله حزباً أوروبياً عاماً عابراً للحدود والدول.

أثناء دراسته في باريس، تمكن كوهين بنديت من التحوّل إلى زعيم وناطق رسمي باسم الطلاب الذين ثاروا ضد الجنرال ديغول في العام 1968، حين قاد المظاهرات بالتعاون مع طلاب من الشرق الأوسط، ليجري طرده من فرنسا إلى فرانكفورت، ولكن في النهاية كان ديغول قد أصبح من الماضي بفضل اعتصامات الشباب ومظاهراتهم.


كوهين بنديت وتروتسكي


ولد كوهين بنديت في العام 1945، لأسرة يهودية، والده هو المحامي إيريك بنديت الذي آمن بالماركسية التروتسكية، واضطر للفرار مع أسرته من هتلر والنازيين في العام 1933 إلى باريس، قبل أن يتم قتل بقية العائلة، وكان والد كوهين صديقاً مقرباً من المفكرة اليهودية حنّة أرنت زميلة هايدغر في الدراسة والفكر، وهذا المناخ كان هو المؤثر الأول على عقل كوهين الصغير.

تدهورت حياة أسرة كوهين، وغرق والده في الكحول، بينما اضطرت أمّه إلى العمل لإعالة الأطفال، وكان المخطط أن تهاجر العائلة اليهودية إلى أميركا ولكن حصول الوالد على الجنسية الفرنسية عرقل الهجرة، فعاش كوهين في فقر شديد في منطقة النورماندي، فعادوا إلى ألمانيا، حيث بدأ كوهين يتعرف على المناخ الفكري في فرانكفورت، وتوفي والده وهو في سن السادسة عشرة، لتلحق به والدته بعد فترة قصيرة، ثم عاد إلى فرنسا في العام 1965 ليدرس الرياضيات في جامعة باريس الجنوبية “أورساي” وكان شديد التميّز في الإبداع والخيال كما وصفه أساتذته، ولكنه اختار ترك الرياضيات لدراسة علم الاجتماع، وبدأ يعيش الحياة الفوضوية في غرفته الصغيرة في باريس.


ثورة باريس


عاش كوهين حياته الباريسية كجيله، في ثورة مستمرة على كل شيء، فتظاهر ضد الفصل بين الجنسين في السكن الجامعي، وكان ناشطاً في أوساط الطلبة، ولم يقدّم أي احترام لأنظمة الجامعة، فاتخذت جامعة باريس إجراءات عقابية صارمة ضده، خرج في مظاهرات مع زملائه في الجامعة ضد الحرب الأميركية في فيتنام، وهاجموا مقرات شركة الطيران الأميركية (الأميركان إكسبريس) وتم إلقاء القبض عليه، ليخرج ويؤسس “حركة 22 مارس” الطلابية التي تؤمن باستخدام العنف والمولوتوف ضد المصالح الأميركية ما لم توقف حربها ضد الشعب الفيتنامي، ولكن كوهين اعتقل من جديد بسبب تحريضه الطلاب على العنف.

كان كوهين عاصفة مجنونة، فقد قرّر أن يواصل هجومه، فقام بتجميع الطلبة واقتحام المكاتب الإدارية لجامعة السوربون، في 2مايو من العام 1968، ولكن عميد الجامعة طلب الشرطة، وفي اليوم التالي تم طرد كوهين من جامعة السوربون ومعه مئات الطلبة الذين تم اعتقالهم، ولكنهم نظموا اعتصاماً سلمياً في الساحات العامة، فضته الشرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع، وتم تحصين جامعة السوربون وتطويقها وإيقاف الدراسة فيها.

يقول جان فنسان بلاسي، رئيس كتلة الخضر في مجلس الشيوخ الفرنسي إن «إجراء مباراة كرة قدم دون زين الدين زيدان، هي تماماً مثل الذهاب إلى الانتخابات الأوروبية دون كوهين بنديت». فرغم الخلافات السياسية التي كانت تفصل بينهما إلا أن بلاسي يقول عن كوهين بنديت «إنه يمثل أسطورة سياسية"


الفوضوي مع سارتر وأراغون


قال كوهين بنديت للذين حققوا معه في تلك الفترة: “أنا ماركسي فوضوي، مع التحليل الأساسي المبدئي لماركس وفهمه الصحيح للمجتمع الرأسمالي، ولكني لست شيوعياً، بل أرفض تماماً الانخراط في الأحزاب الشيوعية، وهناك فاصل واضح بين النظرية الماركسية والممارسة الشيوعية، ونحن نريد أن نكسر هذا الحاجز الآن".

أصبح كوهين ظاهرة في فرنسا، رغم صغر سنه، فتشكلت من حوله جبهة من الخصوم، على رأسها كان اليمين الفرنسي المتطرف، الذي طالب الحكومة بترحيل بنديت من فرنسا، بينما أيّد اعتصامه مع رفاقه، الكثير من الشخصيات الفرنسية والعالمية الكبرى، مثل لويس أراغون، الذي حضر إلى اعتصام الطلاب، وصار الإعلام الفرنسي يطلق على اعتصام بنديت “شبه الثورة” ومع الوقت صار اسمه في الصحافة ” الفوضوي الألماني”، وبدأت الصحافة تتخوف من انتشار دعوة بنديت عموم الشباب في فرنسا وأوروبا والاتحاد السوفييتي إلى الثورة والاعتصام.

بلغ عدد رفاق بنديت المعتصمين حوالي 20 ألف شابة وشاب، ثم انضم إليهم حضوراً وتضامناً عشرات ومئات الآلاف ليصل العدد إلى ما مجموعه ما بين سبعة وعشرة ملايين شخص في فرنسا وحدها، في أيام الاعتصام التقى كوهين بالفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر الذي أعلن تأييده للاعتصام، وأنه لا حل سوى إسقاط نظام الرئيس شارل ديغول، ولكن الحكومة الفرنسية طردت كوهين وأبعدته ورفضت السماح له بالعودة إلى باريس من جديد.

فتضامن معه رفاقه في الاعتصامات الطلابية في فرنسا، ورفعوا شعارات “كلنا يهود ألمان” وطالبوا بالسماح له بالعودة إلى فرنسا، وفي اليوم ذاته حاول كوهين تحدي القرار الفرنسي وعبور الحدود وكان معه قرابة ثمانمئة شاب، ولكن الشرطة والحرس الجمهوري الفرنسيين منعاه من العودة، بالتعاون مع شرطة مكافحة الشغب الألمانية، وفي تموزـ يوليو من العام 1968 كان كوهين قد أصبح في فرانكفورت معلناً نهاية حقبة الشهرة بالنسبة إليه كمثقف.


التغيير في ألمانيا


واصل كوهين بنديت ثورته، متنقلاً بين إيطاليا ومدن ألمانيا، وتابع معها دراسته في جامعة “غوته” في قسم علم الاجتماع، ولكنه لم يواصل دراسته، فقدمت له المساعدة المالية صديقة أسرته حنة آرنت، ولكن كوهين كان قد وجد في جامعة فرانكفورت مكاناً جديداً للثورة أيضاً، فنظّم احتجاجات ضد الرئيس السنغالي سنغور في معرض الكتاب، فتم اعتقاله ووضع تحت المراقبة لثمانية أشهر.

نشأت صداقة ما بين يوشكا فيشر وكوهين بنديت، واشترك الاثنان في تأسيس خلية عمل ماركسية، ولكنها تهتم بالثقافة والفكر والأدب وتروّج للديمقراطية وكان نطاق عملها الطلاب، وكذلك الاهتمام بقضايا المجتمع مثل هدم الدولة للبيوت العشوائية واستغلال الفقراء، وبدأت تنمو لدى بنديت ومجموعته تطلعات سياسية، وانتبهت الخلية إلى عدم وجود “رياض أطفال” في مناطق كثيرة في فرانكفورت، فاتخذوا قراراً بالعمل على رعاية الأطفال في المدن الجامعية الألمانية.

يقول بنديت: «لا أؤمن بالتبسيط عبر الأفكار والمنظومات الكبرى، إذ يجب في السياسة تدبير التعقيدات والتشابكات المختلفة فهناك تبدلات طيلة الوقت تستوجب المعالجة"


البازار الكبير


في العام 1975، تم إصدار كتاب بعنوان” باريس ـ البازار الكبير” وهو مجموعة كبيرة من الحوارات والمقابلات مع كوهين بنديت، تحدث فيه عن دوره في انتفاضة الطلاب في العام 1968، وقال إن نجوميته كان لها دور كبير في قيادة الحركة الشبابية، ولكن غياب البرنامج السياسي كان العامل الأساسي في اضطراب الحراك الثوري.

قال في مقابلة مع الكاتب اللبناني بشير هلال: “إن الثورة الراديكالية اليسارية التحررية للعام 1968 التي لعبت فيها الحركة الطلابية دور الكاشف والحافز، كانت ثورة سياسية من النمط الراديكالي الكلاسيكي، بمعنى أنها كانت تحمل الأفكار الثورية لديموقراطية هادفة إلى المساواتية والتحرير في العادات وتلك المنتسبة لأقصى اليسار والداعية إلى التسيير الذاتي. وهي مزائج استلهمت مروحة واسعة من المفكرين من باكونين إلى هربرت ماركوز. وهي في الواقع أفكارٌ من القرن الماضي. وانتقالي إلى (الأخضر) هو عملية مركّبة نتجت عن وعي مُضاف ببدء مرحلة جديدة من التاريخ الإنساني عنوانها الضرورة العاجلة لإيقاف الانهيار البيئوي لعالمنا عبر إيصال المجتمعات إلى مرحلة التمكّن من تبني السياسات واتخاذ التدابير الآيلة إلى ذلك. ما يستلزم وعياً سياسياً جديداً أسْميت ذلك خلاصياً أم لا. اليوم لا تستطيع انتظار الثورة لحل مسائل التدهور البيئوي. وهذا ما اختبرته جيداً من موقعي كنائب عن الخضر في البرلمان الأوروبي).


الخضر والبراغماتية


بدأ كوهين منذ 1984 نشاطه مع الخضر الألمان، ليصبح في العام 1994 نائباً عنهم في البرلمان الأوروبي، ثم رئيساً لكتلة الخضر فيه منذ العام 2002 وناطقاً رسمياً باسم حزب الخضر الأوروبي في العام 2004 قبل أن يترشح لانتخابات هذا البرلمان وينجح كمرشح في فرنسا على لائحة “أوروبا البيئة” التي حصدت أعلى رقمٍ للخضر في تاريخهم (16.28) بالمئة من الأصوات، يقول كوهين رداً على سؤال هل من الممكن حماية البيئة من مسارها التدهوري دون إجراء

تغييرات سياسية؟: “لا، التغييرات السياسية ضرورية إلى أبعد الحدود. ولكن السياق الوحيد الذي يسمح لك بالوصول إلى هذه التغييرات هو عملية الإصلاح في المؤسسات الديموقراطية".

يقول دانيال كوهين بنديت: «إن قداس مستقبل الربيع العربي لم يجر قوله بعد في هذا الميدان كما في غيره. ومن جهتي أجد غريبا كل هذا الهجس والتلويح بفوز الإسلاميين نتيجة هذا الربيع، والأهم أن ثورات الربيع العربي أدت إلى تصعيب أي عودة لدولها إلى الأحادية السياسية والاستبداد التسلطي"


انهيار الأفكار الكبرى


يقول بنديت: “لا أؤمن بالتبسيط عبر الأفكار والمنظومات الكبرى. إذ يجب في السياسة تدبير التعقيدات والتشابكات المختلفة وهذا لا يتم بالتبسيط والاختزال وبالتمسك بالتعميمات الإطلاقية. هناك تبدلات طيلة الوقت تستوجب المعالجة وجل ما نستطيعه هو تضمين مقارباتنا عدداً من المعايير والقيم الأخلاقية الأساسية مثل العدالة والمساواة والتضامن والتعاضد".

وعن الربيع العربي يقول بنديت: “في أوروبا التعددية ماتت أو فشلت لأن هذا الحكم لا يعني شيئا بذاته، والمسألة لا تتعلق باستنتاج أو رأي بل من السؤال حول كيفية تنظيم حياة هذا المجتمع التعددي، الآن الربيع العربي في مختلف بلدانه مُلزمٌ بمواجهة هذا السؤال والإجابة عنه، ويُفترَض ضمناً أن يكون مُسهِّلاً لإنتاج إجماعات إيجابيــة عليــه. هذا ينطبق على سوريا المتعددة دينيا وإثنياً ولغوياً والتي يعاني شعبها وضعاً دراماتيكياً بسبب ضراوة القمع ووحشيته، وعلى مصر المتعددة دينياً، وبالطبع على العراق وبلدان أخرى، إن قداس مستقبل الربيع العربي لم يجرِ قوله بعد في هذا الميـدان كمــا في غيــره. ومن جهتي أجد غريباً كل هذا الهجْس والتلويح بفوز الإسلاميين نتيجة هذا الربيع، كما في تونس مثلاً. النهضة لا تملك أكثرية ساحقة وهي مُجبرة على التوافق مع كتل أخرى غير دينية، لكن كل ذلك لا يجعلني أتشاءم، فمتى لم يستلزم التقدم وتوسيع الحريات معركة دائمة؟ لننظر ماذا حدث منذ الثورة الفرنسية ونستخلص العبر. الأهم أن ثورات الربيع العربي أدَّت إلى تصعيب أي عودة لدولها إلى الأحادية السياسية والاستبداد التسلطي”.


اعتزال المحارب


في السادس عشر من نيسان ـ أبريل 2014، اعتزل دانيال كوهين بنديت السياسة معلنا أمام البرلمان الأوروبي أنه حان الوقت ليتفرّغ لأمور أخرى غير السياسة مثل الكتابة أو الصحافة، حيث يشارك منذ فترة في برنامج إعلامي على قناة “أوروبا 1” الإذاعية الفرنسية، يعتزل بنديت بعد أن شهدت له أوروبا والعالم بدفاعه الشجاع والجريء عن أوروبا وحريتها وتقدمها، الأمر الذي أوقعه في كثير من نوبات الغضب أمام الشاشات، كما حصل في العام 2010، حين لم يتردد بنديت في توبيخ رئيس الكتلة الاشتراكية في البرلمان الألماني مارتن شولتز الذي كان يعتزم التصويت لصالح جوزي مانويل باروسو لرئاسة المفوضية الأوروبية، لكن مارتن شولتز الذي يسعى اليوم إلى نفس المنصب، حيّا أخيراً دانيال كوهين بنديت في آخر مداخلة له قائلاً: ” كنت مثالاً لجيل بأكمله، وسنفتقدك بعد اليوم في البرلمان الأوروبي".

وعن رأيه في رئيس حزب “الجبهة الوطنية” اليميني الفرنسي جان ماري لوبن يقول دانيال كوهين بنديت، بحسب ما جاء في جريدة “لوموند” الإلكترونية، “إن السيد لوبن هو وصمة عار”، ويشبّه جان فنسان بلاسي، رئيس كتلة الخضر في مجلس الشيوخ الفرنسي، دانيال كوهين بنديت بـ”زين الدين زيدان” الذي سيفتقده كثيراً البرلمان الأوروبي في الانتخابات المقبلة، معتبرا أن “إجراء مباراة كرة قدم دون زين الدين زيدان، هي تماماً مثل الذهاب إلى الانتخابات الأوروبية دون كوهين بنديت”.

فرغم الخلافات السياسية التي كانت تفصل بينهما، كما جاء في آخر عدد من جريدة “لوفيغارو”، يقول بلاسي عن كوهين بنديت “إنه يمثل أسطورة سياسية".

العاصفة الخضراء التي هبّت مع الشباب في نهاية الستينات، والتي مثلها دانيال كوهين بنديت وكان ملهماً في أنحاء كثيرة من العالم، لأجيال شهدت عليه وخرجت بعده، أبرز في ثقافتها، التفاؤل الحكيم والعلمي بالواقع والمستقبل، والقدرة على التغلب على تعقيداته ومصاعبه.

12