"داني كولينز" فيلم يرسخ طويلا في العقل وفي القلب

في عام 2005 حصل المغني البريطاني ستيف تيلستون على صورة من رسالة خاصة كان قد أرسلها إليه مغني البيتلز الشهير جون لينون عام 1971، أي قبل نحو 34 عاما، بعد أن قرأ لينون مقابلة صحفية مع المغني الشاب وقتها، هذه الرسالة لم تصل أبدا إلى صاحبها، فقد وقعت في يد شخص رأى أنها قد تصبح ثروة في المستقبل، فاحتفظ بها، وفي عام 2005 أي بعد 34 عاما، اتصل بالمغني البريطاني لكي يطلعه عليها. كانت الرسالة تحوي إعجابا ونصيحة للمغني الشاب من جانب لينون (وكان في الثلاثين من عمره)، موجزها بالمعنى التالي: كن مخلصا لنفسك ولفنك وموسيقاك، فالمال لا قيمة له أمام الأصالة.
الجمعة 2015/09/18
الشخصية الدرامية في الفيلم تختلط بالممثل-الإنسان

الفيلم الأميركي الممتع “داني كولينز” (إنتاج 2015) وهو أول أفلام المخرج دان فوغلمان، مدخله الدرامي قصة حقيقية عن رسالة تلقاها المغني البريطاني ستيف تيلستون من مغني البيتلز الشهير جون لينــون عـام 1971، لكنها لم تصله إلاّ سنة 2005.

الفيلم من بطولة الممثل الكبير آل باتشينو الذي يقوم بدور مغني تقدّم به العمر، كان في السبعينات، أحد نجوم أغاني البوب، وهو الآن لم يعد كما كان، بل فقد القدرة على التجديد والابتكار (لم يؤلف لحنا منذ 30 عاما)، ولكنه يعيد استثمار الأغاني التي بنى عليها شهرته، يغنيها أمام جمهور حفلاته المؤلف في معظمه من كبار السن من أبناء جيله الذين يلحون عليه، يريدونه أن يغني أغانيه القديمة، وعلى الأخص أغنيته الشهيرة “بيبي دول”.

البدء من جديد

داني كولينز وهو اسم الشخصية في الفيلم وعنوان الفيلم أيضا، لا يريد بالطبع الاعتراف بأن الشباب قد ولى، فهو يعيش مع فتاة شابة تدعى سامنتا، يتعاطى الكوكايين لكي يساعده على مواجهة جمهوره على المسرح.

وفي حفل عيد ميلاده يقدم له مدير أعماله فرانك، كريستوفر بلامر، هدية عبارة عن صورة من تلك الرسالة “السحرية” التي أرسلها إليه جون لينون (قبل 40 عاما في الفيلم) ولم تصل إليه قط.

يتأثر داني كثيرا بالرسالة التي ترده إلى تأمل مسار حياته خلال السنوات الماضية، فيقرر إلغاء الرحلة الفنية التي كان يعتزم القيام بها وكانت ستجلب له الكثير من المال، يترك منزله لسامنتا التي يكتشف أنها تقيم علاقة مع شاب في مثل عمرها، ويذهب إلى نيوجيرسي حيث يقيم في فندق هيلتون، يغازل مديرته ذات الجمال الباقي ماري، نيت بيننغ، ويداعب موظفة الاستقبال ويدفعها لإقامة علاقة مع حارس السيارات الشاب.

لقد قرر داني كولينز أن ما فعله بنفسه وبفنه كان نوعا من التدمير الذاتي لموهبته، وأنه قبل التنازل عن قيمة الفن من أجل الشهرة والمال، وبسبب أنانيته وشهواته ونزقه وغروره، قطع صلاته بأقرب الناس إليه.

والآن قرر استعادة الصلة بمن تبقى من أسرته، بابنه توم الذي لم يسبق له أن قابله من قبل بعد أن طلق والدته التي يكتشف أيضا أنها توفيت منذ عشر سنوات، وكان قد تزوج ثلاث مرات، وعاش الحياة بطولها وعرضها كيفما اتفق، كمدمن للخمر والمخدرات والنساء، مغرم بركوب السيارات الفخمة، لا يتوانى عن تأجير حافلة ضخمة عليها صورة كبيرة له كنجم من نجوم موسيقى البوب.

الفيلم ينتقل ببراعة من الأجواء الدرامية المشحونة إلى الكوميديا الخفيفة، بأداء متميز للعبقري لآل باتشينو

يطرق باب منزل ابنه الذي يقابله بالرفض والنفور، يتودد إلى زوجته صوفي وحفيدته الصغيرة هوب التي تعاني من مرض “النشاط الزائد”، بل ويعرف أيضا أن توم نفسه مريض باللوكيميا، فيقرر أن يتفرغ لمساعدته، فيضع الطفلة في مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة، وينفق على علاج توم ويصر على الوقوف بجواره، رغم رفض توم واستنكاره وتأففه، بل وطرده من منزله أكثر من مرة، فكيف يأتي بعد كل تلك السنين لكي يقول إنه يريد أن يبدأ من جديد، وكأن شيئا لم يكن؟

هذه هي الخطوط العامة للفيلم الذي يدور بالطبع حول شخصية داني كولينز، ورغم ما يبدو من تفاصيل تبدو محزنة على المستوى الإنساني، إلاّ أن الفيلم ينتقل ببراعة من الأجواء الدرامية المشحونة إلى الكوميديا الخفيفة، ولعل ما يساعد على ذلك أساسا، الأداء العبقري لآل باتشينو، بقدرته على مداعبة ماري، وتكرار الإلحاح عليها بقبول دعوته للغذاء، بمحاولته المخلصة البدء من جديد رغم إدراكه صعوبة الأمر، وتهكمه على نفسه، وقبول لوم ابنه العنيف له، ومع ذلك يهمس له بأنه يتمتع بـ”قلب طيب” رغم كل شيء.

وهو يستمد من علاقته البريئة بماري طاقة تدفعه إلى تلحين أغنية جديدة يقطع بها مع الماضي، وينتقل نقلة جديدة في حياته الموسيقية، لقد نقل معه البيانو الفخم الخاص به إلى غرفته في الفندق، حيث يستضيف ماري ويسمعها الفقرة الأولى من الأغنية التي يلحنها.

ورغم كل ذلك، هل يمكن للمرء حقا أن يعوض أربعين عاما من الاختيارات السيئة الخاطئة في لحظة، هل يمكنه التخلي عن حياة البذخ والنجومية بعد أن أصبح مشرفا على خاتمة العمر؟

على الرغم من خصوصية الشخصية الرئيسية في الفيلم وارتباطها بثقافتها وعصرها، إلاّ أن “داني كولينز″ يظل فيلما لكل الناس في كل مكان

عالم الممثل الوحيد

ربما لا تكون الحبكة الأساسية جديدة، فقد سبق أن شاهدنا آل باتشينو في فيلمه السابق “التواضع” (عنوان الفيلم قد يعني أيضا السقوط) “ذو هامبلينع” لباري ليفنسون، الذي قام فيه بدور سيمون أكسلر وهو ممثل مسرحي شكسبيري، تقدم به العمر وأصبحت صحته تخذله.

يعيش بمفرده، ولكنه ليس سعيدا فقد تضاءل عالمه وشحبت عنه الشهرة والمجد، وأصبح مصابا بعقدة عدم التحقق كما كان ينبغي، يقيم علاقة مع فتاة شابة يكتشف أنها مثلية الجنس فيحاول أن يفهمها ويساعدها، بقايا شهرته لدى الكثيرين تتمثل في أفلام “الأكشن” التي مثلها في هوليوود، وهو ما يضايقه، فهو يريد تحقيق ما فقده كممثل مسرحي، ولكنه الآن يعجز عن التحرك بشكل طبيعي، وينسى ويكرر الكلمات، وينتهي به الأمر إلى محاولة الانتحار بإلقاء نفسه من فوق خشبة المسرح.

وكما في فيلمه السابق، يبدو دور داني كولينز أيضا وقد كتب خصيصا لآل باتشينو، ولكن لولا تلك الكيمياء الرائعة التي تربط بين أداء باتشينو وأنيت بيننغ وكريستوفر بلامر، لما جاء الفيلم على كل هذا النحو من الجمال والسحر والرونق.

أنيت بيننغ بتلك الثقة والابتسامة البديعة والقدرة على المناورة أمام مداعبات باتشينو التي لا تنتهي، وبلامر بشخصيته المحببة كصديق وأخ أكبر أكثر منه مديرا للأعمال، ولكن المعلم آل باتشينو يبقى وحده بالطبع، مدرسة في التمثيل.

إنه لا يكبر أبدا، قد يشيخ صوته بعض الشيء، وقد يبدو غريبا في دور مغني من نجوم البوب بصوته الذي فقد الكثير من مرونته، لكنه يعوض هذا بحركته الرشيقة على المسرح أمام الجمهور، بمداعباته وتعليقاته وانسجامه مع الجمهور، وهو يجيد التعبير بكلماته الهادئة البسيطة، وتعليقاته الشخصية التي تبدو صادرة من قلب آل باتشينو نفسه.

وهنا تختلط الشخصية الدرامية بالممثل-الإنسان، ويصبح الممثل وكأنه يعكس شيئا من ذاته، من حياته، من شعوره وهو في الخامسة والسبعين، ربما برغبته في مراجعة تجربته، ومساره الشخصي في الحياة وفي السينما، ليمنح نفسه فرصة أخرى لإلقاء نظرة على الماضي.

ومع ذلك فالجميل في الفيلم أن آل باتشينو، لا يؤدي الدور بمرارة بل باستمتاع، بحب، بتماثل مع العائد لكي يقدم شيئا “حقيقيا” يكفر به عن أخطاء الماضي، إن مشاهدته في دور داني كولينز متعة لا تعادلها متعة، ومنه يجب أن يتعلم الراغبون في العمل بالتمثيل.

وأخيرا، على الرغم من خصوصية الشخصية الرئيسية في الفيلم وارتباطها بثقافتها وعصرها، إلاّ أن “داني كولينز″ يظل فيلما لكل الناس في كل مكان، فنحن جميعا في حاجة إلى التأمل في حياتنا، وفيما فعلناه بها، في علاقاتنا بالدنيا وبأنفسنا وبالآخرين. وبعيدا عن بعض المبالغات العاطفية والميودرامية، هذا فيلم يبقى طويلا في القلب وفي العقل.

16