داود حسين يتخلى عن الكوميديا "في ذاكرة الظل"

دراما كويتية مدارها صراعات عائلية خفية تحركها آلام الماضي.
الخميس 2020/11/19
داود حسين يقتحم دائرة الشر

في قالب من الدراما الاجتماعية يقدّم المسلسل الكويتي “في ذاكرة الظل” قصة وليد الذي يخرج من السجن بعد قضائه عشر سنوات في غياهبه، فتفجّر هذه العودة الكثير من آلام الماضي التي عاشتها اﻷم ومن ثمة إخوته، خاصة بعد رحيل اﻷب عنهم وزواجه من امرأة أخرى.. فأي سر يخفيه هذا الغياب؟

طالعنا الفنان الكويتي داود حسين خلال الأعوام القليلة الماضية بالعديد من الأدوار المُميزة التي وضعته في مصاف النجوم المحببة للجمهور الخليجي، نذكر منها مثلا مسلسله الأخير “موضي قطعة من الذهب”، ومسلسل “عبرة شارع” الذي قدّمه مع الفنانة سعاد عبدالله، وغيرهما من الأعمال المتميزة الأخرى التي برع خلالها في تقديم شخصيات تتمتّع بخفة الظل.

وبرع داود حسين بالفعل في أداء هذا النمط من الأدوار وحفر اسمه كأحد الكوميديين الكبار في الدراما والمسرح والسينما الخليجية أيضا.

لكنه فاجأ جمهوره أخيرا عبر مشاركته في مسلسل “في ذاكرة الظل” بشخصية مختلفة تماما، فهو في هذا العمل يؤدّي دور رجل تعيس يتعامل مع الشر براحة تامة، حتى مع أقرب الناس إليه، فقد ترك أسرته تعاني الفقر والحرمان وتنكّر لهم حين لجأوا إليه.

ثنائي ناجح

صراعات لا تنتهي
صراعات لا تنتهي

هي تركيبة غريبة بالطبع على الفنان داود حسين، لكنه استطاع بسهولة أن يخوض غمار هذا التحدّي كأي فنان قدير ومتمكن من أدواته، ولعل هذا المسلسل يمثل بالفعل نقلة جديدة في مسيرته الفنية، والتي نرجو كذلك ألّا تُبعده عن إطار الكوميديا الذي دخل قلوب المشاهدين من خلاله.

ويُعرض مسلسل “في ذاكرة الظل” حاليا على الفضائية الكويتية، وهو من إخراج محمد كاظم وتأليف الكاتبة مريم نصير. وتشارك في العمل إلى جانب الفنان داود حسين مجموعة متنوعة من الفنانين والفنانات، على رأسهم الفنانة عبير الجندي وقد استطاعت أن تجسّد دور الأم المُستضعفة التي ثابرت من أجل تربية أبنائها، وحافظت على سرّ أبيهم حتى لا يفتضح أمره بينهم لسنوات طويلة.

وتعدّ عبير الجندي واحدة من الفنانات الخليجيات المتمكنات من أدائهنّ، وهي حريصة على التنوّع في انتقاء أدوارها، وهذه هي المرة الثانية التي تلتقي فيها بالفنان داود حسين بعد عملهما الإذاعي “شرقان وإيمان”.

ويشارك في المسلسل أيضا الفنانون: يعقوب عبدالله وشيماء علي وأحمد إيراج ومحمد صفر بأدوار لا تقل تميزا، ومن الوجوه الجديدة يبرز اسم الفنان عبدالله عبدالرضا، الذي أدّى دور سليمان.

تبدأ أحداث المسلسل بخروج وليد الذي يؤدّي دوره الفنان يعقوب عبدالله من السجن بعد قضائه عشر سنوات كاملة. نفهم من السياق أن وليد قد اتهم بالعمل في غسيل الأموال. وفي حين ينفطر قلب الأم (عبير الجندي) على ابنها وتسعد بلقائه، نجد أن إخوته إبراهيم (محمد صفر) وطيبة (فرح المهدي) يستقبلانه ببرود لا يليق بعلاقتهم كإخوة.

تدعونا هذه المقدّمة التي حفلت بها الحلقة الأولى من العمل بالطبع إلى التطلّع لمعرفة الأسباب الحقيقة وراء سجن وليد، خاصة حين تُلمّح الأم أن ابنها قد سُجن ظلما، وأن هناك سرا تخفيه عن الجميع.

داود حسين فاجأ جمهوره بإتقانه أداء شخصية رجل تعيس يتعامل مع الشر براحة تامة، حتى مع أقرب الناس إليه

يستمر كل من إبراهيم وطيبة في معاملة شقيقهما وليد بقسوة بالغة، فقد تسبّب كما يقولون في فضيحتهم بين أهل الحي وسبّب لهم العديد من الأزمات في حياتهم، فطيبة تعاني من معايرة زملائها لها في العمل بسببه، أما إبراهيم فهو يُحمّل أخاه السبب في ترك أبيهم لهم والهرب بعيدا عنهم.

وهكذا تمضي الأحداث حتى يلتقي الشقيق الأصغر إبراهيم بأبيه عبدالهادي صدفة، حين يدخل بيته كعامل إصلاح لأجهزة الاستقبال التلفزيوني. يتعرّف الشاب على حياة أبيه المُترفة، فهو رجل أعمال معروف وصاحب شركة، بينما يعاني إبراهيم وإخوته من الفقر والعوز.

يقرّر إبراهيم ألّا يخبر والدته بما رآه، لكنه في الوقت نفسه يعمل على الاستفادة من أبيه أو الانتقام منه. وتتفجّر المفاجآت الواحدة تلو الأخرى حين نعلم أن وليد قد دخل السجن حتى ينقذ والده من الفضيحة، بأن اعترف بتهمة غسيل الأموال بدلا من أبيه، وتُخرج الأم ما لديها من أوراق تُدين الأب فيتّحد الأبناء لمواجهة أبيهم بكل هذه الحجج، لكنه يتنكّر لهم.

إلى جانب هذا السياق ثمة خطوط درامية أخرى أبطالها أبناء عبدالهادي (داود حسين) من زوجته الثانية، فالابن الأكبر زياد الذي يؤدّي دوره الفنان أحمد إيراج يبدو مشوّشا، وهو يرتبط بفتاة فقيرة كان والدها يعمل لديهم في الشركة لمجرد أن ينتقم من أبيه على تهميشه له. لكنه بعد الزواج تتوطّد علاقته بالفتاة التي تزوجها وتتغيّر مشاعره تجاهها.

أما الابن الأصغر سليمان الذي يؤدّي دوره الفنان عبدالله عبدالرضا فكان يقضي معظم وقته مسافرا، ويتزوّج من سيدة أميركية في السر ثم يتركها، وحين يستقر أخيرا في الكويت يكتشف أن له ابنا منها، فيدفعه والده إلى عدم الاعتراف به.

أما شقيقة عبدالهادي (شيماء علي) فهي تنخرط في علاقة غرامية مع أحد المطربين المعروفين (فيصل المزعل) وتبدو علاقتهما معقدة ويسودها الكثير من التوتر.

نعود مرة أخرى إلى الفنان داود حسين الذي يبدو مشتتا بين مشاعره، وبين خوفه من افتضاح أمره، خاصة بعد تعرّضه للابتزاز من قبل إبراهيم دون أن يعرف حقيقة علاقته به.

هذا التعقيد الذي تتمتّع به شخصية داود حسين والعلاقات المرتبكة بمن حوله تنعكس على تعاملاته مع الآخرين، فهو دائم الشك في جميع من حوله، ويراوح بين القسوة واللين في ردود أفعاله.

ثغرات متعدّدة

المسلسل تعرّض للعديد من المشكلات الاجتماعية التي تنجرّ عن الزواج الثاني للأب، وما يسبّبه من عقد نفسية للأبناء
المسلسل تعرّض للعديد من المشكلات الاجتماعية التي تنجرّ عن الزواج الثاني للأب، وما يسبّبه من عقد نفسية للأبناء

نذكر هنا أن المخرج محمد كاظم يخوض من خلال هذا المسلسل أول تجاربه في مجال الإخراج الدرامي بعد عمله طويلا في مجال المونتير. واستعان مخرج العمل بشكل مكثف بلقطات الفلاش باك، كما يبدو أنه استفاد كثيرا من عمله في مجال المونتير ما انعكس على اهتمامه بالتفاصيل.

الجانب الأضعف في العمل يتمثل في النص الذي انطوى على العديد من الثغرات ونقاط الضعف. نذكر منها مثلا تلك الأسباب التي دعت الأب إلى ترك أبنائه على هذا النحو، وكذلك عدم تمكّن أسرته من العثور عليه لأكثر من عشر سنوات على الرغم من كونه رجل أعمال ناجح ومعروف. كما أن إقدام الفنان أحمد إيراج على الزواج من الشابة منيرة يبدو أنه كان في حاجة إلى معالجة أكثر منطقية، فدافع الارتباط لمجرّد لفت انتباه أسرته كان ضعيفا وفي حاجة إلى مُسوّغ أكثر قوة وإقناعا.

في جانب آخر أطنب المسلسل في التعرّض للعديد من المشكلات الاجتماعية التي تنجرّ عن الزواج الثاني للأب، وما يفرزه من عقد نفسية لدى أبناء الزوجة الأولى المنسية، علاوة على الفقر وضيق الحال، والنظرة الاجتماعية السلبية للخارج من السجن وإن كان مظلوما، كما تطرّق المسلسل إلى ثيمات الطمع وحب المال والعنوسة والبحث عن شريك مناسب، ثم جريمة قتل وتحقيقات جنائية دون سابق إنذار، وكلها عقد درامية، لا يكاد يخلو مسلسل كويتي منها متى تناول ثنائية الصراع بين الخير والشر، ليستشري الشر ويتمدّد ويتجبّر، لكن العدالة السماوية تتدخل في موعد لا تخالفه، فينتصر الخير ويعمّ السلام، وتنتهي الحكاية.

16