داود وجورج قرم الأب والابن والرسم بينهما

الأحد 2016/07/17
داود وجورج قرم رساما زمن النهضة العربية

لندن - لا تكتمل معادلة التاريخ الفني في لبنان من غير الوقوف بإجلال أمام تجربتهما. الأب والابن قرم، داود وجورج. ارتبط كل واحد منهما بمفصل أساس من مفاصل تطور الحركة الفنية.

من الكنائس والأديرة إلى حياة القصور

إذا قيل الرسم اللبناني فإن داود قرم، سيكون حاضرا في لحظة التأسيس. أما إذا كان الأمر يتعلق بالانتقال بالرسم إلى العصر الحديث فإن جورج قرم، سيكون حاضرا بقوة مثله في ذلك مثل أبناء الجيل الثاني من الرسامين في لبنان، حبيب سرور ومصطفى فروخ وخليل الصليبي وقيصر الجميل.

الأب والابن كانا رائدين. كل واحد منهما ترك أثرا من خطوته على صفحة أولى.

ومثل أبيه بدأ جورج رساما دينيا. وما كان بمثابة حدث خارق في ذلك الزمن بالنسبة إلى المجتمع كان أمرا عاديا بالنسبة إلى عائلة قرم. فالأب الذي درس الرسم في روما، أواخر القرن التاسع عشر، مهّد الطريق لابنه جورج للذهاب إلى باريس في العشرين الثانية من القرن العشرين، للغاية نفسها. ولم يكن غريبا أن تنجب تلك العائلة شاعرا بحجم شارل قرم صاحب “المجلة الفينيقية” وديوان “الجبل الملهم” وهو الابن الأول لداود. فالنقلة الحقيقية حدثت على يد الأب.

لقد انتقل داود قرم من رسوم الأديرة والكنائس إلى الرسوم الشخصية وهو ما فتح أمامه المجال لنيل شهرة عالمية في زمانه، من جهة صلته بالملوك والأمراء والساسة ورجال المجتمع الذين رسمهم وعاش قريبا منهم سواء في أوروبا أو في مصر أو في الأستانة، حيث ملك بني عثمان.

جورج هو الآخر اتّبع أثر خطوات أبيه في الانتقال من الرسم الكنسي إلى رسوم الحياة، بتأثير مباشر من المدرسة الانطباعية، فقام برسم المناظر الطبيعية والطبيعة الصامتة والأشخاص.

صور داود قرم بقي أثرها خالدا في ذاكرة الأجيال
وهو ما دفعه إلى أن يجرّب الرسم في بيئة مختلفة عن تلك البيئة التي ترعرع فيها وشغف بطبيعتها، فعاش في مصر ما بين عامي 1930 و1955، منعما عينيه بالطبيعة المصرية.

كان جورج فنانا مختلفا عن أبيه، غير أن ما يُحسب له أنه ورث فن أبيه وطوره في اتجاه الاندماج مع تيارات الفن التي كنت سائدة في عصره. وهو ما يعني أن عقدة الأب الشهير لم تتمكن منه كما يحدث مع أبناء المشاهير بل كانت شهرة الأب حافزا له لصناعة شهرته الشخصية من خلال الفن.

معلم في سن التاسعة

ولد داود قرم في بلدة غوسطا بجبل لبنان. انتقلت عائلته إلى بلدة غزير الكسروانية وهناك صنعت صدفة مصيره ورسمت له خط حياته. ففي سن التاسعة رسم الفتى طيورا على إحدى صخور البلدة ظنها راهبان إيطاليان طيورا حقيقية وهو ما دفعهما إلى أن يطلبا منه أن يقوم بتدريس الرسم في المدرسة اليسوعية التبشيرية المحلية مقابل دروس في اللغة الإيطالية.

لقد قيض لذلك المعلم الطفل أن يكون بعد سنوات معلما لأجيال من الرسامين.

انتقل قرم من تعلم الإيطالية إلى تعلم الرسم في أكاديمية سان لوكا بروما بعد تسع سنوات قضاها في التدريس والرسم معا، كانت بمثابة القاعدة التي صقل من خلالها موهبته بالتمرين المستمر وعمق معرفته بأسرار الحرفة مشتبكا بعناصرها وموادها.

ذهب قرم إلى روما رساما دينيا ليتعرف فيها على المناطق الدنيوية الشاسعة التي كان الرسم يتجول فيها مستلهما جمالها. وهو ما وسّع آفاق الرسم أمامه لتكون رسومه في ما بعد وثائق تاريخية تعكس صورة المجتمع اللبناني (المجتمع العربي بشكل عام) في القرن التاسع عشر من خلال ما تضمنته من مشاهد للطبيعة والناس والأثاث والملابس والمناظر الداخلية للبيوت.

غير أن رسام البلاطين البلجيكي (كلفه ليوبولد الثاني برسم أفراد العائلة المالكة)

والمصري (رسم صورة شخصية للخديوي عباس الثاني) كان قد أنجز صورا شخصية لعدد كبير من أدباء عصره وكتّابه ولغوييه وصحافييه. وهي صور بقي أثرها خالدا في ذاكرة الأجيال. من الكتاب الذين رسمهم نذكر جورجي زيدان مؤسس مجلة الهلال ومؤلف الروايات التاريخية، وإبراهيم اليازجي عالم اللغة والصرف ومؤلف المعاجم، وسليم البستاني الصحافي والمترجم، وبطرس البستاني صاحب “دائرة المعارف” وقاموس “محيط المحيط”.

رسوم جورج قرم في تتحول إلى وثائق تاريخية تعكس صورة المجتمع اللبناني

الابن العائد من باريس

هل كان داود قرم أول رسام عربي للصور الشخصية؟ على الأقل هذا ما أعرفه. غير أن من المؤكد أن قرم كان أول فنان تشكيلي يشترك في معرض دولي، وحدث ذلك عام 1889 في معرض فرساي بفرنسا.

لم يكن جورج وهو الابن الثاني لداود ظلاّ لأبيه. كان سرّه في الموهبة والنبوغ والشغف بالرسم. غير أنه كان ابنا لجيل مختلف. لم يكن وحيدا مثلما كان أبوه. كان هناك رسامون لبنانيون يشاركونه شغف اقتحام مناطق النخب الأرستقراطية بالرسم.

كما أن ذهابه إلى باريس لتعلم الرسم، يوم كانت الانطباعية لا تزال حية وإن لم تكن في ذروتها، زوده بقيم جمالية جديدة. وهو ما دفع به إلى اتخاذ موقف متشدد من المدارس الفنية الحديثة التي كانت تسعى إلى أن تحلّ محل المدارس الكلاسيكية الراسخة من خلال ممارسة شتى صنوف الهدم.
جورج الذي كان شاعرا بالفرنسية اهتم كثيرا بإحياء القيم الفنية الكلاسيكية في الفن. ومثل أبيه اهتمّ بتوثيق حياة المدن التي عاش فيها، غير أنه رسم الناس العاديين أيضا وبالأخص في مرحلته المصرية التي مثّلت الجزء الأكبر من حياته.

في وقت مبكّر من حياته نال جورج وسام الأكاديمية الفرنسية بدرجة فارس، وقبل أن يعود إلى بلده بسنة انتخب عضوا في الجمعية الملكية للفنون بلندن. أما حين عاد إلى لبنان فإن مشروعه الفني كان أكبر من ممارسته الفنية المباشرة. لقد أسهم قرم الابن في إنشاء المتحف الوطني والمعهد الوطني للموسيقى مع الموسيقيّ وديع صبرا وقدم مشاريع عدة إلى الحكومة لإنشاء معهد للرسم والفنون وكان دوره رئيسا في تحويل فيلا سرسق إلى متحف للفنون. وهو المتحف الذي لا يزال قائما حتى اليوم.

جورج قرم اهتم بإحياء القيم الفنية الكلاسيكية في الفن

الابن الذي لم يكن ضالا

أكمل جورج مسيرة أبيه داود الذي يعد بحق رائدا للرسم في لبنان. كان هناك رسامون سبقوه إلى الحرفة، غير أن رسومهم كانت حكرا على الكنائس والأديرة. وكانت تلك الرسوم دينية خالصة. قرم الأب والابن كانا رسامين تقليديين، غير أن أهميّتهما تكمن في أنهما أقاما وشائج صلة بالرسم في عصرهما، من حيث الأسلوب والموضوعات.

وقد تبدو كلمة عصرهما مضللة أكثر في حالة الابن جورج لا في حالة الأب داود. لقد امتزج الأب بعصر النهضة ولم يكن في إمكان روما أن تقدم له شيئا آخر. أما الابن فقد أغمض عينيه عن سيزان وقبله مونيه ومانيه ورينوار وديغا وتولز لوتريك ليعود إلى دافيد وأنغر. عاد إلى لبنان بالـ”نيو كلاسيكية” ليكون رسّام زمانه. وهو ما كان يأمل فيه ويسعى إليه.

ومع ذلك فإن الابن لم يخطئ طريقه، لا لأنه فعل ما لم يكن يشكل سببا لغضب الأب، بل لأنه استجاب لمرحلة التأسيس الثانية وهي المرحلة التي خرج من معطفها الكثير من الرسامين اللبنانيين الذين كان لهم الفضل في تبنّي ونشر مفاهيم الحداثة الفنية في لبنان والعالم العربي. لقد وجد أولئك الفنانون في تجربة جورج قرم وسواه من أبناء جيله حائطا صلبا يستندون إليه وهم ينتقلون بالفن إلى مناطق أسلوبية جديدة.

10