دبدوب مشنوق ومصلوب

وكأن الفوضى لا تكفي، فإن البائع اختار طريقة "قاسية" لعرض دميتين لدببة. للدبدوب الوردي اختار أن "يشنقه"، وللدبدوب الأحمر اختار أن "يصلبه".
الأربعاء 2020/03/11
الدمى في العراق تواجه دائما نهايات حزينة

صورة لافتة من سوق العشار في البصرة. دكان لبيع ألعاب الأطفال يعرض بضاعته أمام المحل، ويقف البائع ينظر إلى موظف الدفاع المدني وهو يرش دمية دب معلقة بمادة مطهرة في مقاومة لفايروس كورونا. الكل يفكر بكورونا، لكن ما لفتني هو دبدوب المشنوق.

فوضى عرض الألعاب لا تختلف عن فوضى عامة في العراق. ربما تجد نصف محتويات الدكان معروضة خارجه. البائع يريد أن يجتذب أعين الصغار المارين ويغريهم بما يقدم من لعب. لا حاجة للقول بأن الصورة تبين نوعية “صينية” متواضعة من اللعب. وزيادة في التواضع، وضعت اللعب في صناديق كرتون تساعد في الإحساس بالتكدس.

طفل معجزة هذا الذي سيأتي لاختيار لعبته. سيستعين بـ”صديق” وأب وأم وخال وعمة. لا فرصة له لكي يتعلم ذوق تقديم الأشياء أو احترامها، وذوق اختياره لها. ستبدأ علاقته باللعبة بطريقة سيئة. وستكون اللعبة بين يديه، بين تكسيرها بسبب علاقة الطفل بها، أو بسبب نوعيتها الرديئة. طريقة التقديم هذه أول دعوة للطفل لكي لا يهتم بالأشياء ويقدرها. الدمى في العراق تواجه دائما نهايات حزينة.

وكأن الفوضى لا تكفي، فإن البائع اختار طريقة “قاسية” لعرض دميتين لدببة. للدبدوب الوردي اختار أن “يشنقه”، وللدبدوب الأحمر اختار أن “يصلبه”. يمر الطفل أو الطفلة، أو حتى الكبير، فيرى الدبدوب الذي سيأخذه للبيت ليحتضنه ويلاعبه، وقد كان معلقا، مشنوقا أو مصلوبا.

لست خبيرا نفسيا أو لدي ما يكفي من معرفة في علم نفس الطفل. ولكن ثمة شيء غلط في كل هذا. نتحدث بقلق عن تربية العنف في خواطر الأطفال مبكرا، فينشأون عليه ويتربون على أنه جزء أصيل من الحياة. العنف في المنزل على يد الآباء والأمهات والإخوان والأخوات الأكبر، وفي الشارع والمدرسة على يد أبناء الحي والزملاء والمدرسين القساة، والعنف الذي تمارسه الدولة والميليشيات وداعش، ثم على يد بائع يقدم له دبدوبا كان الهدف من صناعته في الأصل تعلم التعامل مع الحيوانات برقة واستئناس، لكنه ينزله له عند شرائه من “حبل المشنقة”. هذه فجوة حقيقية تتأصل في النفس وسيكون لها ما يكون في مستقبل الطفل وعلاقاته مع الآخرين ومع الأشياء. يتعلم أن يحترم صورا دينية ويقدسها، لكنه يستهين بالإنسان والدبدوب الرقيق.

إذا كنا نقدس العنف إلى هذه الدرجة، ما لنا والدبدوب؟

24