دبلوماسيات العمق الاستراتيجي

الاثنين 2017/05/22

تمثل الزيارة الخارجية الأولى لأي رئيس جديد، البوصلة والمحدّد لتوجهاته الدبلوماسية طيلة ولايته الرئاسية، وبمقتضى طبيعة العاصمة السياسية والاقتصادية التي يقصدها الفاعل الرسمي يكون عادة الخيط الناظم لعلاقاته ولسياساته الاستراتيجية.

اختار الرئيس الأميركي دونالد ترامب المملكة العربية السعودية كأوّل إطلالة ضمن زياراته الخارجية، وحقّ لنا أن نعتبر بصورة مقلوبة أنّ السعودية حرصت كثيرا على هذه المسلكيّة الخارجيّة وسعت إليها، لا فقط لأنّ نقاط التمثّل الاستراتيجي حيال الحرب على الإرهاب وقواسم تمثيل الإرهابيين في الشرق الأوسط تكاد تكون متماهية، بل أيضا وهو الأهمّ لأنّ الرياض تدرك تمام الإدراك أنّ منظومة مقاومتها للمد الإيراني ومقاربة استهدافها للجماعات المسلحة المدعومة من طهران في سوريا والعراق ولبنان واليمن، لا تكونان ناجحتين وناجعتين إلا عبر تحالف إقليمي دولي استراتيجي على رأسه الولايات المتحدة الأميركية.

وفي الحالتين، كان الاستحقاق الأمني والعسكريّ أساسا مناط زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للعاصمة السعودية الرياض وجوهر القمم الثلاث التي عقدت بحضوره، القمة السعودية الأميركية، القمة الخليجية الأميركية، والقمة العربية الإسلامية الأميركيّة.

بالتوازي مع الزيارة التاريخية لترامب، زيارة أخرى لا تقلّ أهمية وعمقا استراتيجيا أداها الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون إلى مالي حيث تفقد القوات الفرنسية العاملة هناك وتفحّص معها فرص السلام المستعصي في منطقة الساحل الأفريقي.

الإرهاب المتنامي في منطقة الساحل الأفريقي والقابض على مناطق واسعة في شمال القارة والمهدّد للسواحل الجنوبية للقارة العجوز، شكّل أيضا محور الزيارة الأولى للرئيس الفرنسي ماكرون الذي اختار الدفاع عن الأمن القومي لبلاده في الجغرافيات البعيدة نسبيّا، والذهاب إلى أقاصي الضفاف المنسيّة في سباسب أفريقيا حيث يتحالف الإرهاب مع الفقر والتطرّف مع انعدام الفرص، وحيث توظف بعض القوى الإقليمية الكبرى مقدراتها ومقوماتها للرقص مع رأس الأفعى. هي إذن دبلوماسيات العمق الاستراتيجي، يسطرها اليوم دونالد ترامب وإيمانويل ماكرون بابتعادهما في زياراتهما البكر عن الجغرافيات السياسية الكلاسيكية، ألمانيا وأوروبا بالنسبة إلى ساكن الإليزيه، وكندا والقارة الأميركية عموما بالنسبة إلى سيد البيت الأبيض، والانخراط أكثر في تأمين منظومات الأمن القومي ابتداء من دوائر المكان البعيدة عن المركز.

ليس غريبا بالمرة أن يعين ماكرون وزير الدفاع السابق جون إيف لودريان وزيرا للخارجية، فصاحب حقيبة الدفاع زمن الرئيس السابق فرنسوا هولاند يتنزّل في صلب مقاصديّة دبلوماسيات العمق الاستراتيجي، حيث أنّه كان صاحب نظريّة ضرب الإرهاب في معاقله في مالي ومنطقة الساحل الأفريقي عموما، وكان من أكثر المتحمسين في مقاربة انخراط باريس في الجهد الدولي لمحاربة إرهابيي داعش في سوريا والعراق سيما عقب العمليات الإٍرهابية التي استهدفت فرنسا.

وعلى الرغم من حالة الاستقالة العسكرية المؤقتة التي أعلنتها فرنسا حيال المشهدية العسكرية المعقدة في مالي في عهد هولاند، واستعصاء تطبيق الحل السياسي في البلاد بقيادة الوسيط الدولي الدبلوماسي التونسي المنجي الحامدي، فإن الرئيس الفرنسي الجديد وباعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة الفرنسية اختار زيادة الانخراط ضمن الجهد العسكري والأمني في منطقة الساحل وأفريقيا عموما.

تدرك فرنسا ماكرون أنّ مقولة الأمن القومي تتجاوز ضوابط الجغرافيا المحلية بل وحتّى الإقليمية، فأمن باريس يبدأ من فيافي البادية بين العراق وسوريا وأمن فرنسا يضبط من صحراء مالي وأرياف باماكو، كما أنّ أمن أميركا لا يتوقف عند الحدود الجنوبية مع المكسيك وإنما توضع لبناته البكر في الشرق الأوسط ضمن تمثّل واشنطن لكينونة الإرهاب وشخوصه أيضا.

المفارقة أنّ دول شمال أفريقيا المتاخمة لمنطقة الساحل الأفريقي لا تنظر إلى المسألة بالاستحقاق الوجودي المطلوب والأهمية المستحقة، على الرغم من أنّ الخطر الإرهابي بات يتجسّد بصورة أكثر قتامة في الجنوب الليبي وفي الجغرافيا الغربية المصريّة، والأدهى والأمرّ أنّه يتغذّى من الواقع الاجتماعي والاقتصادي المتدهور في معظم الأقطار المغاربية.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

8