دبلوماسية الثقافة بين مصر والسعودية

الاثنين 2017/02/06

العلاقات بين الدول تتحكم في مفاصلها أدوات كثيرة، وتصعد وتهبط بناء على ما يريده صناع القرار، لكن البعض يترك مساحة أو هامشا للمرونة أو للمناورة، عندما تصاب أحيانا القنوات الرسمية بشيء من الانسداد ويصعب التواصل عن طريق الدبلوماسية المباشرة، خاصة إذا وصل الخلاف إلى درجة تمسّ وترا مهما في سياسة الدولة. هنا تظهر أهمية الوسائل غير التقليدية لفتح ثغرة في الجدران الصلبة، وحتى لا يؤدي التوتر إلى قطيعة والتباين في وجهات النظر إلى خصام، فيحتاج الأمر إلى إجراءات صعبة وترتيبات مكلفة، تحرص الأطراف المعنية على التجاوب مع أيّ بادرة إيجابية، يمكن أن تمهّد المجال لتجاوز العقبات، أو على الأقل تحول دون استفحال الخلاف.

الحصيلة تتوقف على الدول التي ترسل الإشارات، وكذلك تلك التي تستقبلها، لأن الوصول إلى نتيجة جيدة من الضروري أن تتوفر له نوايا صافية من المرسل والمستقبل معا، فمن المستحيل أن يكون حبل الودّ والتواصل ممدودا من طرف واحد، فوجود الاستعداد والإرادة وردّ الفعل المواتي مسألة في غاية الأهمية، لأن الدبلوماسية الناعمة لا تعمل في فراغ، فهي تحتاج إلى قوّة معنوية تساندها، ولا بدّ أن تكون البيئة والأجواء والظروف السياسية مهيّأة تماما.

النموذج المصري- السعودي في مهرجان الجنادرية، يبدو معبّرا حقيقيا عن تعقيدات المعادلة السابقة، ففي ظل توتر مكتوم رسميّا ومعروف إعلاميا، وصلت العلاقة بين القاهرة والرياض إلى مرحلة جعلت الكثيرين يشعرون بالخطر على مصيرها، وكل محاولات تقريب المسافات، من قبل دول عربية حاولت الوساطة، أخفقت ولم يحالفها النجاح، وشعر البعض بالخطر من استمرار القطيعة، في وقت تحتاج فيه كل دولة إلى الأخرى.

صحيح حرصت كل من مصر والسعودية على تجنب التصعيد مباشرة في الملفات والقضايا الخلافية، ولم تُقدم أيّ منهما على ما يضاعف من سمك الهوة، لكن أيضا لم تتنازل كلتاهما عن موقفهما السياسي محل الخلاف، ربما فرضت الأوضاع على هذه الدولة وتلك اتباع تكتيكات معيّنة، غير أنهما في النهاية لم تفلحا في ردم الفجوة، وبدا الشقاق مخيّما على العلاقات، والميزة أن الفجوة التي لم يتمّ تخطيها لم تتصاعد وتبلغ حدّا يقطع الطريق على العودة.

من هذه الزاوية، كان اللجوء إلى الوسائل الناعمة مدخلا مناسبا لاسترجاع جانب من الدفء الذي كادت البرودة تحوّله إلى ثلج، ونجحت السعودية في توظيف ما يوصف بـ”دبلوماسية الثقافة” للاستعاضة بها عن تراجع دور الدبلوماسية التقليدية، وكان مهرجان الجنادرية فرصة جيدة، وعكست دعوةُ السعودية لمصر كضيف شرف للمهرجان عمق الروابط، وأن هناك جهات تعمل لتستعيد رونقها وجاذبيتها.

كانت كلمات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في زيارته للجناح المصري في المهرجان، كاشفة عن روح المودّة والرغبة في طيّ الصفحة القاتمة الماضية، عندما قال “مصر قامت مرة أخرى.. مصر عادت من جديد”، الأمر الذي أكده أيضا عادل الطريفي وزير الثقافة والإعلام السعودي عند استقباله للوفد المصري المشارك في المهرجان.

العبارات التي خرجت من الملك سلمان في الرياض، تركت لها أصداء في القاهرة، وإذا كان المستوى الرسمي سبق وأن عبّر مرارا عن الاعتزاز بالعلاقات مع السعودية في خضم الأزمة، فإن المردود على المستوى الشعبي كان جيّدا، لأن من صوروا السعودية تناطح مصر على الزعامة الإقليمية، خاب ظنهم في وصول الخلاف درجة يصعب معها الاحتواء، ومن طربوا إلى أن الشقة دخلت نفقا أُحبطوا عندما سمعوا عبارات الثناء في الرياض، ومن روّجوا بأن الحوار على أسس استراتيجية عملية عصية، أصيبوا بخيبة الأمل.

دوائر كثيرة شعرت بالارتياح في القاهرة من الاحتفاء السعودي بالحضور المصري في الجنادرية، وتيقنت أن الفترة المقبلة متوقع لها أن تشهد تحركات سياسية تفوق حجم ما كشفت عنه دبلوماسية الثقافة، واستشهدت بنتائج الزيارة التي قام بها سامح شكري وزير الخارجية المصري إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وحضوره مؤتمرا تشاوريا لوزراء الخارجية العرب في أبوظبي مؤخرا، وأن الملف الإيراني كان حاضرا بقوة، حيث جرى التباحث بشأن التجاوزات التي ترتكبها طهران في حق دول عربية عديدة.

اللافت أن القاهرة، أصبحت تتعامل بوضوح أكثر حيال ملف إيران، الذي تعتبره الرياض مثيرا وحساسا، ورفضت الانسياق وراء المغريات التي قدمتها طهران، مباشرة أو عبر قناة العراق، وحرصت على أن تظهر قربها من الموقف العربي العام الراغب في منع تمدّد إيران بكل الوسائل، وهو ما بعث برسائل طمأنة للسعودية وغيرها من الدول الخليجية، ويشي بأن الوصول إلى حلول وسط بين القاهرة والرياض في الكثير من الملفات عملية يمكن بلوغها، لأن المصالح الاستراتيجية لا تفرض فقط عدم التمادي في الخلاف، لكن أيضا التمهيد لتطويقه.

وسمعت من مصدر سياسي مصري، أن المصلحة الحيوية تقتضي الحفاظ على علاقات قوية مع السعودية، مؤكدا رفضه لمحاولات البعض في القاهرة والرياض، النفخ في التباين الظاهر في المواقف، خاصة وأنه يبدو منحصرا في تفاصيل بعض القضايا، ولم يصل إلى العمق، كما أن استمرار القطيعة السياسية، سوف تكون له مردودات سلبية كبيرة على الدولتين، عندما يتمّ التطرق إلى العناوين الخفية للتسويات السياسية ومستقبل الأزمات الساخنة في المنطقة.

بالتالي فالتفاهم والتعاون ضرورة للحد من الخسائر وتعظيم المكاسب ما يجعل من رسائل الثقافة ذات معان سياسية، يدركها أولي الأمر هنا وهناك، ومن المنتظر أن يكون التحرك المقبل من جانب مصر، يتجاوز البعد الثقافي ويصل إلى جوهر البعد السياسي. كما أن الهدوء الذي أصبح سائدا في غالبية وسائل الإعلام المصرية والسعودية، مقدّمة تعزز فكرة عدم استبعاد الإقدام على مبادرة قريبا، ويوحي بأن شيئا ما يتمّ تجهيزه في الغرف لكسر حاجز الصمت السياسي الراهن، وما حدث في مهرجان الجنادرية من الإرهاصات المهمّة يؤكد أن ثمّة خطوة كبيرة حان أوانها.

كاتب مصري

9