دبلوماسية الفيزا.. أداة نافذة المفعول في السياسة الخارجية

بينما تشدد الإدارة الأميركية إجراءات الدخول إلى أراضيها، تقدم دول أخرى تسهيلات لدخول المهاجرين والأجانب، فيما تستغل دول ثالثة الأوضاع لتستفيد من برنامج الإعفاء من تأشيرات الدخول، ضمن سياسات وتعقيدات تحول الفيزا من مجرد إجراء أمني روتيني إلى أداة دبلوماسية مهمة في السياسات الخارجية للحكومات.
الخميس 2017/03/09
ورقة العبور

أبوظبي – يسلط الجدل الذي تثيره فكرة العزلة الأمنية المتصاعدة في الغرب الضوء على سياسة تأشيرات الدخول ومدى أهميتها في ترسيخ هذه العزلة، وأيضا تداعياتها على تعقيد إجراءات دخول الأجانب لبعض الدول؛ وهي تعقيدات تضعها دراسة صدرت عن مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، ومقره أبوظبي، ضمن سياسة تحول تأشيرات الدخول من إجراء أمني إلى أداة دبلوماسية تلعب دورا هاما في السياسات الخارجية للدول.

أداة السيادة

كان السياسي الأميركي بيتر رودينو يعتقد أن “ممارسة السلطات والمهام المخولة للمكاتب القنصلية في الخارج، لا سيما تلك المتعلقة بمنح تأشيرات الدخول أو رفضها؛ تكون لها تداعيات بعيدة المدى على حياة الأفراد الراغبين في الدخول إلى الولايات المتحدة، كما أنها تؤثر على السياسة الخارجية الأميركية، وعلى إدراك الآخرين، ورؤيتهم للولايات المتحدة، والأكثر من ذلك أنها تؤثر على أمننا القومي ومصالحنا”.

عبّرت هذه المقولة عن الأهمية المركزية التي باتت تشغلها “تأشيرات الدخول” في السياق الدولي المعاصر، بما يتسم به من زيادة التدفقات البشرية بين الدول والناجمة بشكل أو بآخر عن ظاهرة العولمة وتداعياتها، والكيفية التي شكلت من خلالها ملامح العلاقات بين الدول بعضها البعض، فضلا عن العلاقات مع الفاعلين من غير الدول. وهكذا تم استدعاء مقاربة “دبلوماسية الفيزا”، كإحدى المقاربات التي تُمكِّن الدولة من التعاطي مع المتغيرات العالمية الراهنة.

وتشير دبلوماسية الفيزا إلى العملية التي يتم عبرها استخدام آلية تأشيرات الدخول (الفيزا)، سواء بإصدار التأشيرات لمجموعات ومواطني الدول الأخرى أو برفض إصدارها ومنعها. وتصبح التأشيرات وفقا لهذا الطرح إحدى أدوات السياسة الخارجية للدول التي يمكن من خلالها تنفيذ أهداف الدول ومصالحها بعيدا عن اللجوء إلى الأدوات العنيفة الأكثر تكلفة.

وارتبط طرح مقاربة “دبلوماسية الفيزا” بحصيلة التفاعل بين مُتَغيِّرَيِ السيادة والعولمة، فبالرغم من التحديات التي واجهتها الدولة القومية خلال العقود الماضية، فقد ظلت العنصر والمكون الأساسي في النظام العالمي بصورة استتبعت الإبقاء على فكرة “السيادة” كشرط أساسي لاستمرار الدولة، وقد تكفلت فكرة السيادة بمنح “دبلوماسية الفيزا” حيويتها وفعاليتها باعتبارها حيزًا تكشف من خلاله الدولة عن سلطتها وسيادتها.

التأشيرات إحدى أدوات السياسة الخارجية للدول التي يمكن من خلالها تنفيذ أهداف الدول ومصالحها بعيدا عن اللجوء إلى الأدوات العنيفة الأكثر تكلفة

ويعرف أرستيد زولبيرج في كتابه “أمة حسب التصميم” تأشيرات الدخول بأنها شكل من أشكال السيطرة الإقليمية على أراضي الدولة، لأنها تسمح للأخيرة بممارسة نوع من أنواع “التحكم عن بعد”. ومن ثم، تُمكِّن تلك التأشيرات الدولة من السيطرة والتحكم المسبق والوقائي في حركة التنقلات إلى داخل إقليمها، وهو ما يعني القدرة على منع دخول الأشخاص غير المرغوب فيهم أو الذين ترى أنهم يشكلون تهديدا لأمنها.

وفيما كانت السيادة تشكل الملمح الأوَّلي لدبلوماسية الفيزا، فقد مثّلت العولمة، بما تنطوي عليه من فرص وتحديات، عاملا جوهريّا يؤثر في الكيفية التي تُدير من خلالها “دبلوماسية الفيزا” العلاقات الخارجية للدول.

وخلقت العولمة عالما بلا حدود، على حد توصيف إريك نيوماير في دراسته المعنونة بـ”الوصول غير المتكافئ إلى المساحات الخارجية”. ويتسم هذا العالم بدرجة كبيرة من التداخل بين المجتمعات وتزايد حركة التنقلات المتبادلة والهجرة وتعاظم أهمية العلاقات الاقتصادية وتجارب التكامل الاقتصادي.

وانطوت التحولات العالمية الناجمة عن العولمة على تحديات رئيسية، لعل أبرزها بزوغ أنماط جديدة من التهديدات غير التقليدية مثل: الإرهاب العالمي والجريمة المنظمة، ناهيك عن تزايد حدة الانقسامات بين الدول النامية والدول المتقدمة بصورة جعلت الأخيرة مركزا لاستقطاب أعداد هائلة من المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين. دفعت مثل هذه التحولات الكثير من الدول إلى استدعاء الوجه السلبي لدبلوماسية الفيزا، والتراجع عن مسارات تحرير التأشيرات في الكثير من الأحيان بدافع الحفاظ على الأمن الداخلي.

يفترض كيفين سترينجر في دراسته “دبلوماسية الفيزا” أن سياق ما بعد انتهاء الحرب الباردة والنظام العولمي الجديد شهد تناميا للاهتمام بما يطلق عليه مجالات السياسة الأقل المتمثلة في التجارة والسياحة والهجرة وغيرها من الأشكال التقليدية التي تدخل ضمن نطاق الأعمال القنصلية للدولة. وعليه أصبحت تأشيرات الدخول أداة هامة من أدوات السياسة الخارجية للدولة.

واستنادا إلى فرضية سترينجر تبدو “دبلوماسية الفيزا” في تجلياتها الإيجابية والسلبية محكومة بعدد من المداخل الرئيسية، والتي على أساسها تدير الدولة علاقاتها الخارجية؛ وهذه المداخل هي:

◄ تعزيز الدور: الدولة قد تسعى عبر تحرير تأشيرات الدخول (الوجه الإيجابي لدبلوماسية الفيزا) أو حتى تسهيل إجراءات إصدارها، إلى تعزيز دورها الإقليمي والدولي، والتسويق السياسي لها ولقيمها، ومحاولة خلق صورة ذهنية لها على أنها دولة جاذبة قادرة على الانفتاح على العالم الخارجي، فضلا عن كون هذا التوجه يتضمن مكاسب اقتصادية، خاصة في حالة الدول التي تعتمد بشكل كبير على إيرادات السياحة.

وظهرت أهمية فكرة تعزيز الدور، على سبيل المثال، في حالة الاتحاد الأوروبي بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الكتلة الشيوعية، حيث سعى هذا الاتحاد وخاصةً بعد تطبيق اتفاقية شنجن، وإلغاء تأشيرات الدخول بين الدول الأعضاء في الاتفاقية، إلى تمديد علاقاته مع دول كانت في الماضي ضمن النطاق الحيوي للاتحاد السوفيتي السابق (مثل جورجيا وأوكرانيا). إذ تم التفاوض مع الدولتين حول تحرير تأشيرات دخول مواطنيها إلى دول الاتحاد، بالإضافة إلى الخطوات المماثلة التي اتخذها الاتحاد الأوروبي مع دول غرب البلقان، والتي انتهت بتحرير تأشيرات الدخول لمواطني هذه الدول، ولا يمكن إغفال أن هذه الخطوات كانت تستهدف بشكل أو بآخر تعزيز دور الاتحاد الأوروبي وقدرته التنافسية في النظام العالمي المعاصر.

دبلوماسية الفيزا تتحرك وفق توجهات الدولة

التنافس الدولي: في خضم التنافس الدولي الراهن بين عدد من القوى حول قيادة النظام الدولي، تم توظيف “تأشيرات الدخول” كإحدى أدوات إدارة التنافس والصراع بين تلك القوى، وذلك في ضوء ما تتسم به من دلالات رمزية وقدرة على ترجمة أهداف السياسة الخارجية للدولة.

ويُشير فلوريان تراونر إلى أن مفاوضات الاتحاد الأوروبي مع أوكرانيا بشأن تحرير تأشيرات الدخول “تُعد جزءًا من مشهد التنافس بين الاتحاد وروسيا حول التوجهات الاستراتيجية لكييف”.

وتجلت آلية “تأشيرات الدخول” في الصراع بين الولايات المتحدة والصين من خلال السياسة التي تبنتها واشنطن تجاه قضية تايوان، حيث كانت اللحظة الأبرز في هذه السياسة في عام 1995، حينما أصدرت الولايات المتحدة تأشيرة دخول للرئيس التايواني آنذاك لي تنج هوي.

وأثار هذا الأمر حفيظة الصين لأنه كان بمثابة اعتراف رسمي أميركي بتايوان، كما أن بكين اعتبرت هذا التصرف تدخلا في شؤونها الداخلية، لأنها ترى في تايوان امتدادا لها وجزءا من أراضيها تسعى إلى إعادة التوحد به.

◄ تغيير سلوك الفاعلين: تستخدم الدولة دبلوماسية الفيزا لإحداث تغيير في سلوك الفاعلين الآخرين، فالتأشيرات في هذه الحالة تصبح أداة لتوصيل رسائل معينة للآخرين لإقناعهم بتغيير سلوكهم.

ومن النماذج المطروحة في هذه النقطة الكيفية التي تعاطت بها الولايات المتحدة مع جيري آدامز، زعيم حركة شين فين الذراع السياسية للجيش الجمهوري الأيرلندي، حيث وافقت واشنطن على إصدار تأشيرة دخول لآدامز في 1994 وذلك بعد سنوات من رفضها دخوله إلى الولايات المتحدة.

هدف السماح لآدامز بالدخول إلى الولايات المتحدة إلى إرسال تلميحات للجيش الجمهوري الأيرلندي بإمكانية تقبله والاعتراف به، والتعبير عن التحول في سياسة الولايات المتحدة تجاه الصراع في أيرلندا الشمالية، ومحاولة لتعزيز مسار التفاوض والتسوية السلمية للصراع الذي استمر سنوات طويلة دون تمكن أي طرف من حسمه لصالحه، وهكذا اضطلعت دبلوماسية الفيزا بدور مركزي في إقناع الجيش الجمهوري بإيقاف إطلاق النار في تلك الآونة والشروع في محادثات السلام.

◄ معاقبة الدول: وفقا لهذا المدخل تُستخدم تأشيرات الدخول كأداة لمعاقبة دولة ما نتيجة لبعض سلوكياتها المرفوضة من جانب دول أخرى.

ويستدعي كيفين سترينجر نموذج تعاطي الدول الغربية مع التجارب النووية الهندية للتعبير عن الدور العقابي لدبلوماسية الفيزا. ففي أعقاب التجارب النووية التي أجرتها الهند في مايو 1998، اتجهت بعض الدول الغربية إلى معاقبة الهند والتعبير عن رفضها للتجارب النووية من خلال تقييد دخول بعض المسؤولين إلى أراضيها.

على إثر هذه التجارب النووية، رفضت بريطانيا في مايو 1998 إصدار تأشيرات دخول أربعة علماء من الهند كان من المقرر حضورهم اجتماعا لمحرري موسوعة العلوم بجامعة أكسفورد، كما أعلنت الولايات المتحدة، وتفعيلا لفكرة العقوبات الذكية، أنها ستعلق إصدار التأشيرات للعلماء الهنود المتخصصين في مجال الطاقة النووية والمنتمين إلى مؤسسات بحثية حكومية، وذلك بهدف تقليل احتمالات نقل التكنولوجيا النووية.

◄ مواجهة الانتقادات: ينصرف هذا المدخل إلى توظيف دبلوماسية الفيزا لمواجهة الانتقادات التي تتعرض لها حكومات الدول، وبالتالي تتجه إلى تقييد إمكانية الدخول إلى أراضي الدولة بالنسبة للأطراف المسؤولة عن الانتقادات.

وقد ظهر هذا النموذج مؤخرا -على سبيل المثال- حينما رفضت إسرائيل في فبراير 2017 إصدار تأشيرة عمل لمدير منظمة هيومن رايتس ووتش في إسرائيل والأراضي الفلسطينية عمر شاكر، وهو الإجراء الذي اتخذته إسرائيل على خلفية تقارير للمنظمة ترصد انتهاكات إسرائيلية لحقوق الفلسطينيين.

◄ المساومات السياسية: شهدت العقود الماضية استخدام دبلوماسية الفيزا ضمن إطار أوسع من المساومات السياسية بين الدول. ولعل النموذج الأبرز على ذلك نموذج العلاقات التركية الأوروبية، فقد ظلت تركيا لعقود يراودها حلم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

ومن ثم كانت ترى في مفاوضات تحرير التأشيرات مع الاتحاد (التي تم إطلاقها في ديسمبر 2013) المدخل للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وفي المقابل استمر الاتحاد الأوروبي في فرض شروطه على تركيا ومطالبتها بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والأمنية الكفيلة بتأهيلها للحصول على امتياز “إلغاء تأشيرات الدخول”.

تأشيرات الدخول تعد شكلا من أشكال السيطرة الإقليمية على أراضي الدولة لأنها تسمح للأخيرة بممارسة نوع من أنواع التحكم عن بعد

وبمرور الوقت كانت المفاوضات بين الطرفين تخرج من الإطار التفاوضي التقليدي لتدخل في إطار المساومات السياسية، خاصة مع ما أنتجته صراعات الشرق الأوسط من موجة هائلة من المهاجرين المتجهين إلى أوروبا، فتركيا تربط بشكل أو بآخر بين قضية إعفاء الأتراك من تأشيرة الدخول إلى الاتحاد الأوروبي وبين مواجهة الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.

وليس أدل على ذلك من تصريحات وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو لصحيفة “بيلد” الألمانية في أغسطس الماضي بأن “على الاتحاد الأوروبي أن يعفي الأتراك من تأشيرة الدخول اعتبارا من أكتوبر، وإلا فإن تركيا ستصرف النظر عن العمل باتفاق الهجرة الذي تعهدت فيه بوقف تدفق اللاجئين غير الشرعيين إلى أوروبا”.

وعلى الصعيد الأوروبي يبدو الموقف أكثر تعقيدا، ويتنازعه اتجاهان؛ أحدهما يتعامل بشكل براغماتي مع قضية تحرير التأشيرات مع تركيا، على اعتبار أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى تركيا للسيطرة والتحكم في نقطة الدخول الرئيسية للهجرة غير الشرعية إلى دول الاتحاد الأوروبي والمتمثلة في الحدود التركية اليونانية، بينما يرفض الاتجاه الآخر إلغاء تأشيرات الدخول للأتراك، بحجة أن مثل هذا الإجراء سيزيد من خطر وقوع هجمات إرهابية في الدول الأوروبية.

◄ العزلة الأمنية: وهي العزلة التي ارتهنت بتنامي الشعور بالتهديدات الأمنية الخارجية لدى الكثير من المجتمعات الغربية، وقد كانت الإرهاصات الأولى لهذا الشعور عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وتوجه الكثير من الدول، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، نحو إجراءات جديدة في ما يتعلق ببرامج تحرير تأشيرات الدخول، حيث اشترطت الولايات المتحدة على مواطني الدول المشاركة (27 دولة) في برنامج الإعفاء من التأشيرات مع الولايات المتحدة حمل جوازات سفر بيومترية حتى يتمكنوا من الدخول إلى الولايات المتحدة.

وخلال السنوات الماضية اضطلع المتغير القيادي في أوروبا والولايات المتحدة بالدور الأهم في التكريس لفكرة العزلة الأمنية، ففي أوروبا تعاظم نفوذ تيارات اليمين المتطرف وشعاراتها المناهضة للمهاجرين، والمطالبة “بالعزلة الأمنية”، وساعدتها في ذلك الأزمات التي ترتبت مثلا على إلغاء التأشيرات مع دول غرب البلقان، وتزايد عدد طالبي اللجوء من تلك الدول، بصورة دفعت بعض الدول كألمانيا إلى “طلب إيقاف تدفق مواطني دول غرب البلقان”.

وفي السياق ذاته، تم طرح نظام جديد للسفر تحت مسمى إيتياس الذي من المقرر أن يطبقه الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2020، وبموجبه سيتعين على مواطني الدول المعفاة من التأشيرات الحصول على ترخيص أوتوماتيكي مسبق قبل السفر إلى دول الاتحاد الأوروبي، ومقابل رسوم مالية. وقد اعتبرت دول غرب البلقان هذا الإجراء بمنزلة تقويض لامتياز “تحرير التأشيرات” الذي حصلت عليه منذ سنوات قليلة.

وفي الولايات المتحدة، ساهم وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة في تعزيز فكرة العزلة الأمنية في الغرب. وإثر دخوله للبيت الأبيض أصدر قرارا تنفيذيّا بمنع استقبال اللاجئين لمدة 120 يوما، وكذلك حظر دخول مواطني دول مسلمة هي: سوريا والعراق وإيران وليبيا والسودان والصومال واليمن، لمدة 90 يوما (12)، لكن القرار تعرض لتعطيل قضائي، الأمر الذي دفع ترامب لتعديله بمرسوم آخر في مارس الجاري أعتبر “تخفيفا لحظر السفر” حيث يطاول ست دول فقط، مستثنيا العراق.

مسارات تحرير التأشيرات تصطدم بموجة المد الشعبوي وتصاعد الإرهاب

مراوحة الانفتاح والعزلة

ستظل تأشيرات الدخول آلية هامة من آليات السياسة الخارجية للدول، بما تنطوي عليه من دلالات السيادة والقدرة على التفاعل مع فرص العولمة وتحدياتها.

وستكون مراوحة الدول بين الوجهين الإيجابي والسلبي لدبلوماسية الفيزا محكومة بطبيعة التفاعل بين سيناريو هي الانفتاح والعزلة.

وكلما تزايدت اتجاهات الانفتاح والتكامل الإقليمي بين الدول المتقاربة جغرافيّا واقتصاديّا وثقافيّا تنامى استدعاء الوجه الإيجابي لدبلوماسية الفيزا في إدارة العلاقات الخارجية للدول عبر تحرير تأشيرات الدخول، وتسهيل الانتقالات المتبادلة لمواطني الدول.

وسيفرض سيناريو العزلة الاستحضار المستمر للوجه السلبي لدبلوماسية الفيزا، بحيث تكون الدول حبيسة لتوجهات أنماط من النخب والقادة تعطي الأولوية لتقييد دخول مواطني الدول الأخرى إلى أراضيها، وذلك استنادا لطبيعة السياق العالمي الراهن الذي يتسم بموجة كبيرة من العنف والإرهاب العابر للحدود، والصراعات الممتدة التي أفضت إلى أعداد هائلة من المهاجرين واللاجئين.

ويدعم هذا السيناريو الانعزالي الرؤية التي أصبحت منتشرة في الكثير من المجتمعات المتقدمة بضرورة الفصل بين الالتزام الأخلاقي تجاه المجتمعات النامية وحرية الانتقال بين الدول.

وقد عبر بول كوليير عن هذه الرؤية بقوله “إذا قلنا إن للفقراء الحق في الهجرة إلى أي مكان، فهذا يتضمن خلطا بين مسألتين من الأفضل أن تبقى كل واحدة منهما منفصلة عن الأخرى: التزام الأغنياء بمساعدة الفقراء وحق حرية الانتقال بين البلدان. تأييدنا للمسألة الأولى لا يعني الالتزام بتطبيق الأخرى”.

6