دبلوماسية المعابر الجزائرية

الخميس 2017/10/19

شهدت الدبلوماسية الجزائرية خلال هذا الأسبوع حدثين اثنين. يتمثل الأول في لقاء وزير الخارجية الجزائري عبدالقادر مساهل بالرئيس الموريتاني محمد ولد عبدالعزيز بنواكشوط، حيث أعلن عن قرب موعد فتح معبر حدودي بين الجزائر وموريتانيا يربط بين محافظة تندوف ومدينة أزويرات الموريتانية. أما الحدث الثاني فيتلخص في التغييرات الهيكلية الشكلية في وزارة الخارجية التي قام بها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة وليس وزير الخارجية نفسه المعني بالأمر، أو الوزير الأول أحمد أويحيى المفترض أنه المسؤول على الجانب الإداري والهيكلي للحكومة التنفيذية على الأقل.

تميزت تعديلات الرئيس بوتفليقة التي مست بعض المديريات المركزية والفرعية والمصالح الأخرى في وزارة الخارجية بعدم الرجوع إلى البرلمان أو استشارة حتى أحزاب الموالاة التي ما فتئت توفر الغطاء السياسي للنظام الجزائري، ويكشف هذا النوع من السلوك عن غياب احترام تراتبية التسلسل الإداري، وعن تدخل رئيس الجمهورية في مهام الوزراء ورئيس الحكومة والأجهزة الإدارية التي لا تعتبر من مهامه الدستورية الأساسية.

وهنا نتساءل: لماذا اختار النظام الجزائري هذا التوقيت ومدينة تندوف بالذات كمنطلق لهذا المعبر، في الوقت الذي يعلم فيه عرابو الدبلوماسية الجزائرية مسبقا أن زيارة مبعوث الأمم المتحدة الجديد، هورست كولر لكل من المغرب ولمخيمات تندوف والجزائر وموريتانيا، مبرمجة لغاية 25 من الشهر الجاري؟

ثم ما معنى هذا التهويل المفرط بخصوص فتح معبر يتيم بين مدينتين متخلفتين لا تشكلان قطبين اقتصاديين أو سياحيين أو ثقافيين، في الوقت الذي يعرف الجميع أن كل المنافذ البرية والجوية بين الجزائر وموريتانيا مفتوحة دائما، وأن هذا المعبر لا يمكن أن يقدم أو يؤخر في مجال التبادل التجاري المتواضع بين البلدين، أو يحدث أي طفرة نوعية أو أي تحول على مستوى دعم السياحة البينية التي لم تزدهر يوما في المنطقة الحدودية الجزائرية الموريتانية؟

وفي الحقيقة فإن مشروع فتح هذا المعبر ليس سوى رسالة سياسية مشفرة، ومواصلة وتعميق لسياسات النظام الجزائري المتخصصة في طمس أي محاولة لخلق انفراج في المنطقة.

من الغريب أن يدق وزير خارجية الجزائر الطبول لمشروع فتح معبر مجهري، في الوقت الذي لا يستمع فيه إلى الأصوات المنادية بضرورة فتح الحدود المغلقة بين الجزائر والمغرب منذ سنوات طويلة كمرحلة أولى تليها مراحل أكثر تقدما، في مقدمتها إجراء الحوار الأخوي الصريح بين البلدين من أجل نزع فتيل التوتر ولتحقيق التسويات الجادة للمشكلات العالقة، ثم الانتقال بعدئذ إلى بناء أسس الشراكة الاقتصادية والسياسية والثقافية بين البلدين وفي عموم المنطقة المغاربية، ونفخ الحياة في جسد الاتحاد المغاربي المتهالك قصد تحويله إلى قطب قوي بجنوب البحر المتوسط.

وفي هذا السياق يلاحظ أن التغييرات التي أحدثها الرئيس بوتفليقة في هذا الأسبوع في البنية الإدارية الهشة لوزارة الشؤون الخارجية لم تحدث أي تحول في الموقف السياسي الجزائري من القضايا المغاربية ذات الصلة بالوضع الأمني والاقتصادي، وهكذا لم يقدم الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة أي تصور علمي أو أي برنامج خاص بالمنطقة المغاربية يؤدي إلى تسوية الوضع الليبي المتأزم وفق مصلحة المنطقة المغاربية، ومساعدة تونس للتغلب على مشكلاتها الاقتصادية.

وفي الواقع فإن الترقيع الإداري الذي قام به الرئيس الجزائري لم يتجاوز إلغاء هذه المديرية المركزية أو الثانوية، أو إنشاء مديرية أخرى لتعيين المقربين على رأسها، أما الإستراتيجية الكبرى لوزارة الخارجية الجزائرية التي تعني انخراط الجزائر في ترقية المؤسسات المغاربية والدولية ذات الطابع السياسي والعلمي والثقافي والتربوي والاقتصادي، فليس لها وجود يذكر بل إن وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية وما يتفرع عنها من سفارات وقنصليات ومؤسسات تحولت إلى مجرد منتديات يعين فيها المسؤولون الأمنيون والعسكريون والإداريون المتنفذون، والسياسيون الفاشلون الذين يكافئون بالحقائب الدبلوماسية والمرتبات الخيالية.

في هذا المناخ السلبي صارت الدبلوماسية الجزائرية مختزلة في تكريس البيروقراطية وإدارة الأزمات وتعميق عزلة البلد وثقافته ومعـالمه التاريخية والحضارية.

كاتب جزائري

9