دبلوماسية تهدئة الحدود المصرية

الاثنين 2014/10/27

الجهود التي تبذلها مصر على المستوى الإقليمي مؤخرا، لا تستهدف فقط العودة لممارسة دور فاعل في المنطقة يؤكد الحيوية السياسية التي يتمتع بها النظام الحالي، لكن في جزء معتبر منها، هي سياسة هجومية، غرضها الدفاع عن النفس، ووقف العمليات الإجرامية التي تأتي إليها عبر الحدود المشتركة مع الآخرين، حيث أدى انفلات بعضها، الذي ساد فترة من الزمن إلى حدوث مشكلات بالجملة، وأفضى إلى تسرب عناصر إجرامية، وأسلحة متطورة، وقفت وراء عدد من العمليات الإرهابية.

الحدود الطويلة التي تملكها مصر مع كل من، السودان وليبيا وفلسطين وإسرائيل، كانت واحدة من المنغصات الرئيسية للدولة خلال الفترة الماضية، ضاعف من صعوبة التحكم فيها، امتدادها لمئات الكيلومترات مع عدة دول، السودان وليبيا مثلا، الأمر الذي حدثت من ورائه أزمات، كادت أن تقود إلى احتكاكات مسلحة.

لأن أي دولة في العالم لا تستطيع السيطرة الكاملة على حدودها الطويلة، لجأت مصر إلى الطرق الدبلوماسية لتهدئة الحدود، ومحاولة إطفاء النيران التي تشتعل بالقرب منها، قبل أن تمتد إليها شراراتها، خاصة أن هناك عوامل مختلفة وقوية تدفع من يقفون خلف الحدود إلى عدم الكف عن التوغل داخل الأراضي المصرية، لإزعاج أجهزة الأمن، بل والسعي إلى النيل منها بقسوة تصل إلى درجة استمتاع أصحابها بأفعالهم.

والأعداء من هذا النوع، سوف يحول الدخول معهم في مواجهات أمنية فقط المعارك إلى أزمات مركبة، تؤدي إلى ما يشبه حرب الاستنزاف، قد تتورط فيها مصر دون إرادتها، مع أي من دول الجوار، لذلك لجأت القاهرة إلى الحوار مع بعض العواصم، والتوصل لتفاهمات بشأن ضبط الحدود على الجانبين، حتى تتوقف عمليات التهريب، التي تتم بسبب غض الطرف عنها من قبل أجهزة الأمن في الدول الأخرى، أو عدم قدرتها على القيام بدورها، وفقا للمعايير التي يحددها القانون الدولي.

هذه السياسة ظهرت تجلياتها خلال الأسابيع الماضية مع كل من السودان وليبيا، فالزيارة التي قام بها الرئيس عمر البشير للقاهرة الأسبوع الماضي، أتت بثمار سياسية واقتصادية متباينة للدولتين، لكن بقي ملف الحدود من أهمها، حيث جرى تعزيز التفاهم بشأن ضبط مفاصله، التي تحوّلت لواحدة من مصادر الإزعاج للدولة المصرية، وفي هذا المجال تجاهلت القاهرة، الكثير من المشكلات التي تسببت فيها سياسات الخرطوم المتعاطفة مع جماعة الإخوان، وتيقنت أن الصدام أو استمرار الخلاف، سوف يقود إلى مزيد التسخين، وبالتالي فشل جميع الجهود المبذولة لضبط الحدود على الجانب المصري.

على الضفة الليبية، تبدو التصورات والتصرفات المصرية، حيال إنهاء الأزمة هناك مرتبطة بهذا البعد، فاستمرار السيولة الراهنة سوف يجعل من عمليات التسلل سهلة من ليبيا إلى مصر، لذلك من الضروري أن تكون هناك حكومة قوية، وجيش يمارس كافة صلاحياته، وفي هذا المضمار قدمت القاهرة مساعدات مادية ومعنوية، وطرحت مبادرة سياسية منذ حوالي شهرين، للوصول لدرجة من الهدوء تسمح في حصيلتها بالسيطرة على الحدود، ضمن أهداف أخرى مهمة.

الملاحظ أن هناك دوائر استشعرت تقدما في التحركات المصرية، عبر أساليب متنوعة، تنبع غالبيتها من مراعاة توازنات البيئة المحلية، فقامت بمحاولات لتأجيج النيران، بين مصر والشعب الليبي، تارة بتوجيه اتهامات للقاهرة بضرب مواقع ليبية، وأخرى بتشجيع فصيل على حساب آخرين، وثالثة باحتضان الحكومة والبرلمان المنتخبين، بذريعة الحفاظ على المصالح المصرية، وفي كل الأحوال لم تثبت صحة الاتهامات السابقة، وبقي أن القاهرة تساعد ليبيا لعبور أزمتها، التي تنعكس تداعياتها على الأمن القومي المصري، ولا تتوانى في البحث عن الصيغة المناسبة للوصول إلى هذا الهدف، وكانت عملية ضبط الحدود تحتل أولوية في معظم التحركات المصرية، باعتبارها مفتاح القلق المشترك، وتجاوزها يمكن أن يكون مقدمة لتجاوز مشكلات لا تقل وعورة.

على الجبهة الشرقية، في منطقة سيناء، تبدو الأزمة أعمق، فإذا كانت حدود مصر مع إسرائيل، منضبطة إلى حد كبير، بحكم اتفاقية السلام التي تربط بين البلدين، فإن الحدود مع الجانب الفلسطيني (غزة طبعا) لا يزال يشوبها قدر من الانفلات، جراء عدم التخلص تماما من الأنفاق الواصلة بين رفح المصرية ونظيرتها الفلسطينية، والغريب أن هذه المنطقة توجد بها أقصر حدود مشتركة لمصر مع آخرين، فمساحتها نحو 12 كيلومتر، ومع ذلك تمثل مشكلة كبيرة، لأن التفاهم مع الطرف المقابل (حركة حماس) لم يكن على المستوى المطلوب.

هنا يمكن فهم أحد أسباب الثوابت المصرية بشأن التمسك بوجود السلطة الفلسطينية في القطاع، فإذا كان ذلك يساهم في دعم القضية الفلسطينية وتوحيد الصفوف الوطنية، فهو أيضا يساهم في الدفاع عن الأمن القومي المصري، الذي أصبحت أبرز نقاط ضعفه الحدود مع غزة، التي تسربت منها عناصر متطرفة إلى سيناء، وتمكنت من توظيف الروابط الاجتماعية المشتركة لخدمة الإرهاب، وهو ما يفسر أحد أهم أسباب عدم توقف العنف في هذه المنطقة.

المشكلة أن السياسات التي تتبناها مصر في هذا الفضاء، يتوقف نجاحها على عاملين، أحدهما مدى تفهم الأطراف الأخرى لهذا التوجه الرامي إلى ضبط الحدود الشاسعة، كحلقة أساسية للهدوء والاستقرار في المنطقة، ومنع تسلل العناصر الإجرامية، التي من المتوقع أن تتزايد حركتها في المستقبل القريب، والثاني مدى قدرة جهات من خارج المنطقة، على تخريب ما تبنيه مصر من قواسم سياسية مشتركة مع دول الجوار، عبر وضع العراقيل أمام الحكومات المحلية وإغراقها في مشكلات أمنية صعبة، تلهيها عن التجاوب مع التحركات المصرية الإيجابية على الحدود.


كاتب مصري

9