دبلوماسية شعبية مغربية تقطع الطريق أمام دعاة الانفصال

الاثنين 2015/04/13
الصحراء المغربية قضية وطن بالنسبة لجل أطياف الشعب المغربي

الثبات والوضوح اللّذان تتسم بهما الدبلوماسية الشعبية المغربية في ما يتعلّق بقضية النزاع المفتعل حول إقليم الصحراء، بدأ يعطي أكله شيئا فشيئا مع التجاء أعداء الوحدة الترابية للمملكة، وعلى رأسهم الجزائر، إلى لعب آخر أوراقهم من خلال انتهاج سياسة التشويش على أنشطة الوفود المغربية في الفعاليات الدولية، بطرق فجّة تكشف معها عن تخبّط أصحابها أمام حل الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب، وعدم اعترافه بأيّ مظلة للنزاع المفتعل غير مظلة الأمم المتحدة.

أصبح شهر أبريل، من كل عام، مناسبة لمختلف الأنشطة السياسية والدبلوماسية المكثفة للأطراف الإقليمية المنخرطة، بهذا القدر أو ذاك، في النزاع حول الصحراء المغربية، انطلاقا من علمها بأنّه موعد أممي سنوي للتداول حول هذه القضية وتطوّراتها، منذ أكثر من عقدين، وخاصّة لبحث شروط التمديد لبعثة المينورسو ومراقبة اتّفاق وقف إطلاق النار في الصحراء من قبل مجلس الأمن الدولي.

وتعمد الدول المعنية بهذا النزاع الإقليمي المفتعل، في هذه الفترة بالذات، إلى توخّي خطابات تسعى من خلالها إلى التأثير على صانع القرار الدولي، من أجل دفعه إلى اتّخاذ إجراءات، ولو صغيرة، باتّجاه خدمة أجنداتها المتصارعة.

ويتوقع عدد من المراقبين في هذا الصدد أن تصدر مواقف متشنجة عن قيادة جبهة البوليساريو تكون في شكل تحذيرات وتهديدات للمغرب بالعودة إلى الأعمال الإرهابية، بالإضافة إلى المواقف الجزائرية المعهودة، المنحازة للانفصاليين، والتي تسعى إلى تأجيج التوتر في منطقة المغرب العربي من دعوة المجتمع الدولي إلى الاقتراب من أطروحات الانفصال التي تحرص على تجسيدها، بأيّ شكل من الأشكال، في أيّ قرار دولي، لتبرر بذلك عداءها للوحدة الترابية المغربية.

لكن هذه الحملات الاستثنائية والمرتبطة باقتراب موعد التجديد لبعثة المينورسو لا يغيّر من حقيقة سيادة الأسلوب الدبلوماسي، على ما دونه من نشاطات في ما يتعلق بملف الصحراء المغربية، سواء في شكليها الرسمي أو الشعبي، في جل مراحل وتطورات هذا النزاع.

دبلوماسية ناجعة

غالبا ما تمرّ الدول بفترات استثنائية تستدعي بدورها نوعا استثنائيا من التعبئة العامة تُجنّد فيها الدولة مختلف القوى والفعاليات التي يمكن أن تكون فعالة من أجل تحقيق أهداف سياسية ودبلوماسية إقليمية ودولية، تضمن لها الوصول إلى المبتغى، ضمن شروط ملائمة تسعى إلى الاستفادة منها إلى أقصى الحدود الممكنة. ويشمل هذا التمشي جلّ القضايا التي تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والسياسية والإستراتيجية شأن قضية الصحراء المغربية، التي احتلت مواقع متقدمة وذات أولوية خاصة في مجمل سياسة المغرب الداخلية والخارجية على حدّ سواء.

الجزائر بدأت تفكر في إماطة اللثام عن أهدافها الحقيقية والابتعاد عن التمويه إيمانا منها بأن كل أقنعتها قد سقطت

ونظرا لخصوصية قضية الصحراء المغربية، كونها قضية وطنية تهم مجمل الشّعب المغربي، بقواه وتياراته الفكرية والأيديولوجية المتعددة، فقد تمّ التعامل معها، منذ عقود طويلة، باعتبارها قضية إجماع وطني تتراجع حولها كلّ التفاوتات والتناقضات السياسية والحزبية لتشكل محور تصورات لا تختلف في جوهر الدفاع عنها باعتبارها قضية الوطن برمته، رغم بعض الاختلافات البسيطة الممكنة، في نظرة هذه القوى السياسية أو تلك إلى أساليب التّعاطي معها، بين فترة وأخرى لا سيما عندما تطرأ عليها مستجدات غير متوقعة على أي مستوى من مستوياتها.

ومن الواضح أنّ نيل قضية الصحراء المغربية لهذا الإجماع ضمن اهتمامات البلاد، من قبل القيادة والشعب، قد سهل على مختلف مكونات المجتمع والطبقة السياسية المغربية الانخراط في نوع من الدبلوماسية الشعبية شبه الدائمة، لصالح هذه القضية الوطنية، في مختلف اللقاءات مع القوى والمنظمات السياسية في مختلف أنحاء العالم، وكذلك في المحافل والمنتظمات الإقليمية والدولية التي يشارك فيها المغاربة.

الأمر الذي أدّى إلى تسجيل تقدّم ملموس في التعريف بقضية الصحراء المغربية، وبطبيعة المصالح، الفعلية وبعيدة المدى، لخصوم الوحدة الترابية، ممّا شكل رأيا عاما شعبيا ضاغطا على بعض صناع القرار السياسي في العالم، الذين لم يستوعبوا، في السابق، أبعاد النزاع لأسباب بعضها يعود لقصور الدبلوماسية المغربية وضعفها حينا، بينما يعود بعضها، وربما الأساسي منها، إلى تكريس الدولة الجزائرية لكامل ثقلها المالي والسياسي والدبلوماسي خدمة للمشروع الانفصالي القاضي بتأبيد قضية الصحراء.

وقد أدركت الجزائر أهمية الدبلوماسية الشعبية التي يعمل من خلالها المغرب على محاصرة أطروحة الانفصال، التي تعمل من أجل تجسيدها، ككيان قزمي تابع لها في أقاليم المغرب الجنوبية، وهو ما دفع بها إلى اعتماد أسلوب التشويش على الوفود الشعبية والحزبية المغربية، في مختلف النشاطات الإقليمية والدولية، التي تشارك فيها، وخاصة تلك التي تنظمها المؤسسات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات غير الحكومية، في مختلف المجالات، مثل ما وقع مؤخرا، في المنتدى الاجتماعي الدولي، الذي انعقد مؤخرا في العاصمة التونسية، حيث زجّت الجزائر بحوالي ألف وخمسمئة شخص في عملية منظمة الهدف منها هو التشويش على أنشطة الوفد المغربي.

المغاربة يتعاملون مع قضية الصحراء باعتبارها قضية إجماع وطني تتراجع معها كل التفاوتات والتناقضات السياسية والحزبية

وقد سعت الجزائر إلى محاولة ثني الوفد المغربي عن إبراز مواقف المملكة الحقيقية من مختلف القضايا التي تناولها المؤتمر بالدراسة، في محاولة منها لتعتيم الرؤية حول ما يتعلق بالمبادرات المغربية في جل المجالات الحقوقية والقانونية والاجتماعية والمدنية التي تغطيها أشغال المنتدى بوجه عام.

سياسات جزائرية مناوئة

لطالما عمل الوفد الجزائري في الفعاليات الدولية على عرقلة جهود المغاربة الرامية إلى التّعريف بقضية الصّحراء المغربية والنزاع الإقليمي المفتعل حولها ورهانات مختلف أطراف هذا النزاع المتناقضة ودواعيها الحقيقية التي تتم محاولة التستر عليها تحت عدد من اليافطات البراقة في شكلها، من خلال إغراء بعض من ليس لديهم إلمام بطبيعة ومعطيات النزاع وتحويل المنتدى إلى سوق لشراء ذمم بعض المنظمات والمؤسسات المحلية والإقليمية والدولية وجرّها بأسلوب انتهازي إلى دعم أطروحة انفصال الأقاليم الصحراوية وإقامة دولة قزمية فوقها تدور في فلك الجزائر وتناوئ سعي المغرب إلى استكمال وحدته الترابية.

وإذا كانت الحكومة الجزائرية قد تسترت، في السابق، وراء شعارات ومبادئ تتعلق بما تعتبره دعمها لحقوق الشعوب في تقرير مصائرها بنفسها، وزعمها أنها لا تقوم بأي، في ما يتعلق بموضوع الصحراء المغربية، غير العمل على تمكين”الشعب الصحراوي” من حقه في الاستقلال السياسي المزعوم، فإنّ أنصارها، في مختلف المنتديات والمحافل الإقليمية والدولية، قد تجاوزوا تلك الشعارات ليعلنوا عن معاداتهم الصريحة للوحدة الترابية المغربية، من خلال ممارساتهم العدائية التي كان آخرها ما حصل منذ أيام في تونس.

وتدلّ الممارسات الجزائرية العدائية تجاه المغرب، التي شهدتها فعاليات المنتدى الاجتماعي الدولي، على أنّ الدولة الجزائرية بدأت تفكّر في إماطة اللثام عن أهدافها الحقيقية والابتعاد عن أساليب التمويه وتزييف الحقائق التي تحرّكت وفقها خلال الفترات السابقة من تطورات ملف الصحراء المغربية، إيمانا منها بأنّ كل أقنعتها قد سقطت، بفعل تضافر جهود الدبلوماسية المغربية الرسمية والشعبية، وتنامي الدور المحوري للمغرب في مختلف المنظمات الإقليمية والدولية، وخاصة في أفريقيا التي كانت الدبلوماسية الجزائرية تظنّ أنها حكر عليها تصول فيها وتجول كما تشاء ودون دون منازع.

الحملات التي تشنها الجزائر ترتبط باقتراب موعد التجديد لبعثة المينورسو

غير أنّ الأمور تغيرت، بشكل ملموس، منذ أن قرر المغرب اعتماد سياسة تتكامل فيها الأبعاد الدبلوماسية مع الأبعاد الاقتصادية والتعاون مع الدول الأفريقية في مختلف المجالات العلمية والتكنولوجية ووسائل الاتصال الحديثة حيث كان لجولات العاهل المغربي الملك محمد السادس، في عدد من الدول الأفريقية ومختلف لقاءاته بالقادة الأفارقة في مختلف المناسبات الدور الراجح في تحسين وضع المغرب لدى تلك الدول التي أصبحت تتفهم بشكل أفضل، مواقف المغرب من قضية الصحراء.

كما لم تعد تلك الدول تنظر بعين التوجس والريبة إلى مبادرات المغرب السياسية والإستراتيجية تجاه القارة الأفريقية، وخاصة ما يتعلق منها بنشر الفكر المعتدل ومبادئ الحوار والتسامح ومحاربة الإرهاب، الّذي أضحى يهدّد أمن المنطقة عموما. الأمر الذي يعني أن كلّ ما استثمرته القيادة الجزائرية من آراء وتصورات مغرضة ضدّ المغرب قد بدأ يتبخّر بشكل ملموس بفعل الجهود السياسية والدبلوماسية المغربية التي يقودها في جوهر قضاياها الملك محمد السادس، والتي أغلقت الباب أمام جلّ المناوئين لحق المغرب في سياداته على مختلف أقاليمه.

وحتى المحاولات التي يقوم بها الاتحاد الأفريقي من أجل التدخل في قضية الصّحراء، لن تؤتي أكلها، لأنّه يتحرك على هامش القضية، منذ أن قبلت منظمة الوحدة الأفريقية عضوية “دولة الصحراء” المزعومة، وقرر المغرب على إثر ذلك، ترك تلك المنظمة التي فقدت روحها، وأصبحت أداة طيّعة في أيدي حكام الجزائر.

وقد تشبّث المغرب بموقفه القائم على عدم الاعتراف بأيّ مظلة للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية غير مظلة الأمم المتحدة التي حسمت أمرها لفائدة البحث عن حلّ سياسي متوافق عليه.

وفي سياق البحث عن هذا الحل، قدم المغرب مبادرة الحكم الذاتي الموسّع للأقاليم الصحراوية لإشراك المواطنين المغاربة الصحراويين في تسيير شؤونهم المحلية والجهوية الأساسية تحت سيادة الدولة المغربية، وهو المقترح الذي حظي بإشادة دولية وردود أفعال إيجابية من مختلف الجهات.

7