دبلوماسية ليبيا بين غموض الدبيبة ووضوح المنقوش

الوضع الليبي لا يزال يتأرجح بين حل الأزمة وتأبيدها نتيجة خلافات داخلية انعكست على الموقف الخارجي ونتيجة تجاذبات خارجية تؤثر سلبا على الداخل ونتيجة مصالح متداخلة تدفع نحو تأخير الحسم.
السبت 2021/06/26
مواقفها الوطنية واضحة

انفض مؤتمر برلين 2 وقد أفرز توصيات لا جديد فيها، إذ أن مضامينها كانت منذ أشهر محل إجماع أممي في البيانات الصادرة عن مجلس الأمن، ومحل اتفاق دولي وإقليمي من حيث التصريحات المتواترة بشكل يومي، حتى أن اسم ليبيا أصبح الأكثر تداولا خلال الأشهر الماضية بعد كورونا، وغطى على ملفات فلسطين وسوريا والعراق واليمن وإيران ولبنان وسد النهضة وغاز المتوسط والإرهاب وأفغانستان.

أبرز ما أوضحه المؤتمر أن الوضع الليبي لا يزال يتأرجح بين حل الأزمة وتأبيدها نتيجة خلافات داخلية انعكست على الموقف الخارجي، ونتيجة تجاذبات خارجية تؤثر سلبا على الداخل، ونتيجة مصالح متداخلة تدفع نحو تأخير الحسم. ولم يجد المجتمعون من أمر يتفقون عليه إلا تنظيم الانتخابات في موعدها المقرر للرابع والعشرين من ديسمبر، دون تحديد لطبيعة الإطار الأمني والاجتماعي الذي ستجري فيه، فالانقسام الفعلي لا يزال قائما. لا المهجرون والنازحون عادوا إلى مدنهم وقراهم، ولا المحتجزون والسجناء السياسيون غادروا زنزانات الميليشيات، ولا المؤسسة العسكرية توحدت، ولا القوات الأجنبية والمرتزقة في طريق الإجلاء عن الأراضي الليبية.

استطاعت المنقوش أن تصنع تحوّلا مهمّا في نظرة المجتمع لدور المرأة السياسي ولاسيما في المناصب السيادية، عندما أعلن عن تعيينها وزيرة للخارجية كأول سيدة تحتل هذا المنصب

ترأس عبدالحميد الدبيبة وفد بلاده إلى المؤتمر، وألقى كلمة تحمل الكثير من التهويم والتعويم، وذلك بالوصول إلى استنتاجات موجودة بطبعها لدى المشاركين؛ الانتخابات تحتاج إلى مساعدة دولية على تنظيمها، وهذا متفق عليه تحت قبة مجلس الأمن، والميزانية لم تحظ بعد بالتصديق عليها من البرلمان لأسباب لم يستطع التطرق إليها ومنها تحديد بنود الصرف واستثناء مؤسسة الجيش منها والعراقيل الموضوعة أمام ملف التعيينات في المناصب السيادية.

قال الدبيبة إن “الخلاف الداخلي والمصالح يعيقان المسيرة إلى الاستحقاق المقبل” وهذا صحيح. لكنه لم يتطرق إلى قضية شائكة تعيد رسمه ملامح وجوده في السلطة ليكون نسخة ثانية من فايز السراج، وهي قضية الميليشيات التي لا تزال تهيمن على منطقة غرب البلاد، ولا إلى الأسباب الحقيقية وراء استمرار المواجهة في شكل حرب باردة بين طرابلس وبنغازي ومن أهمها عدم وجود استعداد للاعتراف المتبادل وغياب الثقة وفشل السلطات الجديدة في التحول إلى غطاء وطني حقيقي لكافة أرجاء البلاد، ولا إلى خطاب الكراهية الذي لا يزال يعمل على تقسيم المجتمع وتخوين وتكفير المختلف وعلى قطع الطريق أمام مشروع المصالحة الوطنية، ولا حتى إلى الاستمرار لأسباب سياسية فجة في احتجاز عدد كبير ممن برّأهم القضاء.

عبدالحميد الدبيبة ترأس وفد بلاده إلى مؤتمر برلين 2 وألقى كلمة تحمل الكثير من التهويم والتعويم

كما أن السيد الدبيبة لم يجرؤ منذ توليه السلطة في 16 مارس الماضي، على ذكر التدخل التركي بالاسم، فهو اعتاد على المناورة والحديث عن قوات أجنبية ومرتزقة، ولكن دون الإشارة مباشرة إلى حليفه الرئيسي الذي يرتبط معه بعلاقات وطيدة منذ سنوات كرجل أعمال يستثمر في تركيا، وكجزء من منظومة أسرية واجتماعية واقتصادية مرتبطة عضويا بأنقرة.

وهناك من المصادر ما يشير إلى أن كلمته في مؤتمر برلين 2، كتبت بقلم تركي، لكن المؤكد أن لقاءه مع جاويش أوغلو قبل افتتاح الجلسة، كان يهدف في جزء منه إلى توجيه رسالة فحواها أن هناك تحالفا استراتيجيا يراد تكريسه بين طرابلس وأنقرة، وأن من مخرجاته إبلاغ القوى الدولية، بأن إجلاء القوات التركية ليس أولوية ليبية، والأهم منه إجلاء المرتزقة الموجودين في الطرف المقابل، ليدخل الموضوع دائرة مغلقة، تبدأ من ذلك السؤال التائه في صحراء الأزمة: من أين يكون البدء؟ ومن يخرج أولا؟

ولعل أبرز ما أفرزه برلين 2 من استنتاجات أن الدعوات الأممية والدولية السابقة بالإجلاء الفوري للقوات الأجنبية والمرتزقة، تحولت إلى دعوة لإجلاء تدريجي، وأن هناك محاولات للتطبيع مع فكرة وجود المسلحين الأجانب إلى حين تنظيم الانتخابات، وأن موضوع الميليشيات المسلحة في غرب البلاد أصبح جزءا من واقع لا يتجه إلى التغيير، وقد يكون منطلقا لعرقنة ليبيا أو أفغنتها، ولاسيما أن التدخل الدولي المباشر أثبت أنه قادر على إيجاد المناخ الملائم لتناسل الميليشيات لتكون بديلا عن الجيوش الوطنية لكن دون القدرة على حلها لاحقا.

بالمقابل، أثبتت وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش مرة أخرى أن المرأة قد تكون الحل، فهي الأكثر هدوءا أمام المطبات، والأقلّ تأثرا بالضغوط، والأقوى إصرارا على تحقيق الأهداف، والأقدر على تحقيق استقلالية موقفها، وسرّ نجاحها أنها جاءت إلى الوزارة من خارج دائرة الحسابات والمصالح الإقليمية، فلا استثمارات لها في تركيا ولا في غيرها، ولا أطماع لها في الحصول على دعم للقيام بدور خلال مرحلة قادمة، وعلى من يتحدثون عن تجهيز نفسها لخوض الانتخابات القادمة أن يراجعوا الاتفاق الصادر عن ملتقى تونس للحوار السياسي الذي يمنع أعضاء السلطة المؤقتة من الترشح لاستحقاق ديسمبر.

تبدو المنقوش سيدة ليبية بحجم الوطن، فهي من مواليد بنغازي في أسرة تتحدر من مصراتة، وتمارس وظيفتها من طرابلس، وعندما زارت مدن الجنوب وجالست أعيان القبائل من غرب وتبو وطوارق، نطقت بذات ما تنطق به في جولاتها الخارجية. ورغم الحملات الدعائية المعادية التي تعرضت لها نتيجة موقفها من القوات الأجنبية والمرتزقة ورفضها استثناء الأتراك من المدعوين إلى المغادرة، واصلت على نفس المنهج ولم تتراجع، فليبيا بالنسبة إليها دولة واحدة حرة مستقلة ذات سيادة ولا تحتاج وصاية من أحد، وهذا ما جعل منها أيقونة الدبلوماسية الليبية ومنحها ثقة القوى الوطنية.

الدبيبة لم يجرؤ منذ توليه السلطة على ذكر التدخل التركي بالاسم، فهو اعتاد على المناورة والحديث عن قوات أجنبية ومرتزقة، ولكن دون الإشارة مباشرة إلى حليفه الرئيسي الذي يرتبط معه بعلاقات وطيدة منذ سنوات

استطاعت المنقوش أن تصنع تحوّلا مهمّا في نظرة المجتمع لدور المرأة السياسي ولاسيما في المناصب السيادية، عندما أعلن عن تعيينها وزيرة للخارجية كأول سيدة تحتل هذا المنصب منذ استقلال البلاد في العام 1951، برزت بعض التحفظات من داخل المجتمع الذكوري المحافظ، ومن عمق المرجعيات القبلية التي تمثل التشكيل الحقيقي للأغلبية الساحقة من الليبيين، واتجه الكثيرون للتشكيك في وجود أهداف خارجية من تكليفها بالشأن الدبلوماسي في مرحلة الحسم الانتقالي، وهي القادمة من الولايات المتحدة حيث كانت تقيم خلال السنوات الماضية للدراسة والعمل، لكن كل تلك التحفظات والشكوك اندثرت مع مرور الوقت، ولم يبق إلا موقف السلفية القامع بطبعه للدور النسائي، والموقف الإخواني الذي يرفض أن يصل الإيمان بالسيادة الوطنية إلى إحراج الحليف التركي ودعوة قواته ومرتزقته إلى المغادرة.

لوحظ أنه وبقدر ما تميّز خطاب الدبيبة وتحركاته بالغموض، تميزت مواقف المنقوش بالوضوح، وقد يكون لمرجعية كل منهما دور في ذلك، ولكن المؤكد أن المنقوش ستعيش طويلا في ذاكرة الليبيين ليس فقط لأنها أول امرأة تدير حقيبة الخارجية في بلادها، ولكن وهذا الأهم، لأن مواقفها الوطنية كانت واضحة في مرحلة لا تقبل أنصاف المواقف ولا أنصاف الحلول.

9