دبي الجوهرة الرقمية وسط رمال الصحراء

مر تطور مدينة دبي بمراحل عديدة، فبعد أن كانت قرية صغيرة على ساحل الخليج غدت اليوم مدينة مزدهرة وعالمية ثم أصبحت أكبر مركز تجاري للاستيراد وإعادة التصدير في الشرق الأوسط، وهذا التطور انعكس على طبيعة عيش السكان ونمط حياتهم.
الاثنين 2016/01/25
مدينة الليل والنهار

دبي (الإمارات) - إنها “أسطورة الصحراء والجوهرة الرقمية وسط الرمال”، هذا ما أضحت تعرف به مدينة دبي اليوم بعد سنوات قضتها بعيدا عن الأعين والأنظار وسط الصحراء في طرف شبه الجزيرة العربية الشرقي.. لتطوي بذلك صفحة من صفحات الماضي وتفتح صفحة أخرى زاهرة مع إشراقة اتحاد دولة الإمارات عام 1971، لتنفض عن نفسها غبار السنين معلنة بداية دوران توربين التنمية والتطور والرقي، ليتواصل عطاؤها الحضاري الذي بدأته منذ الألف الثالث قبل الميلاد.

ومع انطلاقتها المظفرة تبنت مدينة دبي مسيرة رحلة العودة القوية إلى الحاضر متحصنة بالآمال التي عاشتها منذ شعرت بدفء الاتحاد وعاشت حلم التطور والرقي حتى غدت اليوم “أسطورة الصحراء والجوهرة الرقمية وسط الرمال”.

وحينما قصد الرحالة الغربيون مدينة دبي في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين تحدثوا عن شظف العيش الذي كان منتشرا، ولكن لم يشر أي منهم إلى أن إنسان المنطقة يمكن أن ينجز شيئا ليأتي الرد من أهلها.. واليوم وبوسط مدينة دبي يرتفع برج خليفة شامخا “أعلى برج على وجه الكرة الأرضية” والذي يعتبر أحد أهم معالم الجذب السياحي في العالم وتم تصنيفه كواحد من أكبر ثلاثة مواقع التقاط السيلفي أو ما يسمّى بـ“الصور الذاتية في العالم”، بحسب موقع “إتراكشن تكس” السياحي.

ولم يتوقف طموح المسؤولين عند إنشاء برج خليفة بل أرادوا أن تكون دبي أول مدينة ذكية ورقمية في الشرق الأوسط. وفي هذا الشأن يقول وسام لوتاه، المدير التنفيذي لمؤسسة حكومة دبي الذكية، “استكمالا لاستراتيجية تحويل مدينة دبي إلى مدينة ذكية أصدر الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في شهر نوفمبر الماضي عددا من التشريعات والأطر القانونية المؤسسية إيذانا ببدء مرحلة جديدة من التطور النوعي في الإمارة عنوانها التحول إلى المدينة الأذكى عالميا من خلال منظومة مؤسسية واضحة تشمل القطاعين الحكومي والخاص تتابعها وتطورها فرق عمل متخصصة لترسيخ مرجعية جديدة في التحول الذكي”.

شرطي المرور رجل آلي والتسوق يتم عبر المول الذكي، أما الأشجار فتوفر خدمة "الواي فاي" في حين أن سيارة الجمارك برمائية

ومنذ ذلك التاريخ تشهد المدينة ثورة في تقديم أفضل الابتكارات المعتمدة على أحدث التطبيقات الذكية التي تساعد على تقديم أفضل الخدمات وأسرعها دون عناء. فقد أصبح شرطي المرور رجلا آليا والتسوق يتم عبر المول الذكي وحتى الأشجار توفر خدمة “الواي فاي” وسيارة الجمارك برمائية، إلى جانب السباق الذي يدور رحاه في المدينة بين دوائرها الحكومية لتقديم جميع خدماتها للمواطن من خلال جهاز الهاتف الذكي وهو جالس بمنزله أو في مكتبه دون عناء الذهاب والانتظار في الطوابير وغير ذلك.

ويشير لوتاه إلى أن القيادة الملهمة والذكاء الحكومي يقودان دبي لتكون أول مدينة ذكية ورقمية في الشرق الأوسط، وهذه الثورة الرقمية الكبرى لم تأت من فراغ ولم تكن محض صدفة بل هي انعكاس لإرادة قيادة جريئة تستشرف المستقبل وتريد أن تعمل وفق المقولة الشهيرة “لا شيء مستحيل والبقاء للأفضل والمركز الأول للمجتهدين فقط”. ويعلق لوتاه بخصوص استراتيجية مؤسسة حكومة دبي الذكية “تعمل مؤسسة حكومة دبي الذكية وفق استراتيجية واضحة.. استراتيجية حكومة دبي الذكية 2014-2017” تحت مظلة “مبادرة دبي الذكية” والتي تنسجم مع التوجهات المستقبلية للحكومة وتستهدف تحقيق الرخاء الاقتصادي والتقدم الاجتماعي للمواطنين والمقيمين بالإمارة وقطاع الأعمال الناشط فيها وزوارها من خلال تبسيط إجراءات تعاملاتهم الحكومية وتوفير طيف من القنوات الذكية تمكن المتعاملين من الوصول إلى الخدمات الحكومية بسهولة ويسر وعلى مدار الساعة.

السحابة الذكية

ويقول وسام لوتاه “أطلقت مؤسسة حكومة دبي الذكية في أكتوبر الماضي خلال مشاركتها في معرض جيتكس 2015 السحابة الذكية لحكومة دبي تماشيا مع طبيعة المرحلة الحالية التي تمر بها إمارة دبي للتحول نحو الحكومة الذكية والوصول إلى المدينة الأذكى عالميا”.

سلفي في أسطورة الصحراء

ويضيف “ستقدم السحابة الذكية بنية تحتية ذكية مشتركة تتيح لجميع الجهات الحكومية في إمارة دبي الوصول وبمنتهى السهولة إلى قائمة من موارد تقنية المعلومات التي تحتاجها تلك الجهات ما يوفر عليها النفقات المالية والجهد لبناء تلك الموارد بشكل منفرد، وتهدف هذه المنصة إلى توفير بيئة تشغيل مرنة افتراضية تغني كل جهة حكومية عن امتلاك بنية تحتية لتقنية المعلومات على حدة”.

ويشير إلى أن تطبيق “دبي الآن” يعد المنصة الموحدة الأولى للخدمات الحكومية من خلال الأجهزة الذكية التي تغني المتعاملين من الجمهور عن التنقل بين المواقع لأن التطبيقات الحكومية الذكية تتيح لهم نافذة للوصول بعدد كبير من الخدمات الحكومية الذكية المختارة من 22 جهة حكومية مشتركة في التطبيق حتى الآن من خلال مجموعة الباقات الخدماتية التي يحتويها والتي يصل عددها إلى 53 خدمة حتى الآن بنيت على رغبات الجمهور وجرى تجميعها ضمن باقات فرعية مصنفة بدورها تحت 11 فئة.

وحول مدى الإقبال على التطبيق، يقول لوتاه “يشهد التطبيق المتوافر لمستخدمي أجهزة آيفون وأندرويد إقبالا كبيرا ومتزايدا من مختلف فئات المتعاملين. فقد أظهرت الإحصائيات الأخيرة التي كشفنا عنها أن عدد مرات الدخول لتطبيق ‘دبي الآن’ وصل إلى مليونين ونصف المليون مرة، وأن عدد المتعاملين الذين قاموا بتحميله من متجري آبل وغوغل بلاي بلغ نحو 66 ألف مسجل حتى الآن”. وإثر التطور اللافت الذي شهدته مدينة دبي أصبح المجتمع حديثا سريع النمو ذا هوية عالمية متعددة الثقافات تجمعها الأبراج وناطحات السحاب المميزة في الشرق الأوسط والعالم أجمع.

ويقول لوتاه “أسطورة المكان تنبع هنا من تخطيط الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عندما حرص على وجود المدن الرقمية والذكية وسط تلك الأبراج والمباني العملاقة، ليتناغم العلم والمعرفة مع الاقتصاد والمال فتبقى أفكاره تاج هامة دبي وبها تبقى دانة الدنيا”.

وذكر لوتاه عددا من إنجازات دبي في هذ وأشار إلى أن المنطقة العالمية للإنتاج الإعلامي تأسست في عام 2004 وتعتبر واحدة من المناطق التي استفادت من وجود بنية تحتية متقدمة في مجال الإنترنت والتقنيات، بينما تعتبر مدينة دبي الأكاديمية العالمية المنطقة الوحيدة على مستوى العالم المتخصصة في توفير برامج التعليم العالي والتي تأسست في العام 2007.

ولا يقف طموح دبي عند هذه الإنجازات، بل يخطط أصحاب القرار لتصبح المدينة من أهم مراكز العالم للتكنولوجيا والفن والتصميم والأزياء خاصة أن لدبي مقومات تجد المدن الأقدم في هذا المجال صعوبة في توفيرها مثل الأمن وأسلوب الحياة العالمي وخطوط السفر المترابطة والشاملة مع بقية دول العالم.

ويؤكد لوتاه على أنه إذا كان الرحالة وصفوا مدينة دبي في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين بأنها مكان عنوانه شظف العيش، فإن دبي اليوم تتمتع بخدمة “الدفع الذكي” عبر رقم الهاتف المتحرك لمتعاملي قطاع التجزئة، حيث أعلنت مؤسسة حكومة دبي الذكية توقيع عقد شراكة استراتيجية مع شركة “كويسك الشرق الأوسط” لخدمات وحلول الدفع الرقمية بهدف توفير الدعم اللازم لتفعيل قناة خدمة “الدفع الذكي” لمتعاملي قطاع التجزئة من الأفراد في إمارة دبي من خلال رقم الهاتف المتحرك.

الإدارة عبر الهاتف
ويوضح لوتاه أن قناة خدمة الدفع الذكي المبتكرة هذه تتيح للمتعاملين الأفراد مع قطاع التجزئة في كل نقاط البيع التي تنتشر في أنحاء دبي إجراء عمليات الشراء والقيام بالدفع الفوري على مدار الساعة عن طريق الخصم المباشر من حساباتهم الشخصية المصرفية باستخدام رقم الهاتف المتحرك إضافة إلى رقم سري خاص بكل متعامل دون الحاجة إلى قيامهم بكتابة بياناتهم البنكية أو استخدام وسائل الدفع التقليدية. ويؤكد أن عدد المتعاملين المسجلين في تطبيق الدفع عبر الهواتف الذكية بلغ أكثر من 100 ألف.

وحول الخطوات التي تقوم بها مؤسسة دبي الذكية للمساهمة في الوصول بدبي إلى المدينة الأذكى عالميا، يقول لوتاه إن المؤسسة قدمت باقة متميّزة من المبادرات والخدمات والتطبيقات الذكية المبتكرة منها مختبر تصميم تجربة المتعامل ونظم تخطيط الموارد الحكومية وخدمة “هويتي الإلكتروني” وتطبيق الموظف الذكي وتطبيق “دبي للتوظيف”.

راديو الابتعاد

ومن جانبه يقول السائح الألماني ديفيد فريدريشس لوكالة الأنباء الإماراتية “هذه زيارتي الأولى لمدينة دبي وكم أنا سعيد بهذه الزيارة لأني وجدت دبي مدينة تفوق الخيال، واعتبرها من مدن المستقبل التي يطمح العالم لبنائها مستقبلا لكنها سبقت العالم بخطوات كبيرة. فبمجرد أن تطأ قدمك مطار دبي الدولي تجد كل حركة تقوم بها رقمية وفي الطريق إلى الفندق تعرف أن سيارة الأجرة التي تستقلها ذكية، حيث تتوفر خدمة “راديو الابتعاد” وهي عبارة عن جهاز راديو خاص يثبت بداخل سيارات الأجرة لتنبيه السائقين عند تجاوزهم مسافة الأمان بينهم وبين السيارات باستخدام إشارات الراديو اللاسلكية، وأنت في طريقك ومن داخل السيارة الذكية تُنهي جميع إجراءات إقامتك بالفندق عبر خدمات الهاتف الذكي”.

ويضيف، “عند خروجي إلى شوارع دبي وجدت خدمة طلب المواصلات العامة الرقمية وزرت بعض أصدقائي ووجدتهم يقيمون بمنازل رقمية، وعندما فكرت في السباحة ذهبت إلى شواطئ مدينة دبي ووجدت نفسي وسط غابة من أشجار النخيل الذكية تعمل من خلال الطاقة الشمسية من أجل تأمين الإنترنت المجاني لمرتادي المكان”.

20