دبي تصنع الفارق في العمل الوزاري

السبت 2016/03/05

تحتاج الأجهزة التنفيذية للدول إلى تجديد الدورة الدموية لواجباتها ومهماتها، وذلك أمر لا يأتي دون مباشرات ميدانية تعكس الروح العملية والخدمية للقائمين على العمل العام، أما جلوس المكاتب والعمل المكتبي الصرف دون اجتهاد أو جهد ميداني يراقب ويتابع ويتحقق من الإنجازات، فذلك أمر ينطوي على سلبية يجب إعادة النظر فيها، ولا يمكن تسمية الأشياء بغير مسمياتها في سياق الخدمة المدنية ودولاب العمل العام، فكثير مما يحدث من أداء الوزارة والإدارات بيروقراطي ولا يتم بالصورة الكفؤة والمثالية التي نحتاجها. فقد رأينا في بعض الدول الغربية رؤساء وزارات يركبون الدراجات والمترو ويجهزون قهوتهم في مكاتبهم بأنفسهم، فيما نرى ذلك عيبا ولا يتفق مع مقتضيات المسؤولية الإدارية، لأننا، باختصار، ننظر إلى مثل هذه المسؤوليات على أنها تشريف أكثر منها تكليفا.

مؤخرا، حدث تطور لافت في تجربة إضافية من تجارب دبي، التي تظل تقدم المزيد من التجارب التطبيقية للعمل العام وخدمة الدولة والمجتمع، وذلك بتأكيد الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بأن مرحلة جديدة من العمل الحكومي، بدأت بعد اعتماد التشكيل الجديد لمجلس الوزراء لمواكبة التطورات والاستعداد للمستقبل، وطلب من الوزراء برنامج عمل لأول مئة يوم، وخاصة الوزارات الجديدة والوزارات التي حدث فيها تغيير كبير.

وأكد أن العبرة ليست بحجم الدول، بل بسرعتها والتزامها الحقيقي بإنجاز تطلعات شعوبها، وذروة الخطاب الإداري كانت في قوله للوزراء “أريدكم في الميدان، وليس خلف المكاتب المغلقة، أريدكم مع المواطنين، تبحثون عن التحديات، وتضعون الحلول، وتغيّرون واقع العمل الحكومي”.

البحث عن التحديات هو السهل الممتنع لدى أي مسؤول حقيقي، وذلك البحث لا يأتي من خلف المكاتب أو شاشات الكمبيوتر وإنما بالمباشرة الميدانية، فذلك أجدى لمعرفة الواقع واحتياجاته والتعامل الفوري والحازم مع أي مستجدات سلبية تعيق تنفيذ البرامج وتؤثر في تعطيل الخطط.

ومن المهم أن يكون الوزير في الميدان لأن ذلك يتبعه جيش من الإداريين والمسؤولين والموظفين الذين سيقتدون بالتواجد الميداني حين يتطلب الأمر ذلك، وهو ما يوفر احتكاكا مهما وحيويا مع الحقيقة، ويجعل كل المعالجات منطقية وسريعة ودقيقة، ولا أعرف كيف يمكن لمسؤول أن يتخذ قرارا حكيما وسديدا وهو لم يتعرف على المجريات والوقائع بصورة حقيقية، ودون ذلك تخرج القرارات والمعالجات ارتجالية وغير سليمة ولا تتفق مع متطلبات الواقع.

العمل العام مسؤولية مضاعفة ومعقدة، وليست عملا من أجل الوجاهة أو التشريف. فالكرسي دوار ولا يمكن أن يبقى فيه مسؤول سلبي وغير متطور ولا يتحلّى بروح المسؤولية التي يتطلبها المقام.

وما يحدث في دبي بالتأكيد يؤثر إيجابا في الكثير من أجهزة العمل العام في المنطقة، لأن النتائج الإيجابية المرجوة ستكون بما يغري بتطبيقها وستحدث الفارق اللازم بين إدارة تقليدية خلف المكاتب المغلقة، وأخرى عملية ومسؤولة ومتفانية ومهتمة تستهدف نتائج إيجابية عالية ودقيقة، لأننا بالفعل بحاجة إلى نماذج عملية تخرجنا من روتين الرتابة وتواضع الأداء الإداري والبيروقراطية التي تحرم المجتمعات من الكثير من الحقوق الخدمية لأن هناك سلبية عميقة تسيطر على أداء الأجهزة الحكومية، مما تراجعت معه مستويات الكفاءة التنفيذية التي تحتاج إلى جراحات ميدانية تستأصل العلل من قاموس العمل العام، وترتقي إلى مستويات أرفع وأكثر تقدما في أداء الأعمال وتنفيذها بصورة مثالية تستحقها المجتمعات التي تنتظرها وتتطلع إليها، فيما لا يزال كثيرون يتطلعون إلى مناصب ليسوا في قامتها وليست لهم القدرات لتحمّل مسؤولياتها.

كاتبة سعودية

9