دبي في الرواية العربية

الحصة السردية لإمارة دبي وفيرة على ما يبدو، والرواية العربية التي كُتبت من أجواء المدينة عاشها وتعايش معها الروائيون.
الخميس 2018/03/08
دبي.. مكان روائي وفني

عدا القاهرة وبغداد ودمشق وبيروت لم تحظَ مدينة عربية بالاهتمام السردي على مدار تاريخ الكتابة الروائية العربية سوى إمارة دبي التي أوجدت لها مساحة سردية لافتة بين عدد من الأعمال الروائية والقصصية العربية، مثلما أوجدت المناخ المناسب للكثير من الفضائيات العربية والأجنبية التي تبث منها، كما هي أرض خصبة لبعض الأفلام الآسيوية لا سيما الهندية منها إضافة إلى ذلك فإنها قاعة مفتوحة للمعارض التشكيلية العربية والعالمية.

ولم يأت كل هذا النشاط من فراغ لولا وجود الدوافع الفنية والنفسية لتناوب دبي كمكان روائي وفني يتيح الكتابة بوجود مدينة استحدثت تجربتها العمرانية والسياحية والوظيفية والإنسانية وتنشيط مفاصل الحياة بالمستحدثات الإلكترونية في دوائرها الخدمية وبفترة قصيرة من الزمن، لتكون دبي علامة عربية حداثية لا يمكن تجاهل تطورها الحضاري والعمراني الباذخ الذي التحق بركب كبريات المدن العالمية.

بداية يجب أن نعرف أن دولة الإمارات العربية تشهد إقامة العشرات والمئات من الأدباء العرب والعالميين فيها من كل جهات الأرض، وهذه الإقامة المختلطة الفريدة من نوعها ضمّت جنسيات وأجناسا وديانات كثيرة تحت إطار التعايش السلمي الذي استوعبته المدينة الصغيرة بنجاح، وهذا الاختلاط الإنساني المنتج والمتفرّد حقا جعل الحياة فيها أكثر سلاسة وشفافية بما يمكّن الإنسان فيها من أن يكون مسترخيا ومتأملا، يراقب الحياة العالمية التي تجري كل يوم بوجود حوالي 200 جنسية عربية وأجنبية، إضافة إلى ما وفرته حداثة العمران من صور جديدة في غرائب البناء وجمالياته الكثيرة، مقرونا بنشاطات ثقافية متعددة على مدار الأيام من معارض تشكيلية وعروض سينمائية وإصدارات أدبية وثقافية عامة.

الحصة السردية لإمارة دبي وفيرة على ما يبدو، والرواية العربية التي كُتبت من أجواء المدينة عاشها وتعايش معها الروائيون لنقول إن المكان كفضاء روائي حمل بنيته اللغوية والخيالية أيضا، فالكتابة لغة وخيال وتشكيل صوري لإعادة خلق الأنموذج المكاني وفق معطيات السرد وموضوعته، لذلك نجد أن الكثير من الروايات التي يمكن أن نضعها شواهد سريعة تؤدي الغرض الوافي للكيان المكاني في دبي بوصفه كيانا فاعلا ومؤثرا؛ فرواية مثل “نسائي الجميلات” لأمنية طلعت لم تُكتب إلا بعد إقامة امتدت لأكثر من عشر سنوات لاستيعاب وحدات المكان المتشكّل من عناصر عمرانية وبشرية متناقضة حتما، لكن ربما سنلتقط بعض العناوين الروائية لا سيما تلك التي اتخذت من دبي مسرحا مكانيا لنصوصها الروائية، وهذا يعني إمكانية أن يكون المكان فضاء سرديا واسع المعالم وكثير الخصوصية لإمارة صغيرة امتلكت كل هذا الحضور الكبير في السرديات العربية.

“بر دبي” للسوري زياد عبدالله من الروايات المبكرة التي جعلت من دبي مسرحا روائيا لها في بنية شاء لها الكاتب أن تكون بنية غير تقليدية انسجاما مع حداثة المكان وتشكلاته السريعة في مواكبة العصر، بما يعني أن المكان فرض إلى حد كبير شروطه الواقعية بأن تكون الرواية ذات سمة تجريبية في حداثتها الفنية؛ فيما ينحو السعودي عبدالله الصايل في روايته “شرفة دبي” إلى معاينة النوع الثقافي البشري في تعدد الجنسيات الوافدة إلى المكان؛ لكن اليمني عبدالفتاح حيدرة في روايته “دبي صنعاء والعودة” يناوِب السرد بين الماضي والحاضر بواقعية فرضتها ظروف الحرب الدائرة في اليمن وإشكالاتها الطائفية التي أدّت إلى نشوبها؛ على أن الفلسطيني سمير الجندي في روايته “حواء في دبي” التي لا تبتعد عن السياسة كثيرا وإن حفلت بقصة حب غريبة إلى حد ما وغير متقنة كثيرا لكنها تواجه المصائر بطريقة بسيطة ولغة غير متكلّفة كثيرا، أما المصري ناصر عراق في روايته “نساء القاهرة دبي” فعكف على احتواء المكان الإماراتي بتركيبته المركّبة من جنسيات وأديان مختلطة عبر نساء القاهرة القادمات من شبرا، في هذا المسرد السريع يمكن استشفاف أن دبي خضعت سرديا إلى ما يسمّى بروايات المدن التي أنتجت الكثير من السرديات المدينية بوصفها أيقونة مكانية تحفل بالكثير من مفردات الحداثة والتغيير نحو آفاق عالمية واضحة المعالم.

14