دجال لكل ألف عربي.. مجتمعات في غيبوبة

في حين يقتصر السحر والشعوذة في المجتمعات المتقدّمة على النشاطات الترفيهية والفلكورية، لا تزال المجتمعات العربية مرتبطة جدا بهذا العالم لأسباب نفسية واقتصادية وعقائدية.
السبت 2017/12/02
السحر.. أقصر الطرق

تونس - “تقازة تقازة” تعالى صوت في الشارع. خرجت فتاة مسرعة تسألها أن تأتي إليها. عادت “التقازة” أدراجها ودخلت مع الفتاة الجامعية منزلها.

و”التقازة” هي كلمة عامية تونسية تعني”عرافة” أو “قارئة الكف” وأصبحت كلمة تقاز/ تقازة تطلق على المتكهنين بكل الأحداث صغيرة أو كبيرة بل واشتق منها فعل “يتقز”.

أجلستها الفتاة وقدّمت لها ماء وبسطت لها كفها لتسألها الأخيرة “اسمك واسم أمك” وتطالبها بالصلاة على النبي ثم تسرد عليها أوصافها و”غيبيات” لا تعرفها الفتاة، منها أنها “مسحورة” وأن هذا السحر أبطل كل مشاريعها في الزواج والعمل، وثمن كل هذا بدينار تونسي (0.3 دولار). لكن إن أرادت أن تبطل هذا السحر فعليها أن تدفع 40 دينارا.

تبيّن أن هذه “التقازة” من قرية في الجنوب التونسي تبعد عن القرية التي تشتغل فيها الآن في الشمال التونسي أكثر من 500 كيلومتر.

تقول هذه التقازة إنه لا يسمح لها “الولي الصالح” الذي منحها هذه الكرامات أن تأخذ مالا أكثر من المصرّح به. وتروي أنها ولدت ضعيفة البنية منهكة القوى وظن الجميع أنها لن تعيش، لكنها عاشت بفضل “سيدي عبدالقادر” وعندما كبرت أيقنت في نفسها قدرة على “التقازة”.

الغريب أن جميع هؤلاء “التقازات” ينسبن أنفسهن للولي الصالح “سيدي عبد القادر”.

فتحية السعيدي: عدد المشعوذين يؤكد أن مجتمعنا يعيش في عصر ما قبل العلم

ويتميّز المغرب العربي ككل بتبجيل عدد كبير من الأولياء الصالحين اعتقاداً بـ”تدخلهم” لإيجاد حلول لمجموعة من المشاكل، أكانت صحية أم عقلية أم عاطفية.

مشعوذات لكل المستويات

تؤكد الدراسات أن ضحايا الدجالين في معظم الأحوال ليسوا جهلاء أو بسطاء وإنما هناك رجال أعمال ومثقفون أيضاً.

ويدحض انتشار محلات الشعوذة وممارسة السحر القول السائد بأن “تونس دولة مدنية بلغ مواطنوها درجة متقدمة من الوعي”.

ولا دليل قاطعا على ذلك سوى اصطفاف التونسيين أمام منزل العرّاف كمال المغربي الذي “يبصق” في أباريق الشاي، ومن ثمّة يقدمها هدية لزبائنه في منظر مخجل يستعيده مستخدمو الشبكات الاجتماعية كل مرة.

وبالرغم من وجود نص قانوني يجرّم الشعوذة ويدخلها تحت طائلة القانون الجنائي، إلا أن وسائل الإعلام التونسية تغصّ بالإعلانات الإشهارية للمشعوذين ومن ينسبون إلى أنفسهم قوة خارقة تتجاوز في بعض الأحيان قدرات أكبر المخابر الطبية في العالم. وتتنوع العرافات فهناك الشعبيات اللاتي يعملن في الأحياء الشعبية إلى عرافات الأحياء الراقية.

وتروي العرافة (ك)، مثلا، أنها لا تقبل من هب ودب. ويلزمك “واسطة” للتواصل مع هذه العرافة فزبوناتها محاميات وطبيبات وغيرهن ممن يبحثن عن “تعويذة القبول”. وإن كانت “التقازة” لا تطلب مقابلا باهظ الثمن، فإنه عليك أن تدفع لهذه العرافة المئات من الدولارات للحصول على تعويذة القبول أو لفك السحر. تؤمن جميع شرائح المجتمع التونسي كما هو الحال عند العرب والمسلمين بالعين والحسد والسحر.

المثير في الأمر أن حشودا من العراقيين يخضعون إلى الخرافات بطيب خاطر وكأنها حقيقة.

وكان رجل الدين الشيعي العراقي عبدالحميد المهاجر، مثلا، وزّع على مجلسه في العراق حلوى تسمى “جكليته” زاعما بأنها تجلب الشفاء وتحقق الأماني.

الأولياء الصالحون مبجلون لدى البسطاء في المغرب العربي اعتقاداً بـ"تدخلهم" لإيجاد حلول لجميع المشاكل

وبين أوساط البسطاء، تتفشى الخرافات والأساطير، فتغدو المرتع الخصب، لينمو يوما بعد آخر، حتى تغدو الخرافة عقيدة تفتدى بالنفس والنفيس، كما هي أحوال البعض من العراقيين الذين تحكمهم عمائم بالخرافات الدينية حوّلت أرضهم إلى منطقة تنعق فيها غربان الخراب!

ورغم ذلك فالناس فيها كالأشباح يتجمهرون نساءً ورجالا وأطفالا خلف رجال دين منتظرين البركات التي تأتي على أيديهم.

ولا يختلف الأمر كثيرا في دول عربية أخرى، حيث أشارت دراسة ميدانية أجريت مؤخراً أن حوالي نصف النساء العربيات يؤمن بل ويقعن في أسر خرافات السحر والشعوذة.

الدجل.. جريمة

ويرى أخصائيون أن تفاقم إقبال التونسيين، مثلا، على محلات الشعوذة بعد ثورة يناير 2011 يعود بالأساس إلى حالة الإحباط واليأس التي انتشرت في صفوفهم نتيجة الركود الاقتصادي وانتشار الفقر وضعف الخدمات الصحية، مما دفعهم إلى البحث عن قدرات ما ورائية لحلّ مشاكلهم الدنيوية.

وقال الباحث في علم الاجتماع زهير العزعوزي إن الرغبة في النجاح واليأس والعجز عن إيجاد حلول عملية لبعض المشاكل التي تواجه الإنسان تجعله يلجأ إلى المشعوذين.

وأكد العزعوزي أن فتح المجال أمام السحرة والمشعوذين في الإعلام التونسي ساهم في انتشار هذه الظاهرة، مبيّنا أن هؤلاء يعتمدون على أساليب وتقنيات الخداع والابتزاز من أجل التأثير على حرفائهم.

وساهم انتشار الإعلانات الإشهارية للمشعوذين والسحرة، الذين يطلقون على أنفسهم ألقابا من قبيل الحكيم الروحاني والشيخ والعلامة، على أعمدة الجرائد والفضائيات التونسية في تفاقم الظاهرة ومزيد انتشارها خاصة وأن الإشهار على التلفزات يعطي الانطباع بأن ممارسة الشعوذة تعتبر قانونية وتسمح بها الدولة طالما أنها لا تمنع الإشهار والبروباغندا لمثل هذه المهن.

وتدخل ممارسة الشعوذة في باب جريمة التحايل التي نص عليها الفصل 291 من المجلة الجزائية التونسية. ويتطلب قيام هذه الجريمة توفر عدة أركان مثل استعمال الجاني للحيل والخزعبلات لإقناع الناس بقدرة خارقة على تحقيق شيء ما يحمل المتضرر على الاعتقاد في قدرة المتحايل الخارقة على إتيان تلك الأفعال. وينصّ الفصل 291 من نفس المجلة الجزائية بالسجن لمدة 5 سنوات مع غرامة مالية على كل من يثبت ضدّه التحايل، أي أن الفعلة تصنّف في باب الجنايات وهي أشد أنواع الجرائم في تونس.

وقالت الباحثة في علم النفس الاجتماعي فتحية السعيدي في تصريحات لـ”العرب” إن الواقع المتأزم والضغط النفسي الذي يعيشه المواطن ساهما في ارتفاع ظاهرة التوجّه نحو الشعوذة والسحرة لإيجاد حلول للمشاكل الصحية والاجتماعية وحتى الجنسية.

وأضافت السعيدي “عدد المشعوذين في تونس يفوق بكثير عدد الأطباء وهذا ما يؤكد أن مجتمعنا يعيش في عصر ما قبل العلم”، مشيرة إلى أن توجّه أغلب التونسيين لـ”دكاكين الشعوذة والتحيّل” ناتج عن موروث عقائدي مجتمعي مازالت له جذور إلى حد اليوم رغم تقلّص نسبة الأمية والجهل في البلاد.

خطوط لحل المشاكل الدنيوية

وانتقدت السعيدي القانون 291 من المجلة الجزائية والذي يدخل تحت طائلته المشعوذون، داعية إلى تعديله والتنصيص صراحة على كلمة مشعوذ أو عراف من أجل أن يصبح النص القانوني باتّا وغير قابل للاجتهاد خلال فرض العقوبات.

وأكدت أن النص القانوني الجاري به العمل (الفصل 291 من المجلة الجزائية) لا يذكر صراحة كلمة “عراف” وهو ما يفسح المجال لعدم جدوى القانون وعدم تطبيق أحكامه.

وأكدت السعيدي أن المشعوذين في تونس أصبحوا من الأثرياء ويجنون أموالا طائلة تفوق دخل أكبر أطباء الاختصاص في البلاد، نتيجة تجارتهم بآلام الناس.

ولا يختلف الأمر كثيرا في المغرب. فـ”زنقة العراكات”، وفق مغربية مقيمة في تونس، واحدة من أزقة سوق “جميعة”، الموجود فوق تراب عمالة درب السلطان الفداء بمدينة الدار البيضاء. تتميز هذه الزنقة بعرض جميع مستحضرات ولوازم السحر والشعوذة تتنوع بين حيوانات محنطة إلى أعشاب والبعض من المعادن والشموع.

وفي تقرير عام 2012 قال مركز بيو للأبحاث إن 78 بالمئة من المغاربة يؤمنون بـالسحر والشعوذة، وإن 80 بالمئة متأكدون من حقيقة شر العين.

ويقول محمد اسليم الباحث المتخصص في الإثنولوجيا، إن السر وراء اقتران اسم المغرب بالسحر لدى البعض في تصريح لـ”العرب”، أن المشارقة هم الذين يحملون هذه الصورة ويروّجون لها.

ويؤكد أن المغاربة بدورهم يعتبرون المشارقة سحرة، بل معظم المصنفات السحرية التي يستعملها السَّحَرة المغاربة ألفها مَشارقة، كالبوني وعبدالفتاح الطوخي الفلكي، وغيرهما. ويلاحظ جواد مبروكي طبيب ومحلل نفساني مغربي، أن ربط الاضطرابات والمشكلات النفسية بالمس والسحر ينخفض نسبياً كلما كانت درجة الثقافة مرتفعة كما أن الاعتقاد بهذه الظاهرة ينخفض كلما ارتفعت درجة الوعي، وبطبيعة الحال درجة الوعي ترتفع مع المستوى الثقافي وليس من الأكيد في كل الحالات أن كل متعلم ومثقف له وعي متنور فهناك أيضا أشخاص في فئة الأميين من لهم درجة وعي عال تفوق البعض من المتعلمين.

ويلاحظ المحلل النفساني أن المغاربة يعتقدون دون أي شك بالمفاهيم الشعبية حول المسّ والسحر ويستعملون العبارة المعروفة في ثقافتنا لتبرير هذا الاعتقاد: “وَمَذْكورينْ في القرآن”!

ويؤكد مبروكي لـ”العرب”، أنه بالفعل ورد ذكر اسم الجن في القرآن الكريم ولكن ما تربطه الثقافة المغربية بالجن (وصف الجن وسلوكه وما يلحق بالإنسان من أضرار) لم يذكر في مُحكم الكتاب الكريم وإنما هي إبداعات واختراعات أنتجها الجهل وتأويلات أصدرها من له منافع شخصية مغتنماً فرص تفشي الجهل والأمية بين عوام الناس.

وفي ليبيا، نقلت صحيفة ذا تايمز البريطانية عن بيتي سوديبو، مهاجرة نيجيرية أنها قبل احتجازها ببيت للدعارة في ليبيا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، تعرّضت إلى الضرب من قبل خمس سيدات في منزل رجل كان قد اشتراها، إذ قامت النساء بتجريدها من ملابسها وحلق شعر رأسها وجسمها، وإحداث قطع في فخذيها باستخدام شفرة حلاقة قبل جمع الدماء المسالة منها في زجاجة صغيرة، وقاموا بإلقاء تعويذة سحر على شعرها ودمها. وقالت سوديبو، “لقد أخبروني أنني إذا حاولت عصيان المالك أو حاولت الهرب، سيلقون بلعنة على ستفقدني عقلي وتجعلني مجنونة”.

وأشارت الصحيفة إلى أن قصة سوديبو ليست الأولى من نوعها، موضحة أن الخداع والاستعباد والسحر الأسود والإجبار على ممارسة البغاء، جميعها نتاج الاتجار في البشر في أفريقيا مع الملايين من النساء.

مشعوذ يعرض بضاعته

الشعوذة أولوية مطلقة

وكانت دراسة ميدانية تعود إلى عام 2005 أثبتت أن العرب ينفقون علي الدجل والشعوذة سنوياً ما يقرب من خمسة مليارات من الدولارات.

ويرجّح خبراء تضاعف الرقم في السنوات القليلة الماضية مؤكدين أنه رقم ضخم لو تم إنفاقه على مشروعات الصحة والتعليم لأصبح لنا شأن آخر.

وقالت نفس الدراسة إن عدد الدجالين والمشعوذين تضاعف بصورة واضحة خلال السنوات القليلة الماضية ليصل الرقم بحسبة بسيطة إلى معدل دجال لكل ألف عربي. ومن سخرية القدر أن هذا الرقم هو معدل عدد أطباء الاختصاص في العالم العربي لعدد المرضى المحتملين. ويدّعي الدجالون علاج الأمراض الجسدية والنفسية بتحضير الأرواح وبالقرآن والكتاب المقدّس وغيرها من الطرق.

بالنسبة للمجتمعات الخليجية، يرى عدد من الكتّاب الخليجيين أن الدول الخليجية تعدّ قبلة لكثير من السحرة والمشعوذين، نتيجة ثراء المجتمعات، ما يمكّن هؤلاء من الحصول على مقابل مادي مرتفع، قد يصل إلى 400 دينار كويتي للجلسة الواحدة، حسبما سجل في الكويت، كما ذكرت صحف محلية.

ويعتبر هؤلاء أن كثيراً من السحرة والمشعوذين الذين تم ضبطهم كانوا من الوافدين. وهذا يدفع للاعتقاد بأن نموّ هذه الظاهرة محكوم بأسباب خارجية.

وفي السعودية سمحت وزارة الصحة لمراكز العلاج النفسي التابعة لها بالاستعانة بالرقاة الشرعيين لمعالجة المرضى النفسيين، مشددة على ضرورة الالتزام باللائحة التنفيذية وإبلاغ ذوي المرضى بالقرار.

وكثيرا ما يبث الإعلام الخليجي قضايا قبض على مشعوذات أو صورا للعثور على الطلاسم والسحر.

وكانت صحيفة عكاظ السعودية أفادت مايو الماضي بأن وحدة مكافحة السحر والشعوذة في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نجحت في فك طلاسم ورموز سحرية عثر عليها في مطار الملك عبدالعزيز في جدة. وهو خبر تداوله الإعلام العالمي.

شارك في إعداد التقرير:

* حلمي همامي

* محمد بن امحمد العلوي

13