"دحرجة الغبار" سرد شعري ورواية عن امرأة في مدينة مقهورة

السبت 2014/03/22
الرواية تبدأ بالموت وتنتهي به

الغبار لا يمكن تكوينه، كلنا ضائعون، الموت والخسارة محدقان بنا، نركض عراة معذبين وراء أوهام لن تتحقق، عذابات آنية ليست مؤجلة تلك التي ترسمها “سلام عبدالعزيز -اسم مستعار-” في روايتها الجديدة “دحرجة الغبار“، الصادرة عن دار “الساقي” ببيروت (2014).

تطرح سلام عبدالعزيز صورة لامرأة مثقفة، معذبة، “قبس”، هاربة دوما، تتحدّث الكاتبة بصوتها لتروي رحلة معاناتها الطويلة، فالرواية تبدأ بالموت وتنتهي به، تتخللها الأحلام مهربا من الواقع الذي تصطدم به “قبس” كجدار إسمنتي يصيبها بالشلل.

وتفتتح عبدالعزيز الرواية بالموت، حيث تقوم “قبس” بإحراق زوجها الذي لم تتمكن من الفرار منه، فهو كـ”البهائم”، شاذ جنسيا، لقد وجدته بالسرير مع رجل آخر. تبدأ رحلة الهروب الطويلة من بعد هذه اللحظة حيث تفرّ مع طفليها اللذين تفقدهما لاحقا ويعودان إلى أسرة زوجها، “القاتلة” هو اللقب الذي يُطلق على “قبس”، جريمتها هذه توصلها إلى الاستقرار بحي شعبي في رعاية منزل “أم هلال”.

شخصيات ثانوية ومهمشة تلك التي تصطدم بها “قبس”، شخصيات لا تحمل أيّ سبيل للحياة سوى الاقتيات على بعضها البعض، وحوش الجنس والشهوة موجودة دائما في ظل مجتمع تكون المرأة فيه مقهورة إلى حدّ النَفَس، تتعرّض لمحاولة اغتصاب من قبل هلال وخادمه الهندي الذي يقتل هلال في النهاية، كذلك من قبل خالد الذي يحاول أن يتحرّش بها، الذكر وحش، يبحث دائما عن فريسة له.

“قبس” دوما تجري بعيدا ولا تنتمي إلى مكان، هاربة دوما دون أيّة سكينة، بعد مقتل هلال تهرب مرّة أخرى ليتلقفها الشيخ يوسف البارّ حيث تقطن في منزله مختفية من كل شيء.

شرارة الحب تلتهب بين البارّ وقبس، لكن غيرة وحسد النساء الأخريات تفضي بها إلى أن تعتقلها الشرطة إثر “إخبارية” من إحداهن، في السجن يتزوج يوسف البارّ من قبس، يعيشان تجربة غريبة من الحب المؤقت والحياة المؤقتة في السجن، لتنتهي بالقصاص من قبس، إعدامها.

أحداث صادمة تتخلل حياة قبس، في مكّة وأثناء الطواف تلتقي طفلتها، حيث تحاول الوصول إليها لكنها تضطرّ للهرب من أعين أهل زوجها.

كما أنها تحبل داخل السجن أثناء الخلوة الشرعية مع يوسف البارّ، حيث امتدت إقامتها لثمانية أشهر، بالإضافة إلى الموت والاعتقال المحيط بها دوما والذي تحوّل إلى مهرب في بعض الأحيان.

الذكر عالة على المجتمع، هو مهووس بأعضائه التناسلية وكل ما يقوم به هو في سبيل إرضائها، الرواية لا تقدّم دورا فاعلا للذكر، وجوده لا يغيّر من حقيقة ما يحصل، حاضر سلبي في هذا الكون، أما أولئك الطيبون منهم -كعبد اللطيف شقيق قبس أو الشيخ البارّ- معرضون للمكائد، فالأخير يتعرّض للتحرّش ويقع في حب امرأة قاتلة هاربة “قبس”.

وبالرغم من كل إيجابياته إلا أنه غير قادر على تغيير ما تمرّ به، بل يقدم لها الكلمات ويتحوّل إلى ضحية في سبيلها، ويلهب عقلها بحكم صوفية عن الله والكون والوجود والتماهي مع سرّه.

تتعدّد أساليب السرد في الرواية فتتخللها الأحلام والمراسلات بالإضافة إلى قصائد شعرية أحيانا، هناك تناصّ في الرواية يفتح المعنى، يجعله أكثر ألقا وأصالة ويكسبه شعرية سردية تتجاوز الوصف اليومي لتقدمّ تفاصيل جديدة ورؤية متفرّدة للكون، ألسنة الشخصيات تنطق بكلام يفيض سحرا ومعنى حيث تتجاوز دورها في الرواية لتصبح صوتا منفصلا يعيد تحديد العلاقة بين الإنسان والمدينة والكون.

16