دخان معركة حاسمة يتصاعد في طرابلس

تضارب في المعلومات حول ما يجري في العاصمة الليبية، وتوازنات تميل لصالح الدولة بعيدا عن هيمنة الميليشيات.
الأربعاء 2018/09/05
هل تسطر معركة طرابلس الكلمة الفصل في تاريخ ثورة 17 فبراير

تشهد العاصمة الليبية طرابلس انحدارا متسارعا نحو مواجهة شاملة بين مختلف كتائبها بما فيها تلك التي خسرت معاقلها في معركة المطار في 2014، أو التي هزمت في معركة 2017، مع ظهور لاعبين جدد في 2018. ويبدو المشهد في طرابلس شديد التعقيد، من حيث رمزية أرض المعركة باعتبار أن طرابلس هي العاصمة، والسيطرة عليها ستحدد الجهة الأقوى وقد تدفع نحو ترجيح كفة حكومة على أخرى، حيث تتنازع السلطة حكومتان متنافستان؛ الأولى حكومة الوفاق ومقرها طرابلس ويديرها فايز السراج والثانية موازية في شرق البلاد، كما تأتي تعقيدات المعركة من تعدد الميليشيات وتداخل مصالح القوى الخارجية.

القاهرة - تؤكد الأحداث المتسارعة التي تمر بها العاصمة الليبية طرابلس حاليا، أنه بعد يوم 26 أغسطس الماضي، لن تعود المدينة ولا البلاد إلى ما كانت عليه منذ أن تمكّنت ميليشيات مسلحة من السيطرة على الكثير من مؤسسات الدولة، بعد سقوط نظام العقيد الليبي معمر القذافي، وحصلت على حماية معنوية وسياسية ورضاء من جانب قوى محلية وإقليمية ودولية.

أنهى دخول اللواء السابع-مشاة القادم من ترهونة جنوب طرابلس، في 26 أغسطس الماضي، مرحلة قديمة وصفها أحد المصادر المطلعة لـ”العرب”، بأنها “ثورة تشبه ثورة 30 يونيو 2013 في مصر، التي أعادت ضبط الأمور في غير صالح التيار الإسلامي، واحتفظت بممثلين عنه لزوم الديكور السياسي، وشق صفوفه من الداخل، وتخفيف حدة الصدامات مع أطيافه المتعددة”.

استخدم المصدر الوصف السابق باعتباره “فتحا جديدا لطرابلس وتخليصها من الميليشيات”، أو كما يوصفون في بعض الأدبيات الليبية “دواعش المال العام”، عن طريق المكونات الرئيسية التي تتشكل منها قوة اللواء السابع.

وتبدو التركيبة التي يضمها اللواء السابع في شكله الجديد، أي بعد أن قام فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق الوطني، بحله في أبريل الماضي، ممثلة لغالبية الرموز التي حضرت مؤتمر داكار في 12 مايو الماضي برعاية جان إيف أوليفييه، وهو ما تزامن مع توقيع ميثاق العهد والمصالحة بين ترهونة ومصراتة والزنتان، وكان ذلك بداية أو نواة لصياغة تحالفات جديدة، تؤدي إلى تعديل التوازنات التي سادت في طرابلس الفترة الماضية، وهندسها العميد باولو سيرا المستشار العسكري للأمم المتحدة.

وترجح هذه العناصر أن هناك دورا مهما لفرنسا في الأحداث الأخيرة، كما تقول إيطاليا، وهي التي أوحت بالفكرة لأصحابها والمضي فيها منذ مؤتمر داكار الذي حضره عبدالحكيم بلحاج كممثل عن الجماعة الليبية المقاتلة، وقيادات محسوبة على الإخوان مثل صالح المخزوم، وبعض أنصار النظام السابق، للتشاور حول محاصصة للمناصب فى الدولة الليبية، بالتنسيق مع بشير صالح مدير مكتب القذافي سابقا.

المطلوب الآن وضع ترتيبات أمنية مناسبة تضمن إبعاد الميليشيات وتعيد إلى العاصمة أجهزة الدولة الرئيسية والتوصل إلى ما يشبه الصفقة بين القوى الفاعلة

ويعزز افتراض أن فرنسا تقف بالقرب من تحركات اللواء السابع أنها أيضا من كبار الداعمين للمشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي، ووقفت خلفه بقوة في معركة درنة وعملية طرد الإرهابيين منها، ما يجعلها تنهي الصيغة التي فرضتها إيطاليا عبر نفوذ الميليشيات، ومحاولة إيجاد صيغة جديدة تتكون من قوى محترفة ونظامية.

وظهر احتراف هؤلاء وحنكتهم في الطريقة التي تتعامل بها قيادة اللواء السابع مع سكان طرابلس والقوى الخارجية، فمع الفريق الأول تستخدم خطابا شعبويا يحظى بقبول واسع لدى السكان الذين ينحدر غالبيتهم من ترهونة، ومع المجتمع الدولي تتعامل بمرونة وتعرف ماذا تريد بالضبط، ما جعل معركة طرابلس في طور المراقبة من دون تدخلات دولية حاسمة، فقد رأت بعض القوى فيها فرصة للتخلص من ظاهرة الميليشيات بأقل تكلفة مادية.

وألمحت بعض المصادر إلى الأهمية التي تنطوي عليها مسألة أن حفتر ينحدر من ترهونة أصلا، وأن ميليشيات الكانيات، كان اسمها في البداية “الأوفياء” وأنشأها حفتر نفسه قبل أن يعاد تشكيلها على أسس جديدة لتكون نواة ضمن عناصر اللواء السابع في شكله الجديد، وقبل أن يتحول حفتر إلى قيادة الجيش الليبي.

يُضاف إلى هذه العلاقة القديمة أن حفتر أحد أبناء المؤسسة العسكرية الليبية، ومهما تباينت المشارب، فأبناء هذه المؤسسة يحتفظون بقدر من الاحترام المتبادل، لكن هذا لا يعني التنسيق بين الجانبين تماما، والدليل الصمت الذي يخيم على موقف حفتر حتى الآن، فقد يكون صمت “القلق وليس المطمئن”.

ولفتت بعض المصادر، في تصريحات لـ”العرب”، إلى أن عددا من القيادات العسكرية العاملة ضمن الجيش الليبي اقتربت من طرابلس مؤخرا، مشددة على أن هذا التحول “لم يتم بتوجيه أو أمر مباشر من جانب المشير حفتر، كما يتصور البعض، فقد وجدت هذه القيادات فرصتها للعودة إلى أحضان العسكريين المخضرمين”.

واستبعدت المصادر أن يكون حفتر دخل في عملية تنسيق مع القوة العسكرية التي اقتحمت طرابلس، مستفيدا من بعض القواسم المشتركة، ودللت على ذلك بحدوث عمليات إقصاء لبعض القيادات بعد الانتصار في معركة درنة، ووجد هؤلاء في بروز اللواء السابع فرصة للانضمام إليه والابتعاد مسافة عن حفتر.

ويؤكد تضارب المعلومات بشأن علاقة حفتر بمعركة طرابلس أن الجيش الليبي المتمركز في الشرق من الصعوبة أن يغامر بالتحرك نحو الغرب في هذه المرحلة خوفا من حدوث انشقاقات وصراعات تؤثر على الهدوء الذي جلبه في الشرق.

وكانت القوى المسيطرة على طرابلس في البداية، بمثابة انعكاس للعناصر المنتصرة في ثورة فبراير، لكن التطورات التي جرت بعد ذلك، أخذت الأحداث إلى مصير مختلف، وظهرت أبرز تجلياته في اختطاف هيئات ومؤسسات الدولة الليبية من خلال الميليشيات المسلحة التي تمكنت من فرض هيمنتها على العاصمة طرابلس.

Thumbnail

وأصابت الخيبة المكونات الرئيسية لثورة فبراير، مقابل تقدم ساحق للميليشيات، وهو ما أدى إلى التفكير في استدعاء الجناح العسكري المقبول شعبيا في النظام القديم، لضبط التوازن في طرابلس، لأن سيطرة الميليشيات المسلحة أدت إلى زيادة النقمة عليها وزيادة مساحة التعاطف مع بعض رموز نظام القذافي المعتدلة.

وقالت المصادر لـ”العرب” إن المطلوب الآن وضع ترتيبات أمنية مناسبة تضمن إبعاد الميليشيات وتعيد إلى العاصمة أجهزة الدولة الرئيسية، مثل وزارة الداخلية والاستخبارات، والتوصل إلى ما يشبه الصفقة بين القوى الفاعلة، وفي مقدمتها اللواء السابع، وربما بمباركة السراج، لضمان الحصول على شرعية دولية.

وأشارت المصادر إلى أن السراج بدأ يستوعب الدرس، ومع أنه فقد دوره السياسي وأصبح “ورقة محروقة لدى حلفائه”، غير أن قيادة اللواء السابع أعلنت احترامها  لاتفاق الصخيرات، في محاولة لتجنب الدخول في مواجهة مع بعض القوى الدولية، ما يعني أن هناك دورا قادما للسراج بصورة رمزية، بمعنى التوقيع على أي اتفاق منتظر لترتيب أوضاع طرابلس.

وحصلت “العرب” على معلومات تفيد بإمكانية انضمام عناصر من مصراتة والزنتان وجنوب ليبيا لأي صيغة أمنية جديدة، ما يعزز الحفاظ على ثبات التوازنات الصاعدة التي تريد ضبط الأمن بصورة عملية، تنتصر للدولة وتبتعد عن هيمنة الميليشيات.

وكشفت المعلومات أيضا عن خروج الآمر العسكري للمنطقة الغربية، أسامة جويلي، من المشهد الأمني الذي كان موجودا في طرابلس، ورفض الالتزام بالأوامر التي صدرت إليه من السراج لمواجهة زحف اللواء السابع، ما يؤكد حدوث انقسام في صفوف الزنتان حول ما يجري في العاصمة. وتواجه مساعي الجويلي بالتدخل بالفرض والضغط لعدم تغليبه ميراثه السلبي حيال النظام القديم الذي يحظى بتعاطف في صفوفهم.

وفسرت المصادر عدم دخول عماد الطرابلسي معركة طرابلس، مع أن قواته تتمركز على خطوط التماس مع مناطق يسيطر عليها اللواء السابع، بأن الأخير ينحدر من الزنتان، ويقود كتيبة الصواعق التي كانت جزءا من اللواء 32 الذي أسسه خميس القذافي.

وتؤكد المعطيات السابقة أن ما يجري في طرابلس من تطورات سيرخي بظلاله على الكثير من المحددات، يمكن وصفه بـ”الثورة على الثورة، أو انقلاب على الانقلاب”، ففي كل الأحوال سيكون هناك انقسام حول التوصيف الدقيق.

للمزيد: في طرابلس.. من يقاتل من ولماذا

7