دخول مؤجل للجنة

الأحد 2018/02/04

هو مزيج من الإحباط والذهول والصدمة وكذلك الحزن، أصاب اللاعب الدولي الجزائري رياض محرز نجم ليستر سيتي، هو خليط من المشاعر السلبية التي أثّرت عليه إلى درجة أنه سئم من وضعه وكره ولو مؤقتا مداعبة “حبيبته” تلك الفاتنة المدوّرة، فآثر البقاء وحيدا بعيدا، علّه ينجح في تجاوز آثار فشله في تحقيق حلمه باللعب مع فريق قوي يملك طموحا ومشروعا أكبر ممّا هو موجود مع فريقه الحالي ليستر سيتي.

الحكاية تتمثّل في تلقي محرز عرضا لا يقاوم من مانشستر سيتي الذي يتأهّب للتربع من جديد على عرش الكرة الإنكليزية، وكذلك للمراهنة بقوة على لقب دوري الأبطال، هي صفقة أو مشروع صفقة انتظرها النجم الجزائري طويلا، كان يمنّي النفس أن يرتقي إلى علياء نجوم اللعبة وصفوة القوم ويلعب لفائدة فريق قد يوفّر له المراهنة باستمرار على الألقاب.

لكن رغم جدية العرض القادم من الفريق “الأزرق السماوي”، ورغم أن كل الأمور كانت تسير بشكل سلس تمهيدا لإبرام صفقة العمر، إلاّ أن كل شيء سقط وانهار الحلم فجأة بسبب تعنّت إدارة ليستر التي لم تشأ أن تترك “الثعالب” بلا قائد مؤثّر في صورة رحيل محرز.

ففي اليوم الأخير من الميركاتو الشتوي في إنكلترا تأهّب محرز لارتداء ثوب الفرح، استعد كما لم يستعد من قبل تمهيدا لتحقيق هدفه الذي طالما حلم به مذ كان شابا يافعا، كان كأنما يعدّ الثواني والدقائق حتى يلج الجنة الموعودة التي فتحت أبوابها على مصراعيها لاحتضانه، لكن هيهات.. فالحلم لم يتحقّق وولوج الجنة ربما يتأجل إلى أجل غير مسمى، وربما لن يتحقّق، فالفرصة الفريدة والاستثنائية قد تأتي مرة واحدة في الحياة، ومن لم يقدر على استثمارها و”اختطافها” قد يعضّ أصابعه مستقبلا من شدة القهر والندم والحسرة.

هكذا هي حال رياض محرز خلال هذه الأيام، فلا هو سينعم بجنة السيتي ولا هو سيستطيب البقاء في وجار “ثعالب” ليستر إلى أمد طويل، خاصة وأنه شعر بأنه ربما طعن في الظهر من مسؤولي فريقه الحالي الذين حرموه من فرصة العمر كي يلعب مع فريق أقوى قادر على تطوير مستواه ومساعدته على تحقيق غايات كانت في ما مضى مجرد أحلام بعيدة المنال.

وما يحزّ في نفس النجم الجزائري أنه كان محل إعجاب وتنويه من قبل أحد أشهر وأمهر المدربين في العالم في الزمن الحاضر، إذ ليس من السهل أن يهتم مدرب مانشستر سيتي جوزيب غوارديولا بلاعب، إلاّ إذا كان بالفعل موهوبا وقادرا على البروز والتألّق وتسلّق سلم المجد والنجومية العالمية.

لذلك شعر محرز بالغبن والحسرة، لأنه يدرك أن هذه الفرصة قد لا تتكرّر مرة أخرى، خاصة وأن معطيات السوق قد تتبدّل خلال الصائفة المقبلة التي ستشهد بلا شك بروز نجوم جدد في المونديال الروسي المرتقب، وبما أن منتخب الجزائر لن يكون حاضرا، فإن رياض سينتظر بأعين حالمة وقلب مرتجف خشية أن ينساه غوارديولا ويعدل نهائيا عن رغبته في ضمه لكتيبة “السيتيزنزة” مستقبلا.

لكن ما يزيد في شعور هذا النجم العربي بالحنق والضيم أن الفرص تعدّدت في الموسمين الأخيرين، إذ انفتحت أمامه أفق رحبة لدخول “الجنة” الموعودة، غير أن إدارة ليستر رفضت في كل مرة مساعدته وإطلاق سراحه كي يسافر إلى النعيم، فكم من فريق عريق لهث طويلا من أجل التعاقد معه، وكم من عقد وضع على طاولته، لكن كل الظروف أبقته في وضعه الحالي، وجعلته يرضخ للأمر الواقع.

صحيح أن الفضل يعود إلى هذا النادي الذي حقّق “معجزة” كروية لن تتكرّر بسهولة عندما أحرز لقب الدوري الممتاز في غفلة من الجميع، وصحيح أنه قدّمه للعالم بأسره وعرّف به، لكن بالمقابل فإن محرز أدّى ما عليه وقام بكل فروضه وواجباته، وكان مثلا في التحلي بروح الإيمان وعقيدة النصر مع ليستر.

ألا يكفيه إذن كل هذا الولاء والتفاني في دنيا ليستر سيتي كي يحقّ له دخول “الجنة” حلم الطفولة؟ ألم يقدّم محرز أحسن ما لديه في أفضل سنوات عمره خدمة لهذا النادي؟ إذن أزفت الساعة وحان وقت الحساب الذي يمنحه بلا شك كل صكوك النجاح والفلاح والتوفيق، وبالتالي الشرعية في الرقي إلى أفق أرحب.

لقد كره محرز البقاء ولم يعد متحمّسا لمواصلة التجربة مع الثعالب، ومن شبه المؤكّد أنه سيقضي في ما تبقّى من منافسات هذا الموسم آخر أيامه مع ليستر سيتي، لكن بالتوازي مع هذا الأمر ربما يتوجّب عليه التسلّح بالصبر، فبشائر النصر هي كنز الصابرين، وما على محرز سوى الإيمان بقدراته ومؤهلاته التي تخوّل له البقاء على صراط قد يؤدّي إلى الظفر بعقد العمر مباشرة إثر نهاية الموسم.

إذا كُتب لمحرز أن يتمسّك برباطة جأشه ويقدّم مستواه المعهود، فإن كلّ الأبواب ستبقى مفتوحة أمامه، وحتى إن لم يكتب له الانتقال إلى “جنة” مانشستر سيتي، فإن في الفضاء جنات أُخر قد تحتضنه وتوفّر له كل النعم التي طالما حلم بها.

كاتب صحافي تونسي

23