دراسات حديثة تتجاهل دور الوراثة في تشكيل السمات العقلية للطفل

الأربعاء 2015/04/01
الذكاء نتاج للبيئة المحيطة بالأفراد إضافة إلى طبيعة تنشئتهم الاجتماعية

لم يجد المتخصصون بعد إجابة واقعية تفك الاشتباك بين الخيوط التي تربط بين البيئة والوراثة وأهمية إحداهما عن الأخرى في إسباغ سمات شخصية وعقلية معينة على الأفراد، ولعل مستوى الذكاء يمثل أحد أهم مصادر الخلاف بين فريقين من العلماء منذ عقود طويلة، حيث ما زال أحدهما يتمسك بأحقية الجينات الوراثية (المورثات) في الاستيلاء على حصة الأسد من تكوين ذكاء الإنسان بصرف النظر عن تأثير البيئة المحيطة به، في حين يرجح بعض المتخصصين التأثير المباشر لعوامل خارجية في تحديد ذكاء الإنسان بشكل أكبر متجاوزين عوامل الوراثة.

توصلت دراسة حديثة إلى أن الذكاء هو نتاج للبيئة المحيطة بالأفراد إضافة إلى طبيعة تنشئتهم الاجتماعية، محددين بذلك من تأثير العوامل الوراثية ومقللين من أهميتها في تكوين الصورة النهائية.

ووجد باحثون أن الأطفال الذين نشأوا في بيئات اجتماعية أكثر ثراء، حيث يحيطهم أفراد وآباء يتمتعون بثقافة رفيعة، يتفوقون في مستوى الذكاء على أقرانهم الذين نشأوا في بيئات فقيرة ماديا وثقافيا.

وحقق العلماء هذه الاستنتاجات من خلال متابعة أداء أخوة من نفس الأبوين (أشقاء بيولوجيين) نشأوا في عائلات مختلفة، ربما بسبب ظروف خارجة عن إرادتهم وحققوا معدلات ذكاء متفاوتة من خلال قياس مدى أدائهم الدراسي والعلمي.

المختصون لا يتجاهلون دور الأب وأهمية حصول الطفل على حصته من رعايته واهتمامه باعتباره دورا أساسيا

ويرى كينيث كيندلر، أستاذ الطب النفسي الذي أشرف على الدراسة التي نشرت نتائجها في دورية الأكاديمية الوطنية للعلوم في السويد وقارنت بين مستوى ذكاء 436 ممن تراوحت أعمارهم بين 18-20 عاما، الذين تربوا مع أهلهم البيولوجيين وأقرانهم الذين تربوا في عائلات قامت بتبنيهم، أنه لا يمكن التغاضي عن دور المورثات والقدرات المعرفية في ذكاء الإنسان، إلا أنه من السذاجة أن نتجاهل تأثير عوامل أخرى بالأهمية ذاتها إن لم تكن أكثر تأثيرا.

هنالك أدلة واضحة تؤكد أهمية ثقافة الآباء في جعل الأبناء أكثر ذكاء، وهذا الأمر لا شأن له بالوراثة، حيث عولت دراسات عديدة على أهمية قراءة القصص للطفل وتبادل الحديث معه على مائدة الطعام ودمجه في الأنشطة الثقافية مثل زيارة المسارح والسينما، في تعزيز قدراته المعرفية وصـقل ذكـائه الـفطري.

وفي السويد، حيث أجريت الدراسة، فإن نسبة العائلات التي ترغب في تبني أطفال أكبر من عدد الأطفال الذين يحتاجون للرعاية الاجتماعية لذلك، فإن الفرص المتاحة لهؤلاء الأطفال تتسع، حيث يتم المفاضلة بين العائلات التي ترغب في التبني لاختيار أفضلها من حيث المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ولهذا يتفوق الأطفال في الأسر التي تتبناهم عن أشقائهم الذين يعيشون مع آبائهم الحقيقيين من حيث نسبة الذكاء، بسبب الفروقات في المستوى المعيشي والبيئة المحيطة.

إلى ذلك، أكدت دراسة سابقة على أهمية وجود أم حريصة ومحبة في حياة الطفل وفي مرحلة الطفولة المبكرة تحديدا، إذ من شأن هذا أن يعزز من أداء الخلايا العصبية في الدماغ تلك المسؤولة عن تطور نموه العقلي، مع زيادة الرعاية والعناية والعطف الذي تقدمه الأم لطفلها.

من ناحية أخرى، ترى دارسيا نارفيز، أستاذة علم النفس في جامعة نوتردام ورئيسة التحرير التنفيذية لمجلة “التربية الأخلاقية”، أن تبادل الحديث مع الأطفال بطريقة تجعلهم يتلمسون عالمهم المحيط من خلال تفاعل العلاقة بين مشاعرهم وأفكارهم، يمكن أن يكون له تأثير دائم على تطور نموهم الشخصي والعقلي.

الأطفال يتفوقون في الأسر التي تتبناهم عن أشقائهم الذين يعيشون مع آبائهم الحقيقيين من حيث نسبة الذكاء

وعلى الرغم من تركيز معظم الثقافات والمجتمعات قديما وحديثا على دور الأم في تقديم الرعاية الأولية للطفل بحكم تواجدها المتواصل إلى جانبه ليس فيما يتعلق بتلبية حاجاته اليومية المباشرة فقط ومنها الطعام والشراب والعناية الصحية والنظافة، فقد أكد العديد من المتخصصين على أهمية هذا الدور من الناحية العملية، حيث يعتمد على التفاعل المعنوي والفكري المستمر للأم مع طفلها خلال ساعات النهار الطويلة وما يتوافر عليه من عطاء بلا حدود وغير مشروط لكل وسائل الدعم المعنوي مع وجود فرص جيدة لتعزيز مهارات النمو ومنها النمو العقلي والمعرفي، في الوقت ذاته، فإن بعض المتخصصين لا يتجاهلون دور الأب أيضا وأهمية حصول الطفل على حصته من رعايته واهتمامه باعتباره دورا أساسيا، خاصة فيما يتعلق بعملية التعلم والتعامل مع العالم الخارجي وتطوير المهارات الأساسية من خلال تمثيلهم دور القدوة والنموذج المثالي الذي يتأثر به الطفل بصورة لا إرادية وهذا بدوره يصب في مصلحة تطوير المعارف والقدرات العقلية الكامنة ويعينه في اتخاذ خياراته وتشكيل أسلوب حياته، الأمر الذي يحقق أهمية التكامل والتوازن بين الأدوار الأسرية كافة.

وبصرف النظر عن وجود هذا التوازن في الرعاية بين الأبوين، فإن قابلية الطفل لتعلم تزداد وتتطور بصورة إيجابية مع زيادة المساحة المتاحة أمامه وزيادة تجاربه الحياتية وتنوعها وثرائها، هذه التجارب التي وجدت أساسا لاختبار مشاعره وتحريك أفكاره وتطوير طريقة فهمه للعالم من خلال تواجده في بيئات ثقافية واجتماعية ثرية بمادتها وتوجهاتها وعناصر التشويق فيها، حيث يصبح فيها الأبوين مركزا للاهتمام ونموذجا حيا يحتذى به.

21