دراسة جديدة في تجربة الموت عند جبران خليل جبران

طالما كان الموت ثيمة جوهرية في الإبداع الإنساني بكل صنوفه، إذ مثلت هذه الثيمة مجالا خصبا اشتغل عليه جل المبدعين، حيث يمثل الموت مكاشفة مخصوصة ودقيقة وشفافة على الذات الإنسانية والوجود.
السبت 2016/04/16
الفكر وموته يكمنان في الفكر نفسه

كيف تجلت ثيمة الموت في إبداع جبران خليل جبران؟ دراسات كثيرة تناولت أعماله الشعرية والسردية لكنها ظلت بعيدة عن مقاربة هذه الثيمة لديه، والتي تعدّ محورا مهما في تجربته، فلا يمكن قراءة جبران دون التفكير والاصطدام بتمرده وعصيانه وصراخه في وجه الموت الذي يشل الذات والجسد العربيين، والوقوف عند عدميته التي كانت الوجه الآخر لجبران الهائم بالبناء، وانتشال الشرق من المرض والعجز الكابسين على حركة نهوضه وتقدمه.

الباحثة والشاعرة المغربية رجاء الطالبي تحاول في كتابها “المقبرة النشيطة: تجربة الموت عند جبران خليل جبران”، الوقوف على حضور الموت في الخطاب الجبراني، وكيف اشتغل بوعي أو لاوعي الذات الكاتبة مساهما في بناء دلاليته، عبر مجموعة وحدات فرعية: جبران والموت، موت الإنسان، موت القيم، موت الحضارة، موت اللغة، الذات وجها لوجه مع الموت، الموت والرغبة، الموت والحلم، الموت والحياة، الموت والجنون، الموت والحرية.

في تقديمها للكتاب، الصادر حديثا عن دار فضاءات في عمّان، تذهب الباحثة إلى أن الموت يشكل موضوعا جوهريا انكبت على دراسته والاهتمام بأسئلته العديد من الدراسات الفلسفية والدينية والأدبية والفنية، بل يمكن اعتباره أو اعتبار التفكير فيه البؤرة الأساس لكل عمل إبداعي أو فني يتوخى الاقتراب ومحاولة فهم العمق الإنساني والوجودي للكائنات. لا يمكن فهم وامتلاك الحياة إلا بتلك المحاولة السعيدة لإلقاء الضوء على عتمات الموت، ومحاولة انتزاع هذا الأخير من مجهوله ورهبته ومحاولة إنشاء حميمية معه، عن طريق مساءلته واقتحام الهالة المرعبة التي ألصقها به الوعي العادي.

تعتمد منهجية الطالبي نظرية هنري ميشونيك التي ترى أن الإيقاع هو الدال الأكبر، يوجد في الخطاب، لا قبليا عليه، بل يوجد فيه وبه، فهو أوسع من العروض ومشتمل عليه، لأن العروض ليس إلا دالا من الدوال المساهمة في تشكل الإيقاع وبنائه.

وتدرس الإيقاع في تجربة جبران من خلال العناصر المهيمنة على الممارسة النصية التي تنبني الدلالية بتفاعلها، وهي تكرار الوحدات، التكرار الصرفي، التكرار في التركيب النحوي، التكرار الدلالي، علامات الترقيم، وتتقصى هذه العناصر في النصوص الغائبة التي اشتغلت في خفاء طابعة إبداع جبران بإمضائها. وفي هذا السياق ترى أن العملية الإبداعية ليست سوى إعادة كتابة، أو تكرار لنصوص وكتَّاب فعلوا في النص الجبراني، مثل: نيتشه، ويليم بليك، والت وايتمان، الكتاب المقدس، الديانات الهندية والصينية، والتصوف. لكن إعادة الكتابة أو التكرار هنا ليس بالمعنى القدحي لهما، بل التكرار “كراع للكلام من أن ينفد”، التكرار الذي يعانق النسيان أو اعتلال الذاكرة، بحيث تضحى الكتابة أو عملية الإبداع تحميسا أو اشتغالا للذاكرة المتناسية.

تتوصل الباحثة إلى أن عدما قيميا يطارد جبران هو فقدان العرب لإمكانية الاختلاف والغرق الأعمى في تكرار واستنساخ الماضي، مع العجز التام عن خلق زمن خاص والدفع بالجسد لاختبار إمكانياته، وتشكل أعماله نتاجا يطغى فيه المناخ العدمي، حيث أنّ كل إمكانيات الإنسان معطلة في اختيار حاضر ومستقبل يختلفان عن الإرث الماضوي. فالإنسان والفكر عاجزان عن خلق ميتافيزيقا خاصة متحررة من الأجداد. الفكر بمثابة مكنة عتيقة وظيفتها إنتاج التكرار والوفاء للنموذج/ الأب، هو فكر لا يمكن أن يوصف إلا “بمهنة عتيقة مهجورة” لأنه عاجز عن امتهان قضايا عصره وخلق لحظة وزمن تاريخيين منشغلين بأسئلة العصر والواقع المتزامنين له.

وتستنتج أن بطالة الفكر وموته يكمنان في الفكر نفسه الذي من خلاله يفكر المفكر، فلا يمكن أن نشل طاقة الذات المفكرة بسجنها في نمط تفكير وعيش جاهزين. يتجلى موت الإنسان والفكر في عجزهما عن حفر قبر لموتهما وجمودهما. فانشغالهما الأساسي هو إنتاج التطابق والتكرار وإنتاج القالب الواحد الذي يتشابه فيه الجميع. والفكر يموت وتتجمد الذات حين يصبح مجرد “مهنة” تُعيد إنتاج نفس الأسئلة، وتكرار نفس اللحظة الزمنية. يهجر الذات هيامها بالمستقبل وترضى بالخضوع لماض وحاضر يشكلان صورة لنمط عيش بائد، ذلك أن الحياة في نظر جبران لا تستحق اسمها إلا لكونها تعانق شهوة الموت والعدم، اللذين يطوحان بكل خنوع وقناعة واستسلام للنموذج. فالموت من حيث هو إمكان يتيح للذات نفي نفسها في شهوة للتجاوز ومعانقة الزمن الآتي. والسلب مرتبط بالحياة، بل هو ما يجعلها تستحق اسمها. فلا يلقى الحياة إلا من يفتقدها ليجدها أكثر عنفوانا وقوة وتحققا. وشهوة الموت هي شهوة الحياة وقد دمرت فيها كل خضوع واستسلام وعانقت المغامرة وركوب الخطر كإمكانات تتيح لها التجدد.

17