دراسة حديثة تربط بين قراءة الروايات وطول العمر

الناس يفضلون قراءة الروايات العالمية والمجلدات والمجموعات الأدبية الضخمة، وبعضهم يفضل القصص الطويلة والمجموعات القصصية متوسطة الحجم، لكن أيا كان خيارهم المفضل فإن قراءة الأدب عموما أمر جيد على المستوى البعيد وهذه المرة يتعلق بالصحة أكثر من أي شيء آخر، فقد أشارت نتائج دراسة حديثة إلى أن قراء الروايات أكثر حظا في التمتع بسنوات إضافية من حياتهم، مقارنة بالذين لا يعيرون القراءة اهتماما.
الأربعاء 2016/08/10
قراء الروايات يعيشون 23 شهرا إضافيا مقارنة بالأشخاص الذين لا يقرؤون

كشفت دراسة أن القراء يعيشون في المتوسط لسنتين إضافيتين مقارنة بالأشخاص الذين لا يقرؤون على الإطلاق، حيث أوضح الباحثون بأن الحد الأدنى من الوقت المخصص للقراءة يجب ألا يقل عن نصف ساعة يوميا، بمعنى ثلاث ساعات ونصف الساعة أسبوعيا. وأكد الباحثون على أن قراءة الصحف والمجلات والدوريات المتخصصة، ترتبط أيضا بطول العمر، إلا أن هذا الارتباط لا يتضح بالوضوح والقوة كما هو الحال مع قراءة الروايات.

الدراسة التي أشرف عليها باحثون في جامعة ييل الأميركية للأبحاث والتي تعد ثالث أقدم معهد للتعليم العالي في الولايات المتحدة الأميركية، لم توضح الأسباب التي تربط قراءة الروايات بطول العمر.

وللوصول إلى هذه النتائج، استخدم الباحثون بيانات لأكثر من 3600 شخص في سن الخمسين عاما فما فوق، كانوا قد شاركوا كعينة في الدراسة التي رصدت في الأساس بعض النواحي الصحية ثم تطرقت إلى عادات القراءة لأفراد العينة.

ووزع الباحثون أفراد العينة إلى ثلاث مجموعات؛ الأفراد الذين لا يقرؤون الكتب وآخرون يقضون قرابة ثلاث ساعات ونصف الساعة أسبوعيا في القراءة، أما المجموعة الأخيرة فتمثل الأفراد الذين تتجاوز ساعات قراءتهم الأسبوعية الرقم السابق، والذين تم وصفهم بأنهم الأكثر (ثقافة) من غيرهم ومعظمهم كان من السيدات ذوات التعليم العالي والدخل المرتفع، في حين، لم تؤثر صفات الأشخاص الأخرى، كالعمر والعِرق والملف الصحي وكون المرء متزوجا أو لا، إضافة إلى المعاناة من الاكتئاب، على نتائج الدراسة.

قراءة الرواية تخلق وجهات نظر متنوعة وخلفيات متعددة، تسمح بتوسيع نطاق إدراكنا للأشياء

وأكدت الدراسة على أن قراء الروايات، تحديدا، يعيشون 23 شهرا إضافيا أي قرابة العامين، مقارنة بالأشخاص الذين لا يقرؤون. وأوضحت الدكتورة بيكا ليفي التدريسية في جامعة ييل، في مقال لها نشر في مجلة “العلوم الاجتماعية والطب”، بأن القراءة لمدة نصف ساعة يوميا قد تحدث فارقا ملحوظا في ما يتعلق بمعدل دورة حياة الأفراد، في الوقت الذي تبقى فيه ميزة البقاء على قيد الحياة باتباع هذا السلوك القرائي بصرف النظر عن التعليم، الثروة، القدرة المعرفية وبقية المتغيرات التي ترصدها البحوث الرصينة في هذا الإطار.

وترى الدكتورة سارة روز كافانه، اختصاصية علم النفس التجريبي في جامعة تافتس، أن قراءة الأدب الروائي تشبهنا في بعض النواحي بأجهزة الكمبيوتر، التي تحتوي على برامج نتمكن من خلالها من نسخ ومحاكاة التجارب المتراكمة من الخبرات التي نتعرض لها بفعل القراءة، لنعكسها على حياتنا في الواقع، فنحن نشعر بالفعل باندفاع أبطال الرواية وهم يدخلون في تجربة حب جديدة، ونتحسس ملمس الرمال تحت أقدامنا حين نتابع خطوات فتاة تتمشى على شاطئ البحر، بل ونشعر بشمس صباح صيفي وهي تمرر أشعتها على وجوهنا في الصباح لمجرد قراءتنا لهذا المشهد على لسان كاتب الرواية، كما نتعاطف بشدة مع رجل فقد طفله في حادث سيارة في الشارع بسبب الإهمال، ومن دون أن نعي نجد دموعه وقد سالت من أعيننا نحن.

ومن المؤكد أن محاكاتنا لهذه التجارب الخيالية التي ترجمت إلى مشاعر حقيقية، يمكنها أن تستدعي تعاطفنا مع الآخر، أيا كان، فنتفهم خياراته ونصادق على وجهات نظره حتى إذا لم تكن على هوانا.

قراءة الخيال السردي تساعدنا في الكثير من الأحيان، على أن نكون أكثر تفهما وتسامحا مع الآخرين في حياتنا الواقعية

تساعدنا قراءة الخيال السردي، في الكثير من الأحيان، على أن نكون أكثر تفهما وتسامحا مع الآخرين في حياتنا الواقعية، كما يمكنها أن تخفف من حدة وعدد الخلافات التي ندخل فيها معهم سواء أكان هؤلاء أصدقاء أو غرباء، ويمثل فهمنا للأدب المقروء ومعرفة الخلفيات الدرامية والأحداث التي تكون أرضا خصبة للعديد من الأخطاء والقرارات السيئة لأبطال الرواية، وسيلة مساعدة على فهم دوافع الآخرين في حياتنا الواقعية، وتعليل سلوكهم الذي نرفضه أحيانا بل وتقبل بعض هفواتهم ووقاحتهم في الحوار اليومي العابر.

وتشير د. كافانه إلى أن الروايات العاطفية، هي من أكثر الأنواع الأدبية التي تستدعي تعاطفا واضحا من قبل جمهور القراء، مع ما تزخر به من علاقات شخصية معقدة ومشاعر مختلفة فيها الحب، الغيرة، الكره، الحقد وغيرها من المعاني المتناظرة التي تشكل الجو العام والخلفية الدرامية التي ينبني عليها توجه الشخصيات وخط سيرها في المسار المحدد لها سلفا.

ومن جانب آخر، تخلق قراءة الرواية وجهات نظر متنوعة وخلفيات متعددة، تسمح بتوسيع نطاق إدراكنا للأشياء وهذا الأمر يحمينا من الوقوع فريسة سهلة لوجهات نظر فردية قد تكون ذاتية أو بتأثير شخصيات محورية في حياتنا، تحاول رسم اتجاهاتنا وشخصياتنا على وفق منظور محدد وجامد لا يرى في التنوع والاختلاف، متغيرات مهمة بل وضرورية لتقبل الآخر والتعايش السلمي مع من نختلف معه في الرأي، ونتفق معه كوننا شركاء نعيش في رقعة جغرافية واحدة أو نتشارك في محيط اجتماعي أو عائلي واحد، والأمر ذاته يصدق على مجموعة الأصدقاء وزملاء العمل.

ويوصي متخصصون بضرورة محاولة تفهم القيم الإنسانية عن طريق الأدب القصصي والروائي، فهي زاخرة بالتجارب المهمة والواقعية وقد تقدم حلولا ناجعة لمواجهة مشاكل ومآزق يمكن أن تواجه الفرد في حياته الواقعية، خاصة إذا كانت القيم والمعايير الاجتماعية السائدة في متن الرواية تتماشى مع ما هو موجود في المجتمع فعلا وبالتالي، فإن الحلول التي يقودنا إليها (خالق النص) قد تكون المقود الذي يرسم لنا خطواتنا المقبلة، إذ ما وقعنا في الفخاخ ذاتها التي يواجهها أبطال القصة.

21