دراسة مصرية: أبو التاريخ لم يكتب تاريخا

الاثنين 2015/01/12
زيارة هيرودوت لمصر باتت محل تشكيك

القاهرة – على الرغم من اعتزاز المصريين عامة بالمقولة الشهيرة التي أطلقها المؤرخ الأغريقي هيرودوت "مصر هبة النيل، تقول كاتبة مصرية أنها ليست صحيحة تمامًا، فما قاله هيرودوت حرفيًا هو "إن مصر التي يبحر إليها اليونانيون أرض مكتسبة وأنها هبة من النيل للمصريين"، كما تدعو الى عدم الاعتماد بالضرورة على كتبه كمصدر موثق لكتابة التاريخ.

تقول الكاتبة المصرية شيرين الديداموني، ضمن دراستها حول كتابات المؤرخ الإغريقي هيرودوت عن مصر، أن هناك تضاربا واضحا في روايات هيرودوت عن تاريخ مصر.

وتؤكد الديداموني أن المؤرخ الإغريقي الأشهر كذب نفسه بنفسه في مواقف كثيرة، وتقول أن مكانة المؤرخ المعروف بـ"أبو التاريخ" كانت دافعًا قويًا لإجراء الدراسة، بعد أن شكك في رواياته العديد من كبار المؤرخين الأجانب دفاعًا عن تاريخ بلدانهم.

وتحتل كتابات هيرودوت، الذي ولد عام 484 ق.م، مكانة بارزة بين الأسانيد التاريخية وخصوصًا الكتاب الثاني من كتبه التسعة الذي خصصه لوصف رحلته إلى مصر، والذي يعد الأبرز بين الأسانيد التي يعتمد عليها المتخصصون في علم المصريات في كتابة تاريخ تلك الفترة وما قبلها، حيث بدأ الاهتمام بكتابه عن مصر بعد اكتشاف حجر رشيد الذي كان بمثابة مفتاحًا لكنز الدراسات الفرعونية.

وتقول الديداموني إن التأثير الطاغي للمؤرخ اليوناني على دارسي الحضارات كان دافعًا للتدقيق في التاريخ الذي قدمه وتلك المقولات التي قامت على متنها العديد من الدراسات على أساس أنها الصدق بحذافيره، فضلًا عن ضرورة الإبحار في البيئة التي نشأ فيها هيرودوت لتفسير رواياته عن مصر ومدى صحتها.

وكتابات هيرودوت تظهر جليًا أنه تأثر بالأدب الإغريقي الذي كان يلون أسلوبه، ويبدو أنه كان يلقي التاريخ الذي يقوم بكتابته على مسامع جمهوره كفن من فنون الحكي المعروفة عند الإغريقيين القدامى، وتؤكد الديداموني ذلك قائلة "بداية كتاباته لمجلداته التسعة كانت بداية ملحمية تذكرنا بالإلياذة للشاعر هوميروس أي أنها مجموعة من الأحداث العرضية غير المترابطة فيما بينها".

هل تحدث هيرودوت مع الكهنة دون الإفصاح عن هويته بحيث انهم لم يذكروه في رواياتهم المسجلة

الملحمة تقوم على وجود شخصيات قوية ومؤثرة ومثيرة في آن واحد وبشكل مبالغ فيه وهذا ما كان يقوم به هيرودوت في رواياته كي يجذب إليه المستمع ويمتعه، فكان يمزج الأسطورة والواقع بالشكل الذي يختلط على المستمع مدى تصديق أو تكذيب تلك المقولة.

ولم تكن الدراسة التي أجرتها الكاتبة المصرية هي الأولى التي شككت في روايات هيرودوت عن مصر أو تاريخ رواياته عمومًا، بل سبقتها العديد من الدراسات لمؤرخين قدامى اتهموا "أبوالتاريخ" صراحة بالسرقة والانتحال والكذب، على رأسهم بلوتارخوس وثيوكديدس، ومن المحدثين ساييس في كتابه "امبراطوريات الشرق القديم" الذي حاول فيه أن يثبت جهل هيرودوت وعجزه عن إدراك الحقائق، كما اتهمه أنه كان ينقل عمن سبقوه دون الإشارة إليهم.

وأثار ما قصه هيرودوت عن تاريخ مصر شكوك كثيرة من أهمها جهله بلسان المصريين وكرههم للأجانب، وكذا جهل العامة من المصريين الذين اتصل بهم هيرودوت بأصول عقائدهم وتاريخ معبوداتهم، بل ووصل الى حد مواقعة الموتى.

وتكشف الكاتبة المصرية، أن الآثار في بلادها لا تشير إلى وجود هيرودوت على أرض مصر، في الفترة التي من المفترض أن يكون قد زار فيها البلد، وتقول انه اعتمد على الكهنة في الحصول على المعلومات التي شكلت كتابه كما قال أنه أفاض في الحديث مع كهنة الإله بتاح (الملقب بهيفايستوس في ممفيس).

ووفقًا للدراسة، فإن هذه الأحداث دفعت إلى طرح تساؤل، هل من المعقول أن يكون قد تحدث هيرودوت مع الكهنة دون الإفصاح عن إسمه وهويته، بحيث أنهم لم يذكروا ذلك الغريب الذي من المفترض أنه عاش بينهم لشهور أربعة كاملة؟

وأشارت الديداموني في دراستها إلى زعم هيرودوت أن ثبتا من أثبات (قرطاس من البردى) يضم أسماء الملوك قد تم قراءته عليه في معبد بتاح، "وفي نفس الوقت نجده يجهل ترتيب المشاهير من أولئك الملوك وتتابع عهودهم، بل ونجد كتابه يخلو من كل أخبار الملاحم التاريخية وخاصة تلك الملحمة الخطيرة التي تصور هجوم الهكسوس على مصر وثورة المصريين عليهم ثم إجلائهم عن أرض الوطن".

وتتفق أغلب الروايات التي لا تتجاوز كونها اجتهادات في أن مدة بقاء هيرودوت في مصر لم تتجاوز أربعة أشهر، الأمر الذي يثير بدوره شكوكًا حول مدى كفايتها لقيام هيرودوت بجولاته الواسعة في أرجاء مصر قاطبة وجمع وتسجيل ذلك الكم الضخم من المعلومات، لهذا تقول الدراسة أنه لا يمكن تصديق ما سطره في الفصل التاسع والتسعين من كتابه حين يقول، "إن كل ما قلته حتى الآن هو نتيجة لمشاهداتي الخاصة وآرائي وأبحاثي الشحصية".

وتتساءل الديداموني: هل يعقل أن هيرودوت الذى جاب أقطار البلاد لم يشهد أثار طيبة وأبيدوس أو لم يشهد تمثال أبوالهول أو أى معبد مصري؟

وتقول الدراسة أيضا أن هيرودوت، الذي ادعى أنه تسلق المنحدرات الصخرية للأهرام لقياس أيهما أكثر ارتفاعا، لم يذكر لنا حتى أن هرم خفرع يبدو استنادا إلى خبرة النظر العادية أقل ارتفاعا من هرم خوفو.

وأيضا قوله المخالف للحقيقة التاريخية "أن خفرع أخو الملك خوفو" وهذا ليس صحيحا بل هو إبنه، ثم قوله "أن منكاورع ابن الملك خوفو" وهذا أيضا غير صحيح فهو من أحفاده.

وتعود الكاتبة لتطرح تساؤلا حول ما إذا كان تاريخ هيروردوت عن مصر يستند الى مشاهدات واقعية أم أنه منقول عن تلك الروايات السابقة والمعاصرة له؟ بمقارنة كتابات هيرودوت مع الكتابات السابقة والمعاصرة له عن مصر، وتقول "إذا كان هيرودوت ارتأى أن تاريخه الذى شمل تسعة مجلدات لا يمكن أن تتوافر له المصداقية والتكامل بدون ذكر تاريخ مصر منارة الدنيا حينها، فإننا يجب ألا نسلم بتلك الروايات التي تعتمد في كثير منها على الأسلوب السردي غير الموثق".

12